
قانون النفط والغاز
إستحقاق دستوري ووطني – كوفند حسين شيرواني
تتوال فى عراقنا الجديد أحداث ووقائع متتابعة في آخر عقدين من السنين تجعله يستحق تسمية بلد العجائب والغرائب. كانت بلاد الرافدين أو بلاد مابين النهرين (ميسوبوتاميا) وهي التسمية التاريخية للعراق, مهدا لأقدم الحضارات والممالك الإنسانية (السومرية والبابلية والآشورية والأكدية وغيرها) وأقدم الشرائع والقوانين (شريعة اورنمو السومرية وشريعة حمورابي البابلية), غير أن حاضرها يفصح عن وجه وملامح مغايرة تماما عن سالف عصورها.
ورغم الهدوء النسبي في ظل الحكومة الحالية وبرامجها الجادة, فالبلاد لاتزال بعيدة عن الأستقرار التام في ظل ادارات مترهلة وضعيفة تسيرها محاصصة مقيتة وينخر الفساد والمحسوبية الكثير بل ومعظم مفاصل الدولة ومؤسساتها العامة ويستنزف الكثير من موارد البلاد وخيراتها.
تنظيم شؤون
وفي الشأن التشريعي والقوانين, أصدر دستور دائم للبلاد عام 2005 ليصبح نافذا في العام اللاحق. ثم عزز هذا الدستور بجملة من القوانين لها أهميتها في تنظيم شؤون البلاد والعباد. ورغم انقضاء 20 عاما على تشكيل كابينات وزارية متلاحقة في العراق, فأن قوانين مهمة لا تزال تنتظر التشريع والاصدار. وأهم القوانين في لائحة الأنتظار هو قانون النفط والغاز الذي لم يبصر النور بعد, وتلك مفارقة في بلد ينتج نفطا وفيرا منذ قرابة المائة عام.
لقد خلق غياب هذا القانون ومايزال فراغا تشريعيا وارتباكا إداريا في دولة نفطية تمتلك رابع أكبر احتياط في العالم وتحتل المرتبة الثانية في منتجي منظمة الاوبك ويعتمد اقتصادها على النفط بنسبة تفوق الـ 90 بالمئة وفي القانون الجديد لموازنة الأعوام 2023 إلى 2025, بلغت الإيرادات المقدرة للنفط نسبة 87 بالمئة من عموم الأيرادات, فيما اقتصرت الأيرادات غير النفطية على 13بالمئة وهذه النسب غير طبيعية و تؤشر, حسب اجماع الخبراء, خللا كبيرا في هيكلية الاقتصاد العراقي.
قوانين متعلقة بالنفط
لم تفلح الحكومات والبرلمانات السابقة في إصدار قانون عام للنفط والغاز في العراق, لكنها تمكنت من تمرير قوانين أخرى أقل أهمية وتعالج جوانب محددة في الصناعة النفطية, تم تمريرها بيسر في البرلمان العراقي ومن هذه القوانين:
- قانون الاستثمار في تصفية النفط الخام رقم (64) لسنة 2007
- قانون مكافحة تهريب النفط ومشتقاته رقم (41) لسنة 2008
- قانون شركة النفط الوطنية رقم (4) لسنة 2018
وباستثناء قانون شركة النفط الوطنية, فالقوانين الأخرى تعد فرعية وأقل شأنا. فقانون مكافحة تهريب النفط, وعلى الرغم من تفعيله منذ 15 عاما, لم يتمكن من ردع أو منع عمليات التهريب التي تغولت بهيئة شبكات كبيرة اخترقت مؤسسات الدولة وخارجها في وسط وجنوب العراق. هذا وقد فتح قانون الاستثمار في التصفية أبوابا جديدة للاستثمار, الا أنه لم يفلح لغاية الآن, ورغم انقضاء 16 عاما على اصداره, في استقطاب وجذب الاستثمارات الأجنبية الكافية لأنشاء العديد من المصافي. ولا يزال العراق يعاني من نقص في المنتجات النفطية من بنزين وزيت الغاز (الكازويل) والغاز الطبيعي في الوقت الذي يصدر يوميا قرابة (3.4) مليون برميل من النفط الخام, مع وجود قدرات فائضة لانتاج وتصدير كميات أعلى بكثير.
التفاهمات الصياغة
أعدت وزارة النفط الأتحادية مسودة أولية لقانون النفط والغاز, عرضت للتدارس على الأطراف السياسية المشاركة في تحالف إدارة الدولة وكذلك على حكومة اقليم كردستان والمحافظات المنتجة للنفط.
ومن المؤمل, وبعد أن تبدى كافة الأطراف ملاحظاتها, أن ترسل مسودة القانون إلى رئاسة الوزراء للمناقشة والمصادقة. وبعد مصادقة رئاسة الوزراء, سترسل المسودة الى مجلس النواب (البرلمان) للمناقشة والتشريع. حكومة اقليم كردستان أرسلت وبشكل رسمي رؤيتها وملاحظاتها حول القانون الجـــــديد والمستندة على مواد الدستور المتــــــــعلقة بالنـــــــــــــظام الفيدرالي (المادتان 116 و 117) والمواد التي تشير الى اشراك الاقاليم والمحافظات المنتجة للنفط في ادارة النفط المنتج من أراضيها (المادة 112).
وقد قدمت المحافظات المنتجة للنفط ملاحظاتها حول مسودة القانون الجديد الى وزارة النفط الأتحادية. وبسبب وجود العديد من النقاط المشــــــــتركة والتـــــــــــــفاصيل المتطابقة, فمن الممكن دمج المسودة الحالية لوزارة النفط مع رؤية الاقليم وملاحظات المحافظات المنتجة.
الخروج بصيغة (مسودة) وطنية موحدة تحترم جميع الأراء والرؤى وتوحد التوجهات بما يخدم الشعب العراقي واقتصاد البلاد بافضل الأشكال.
نعتقد أن اعداد صيغة معدلة وموحدة للقانون لن يكون أمرا متعسرا, فقانون النفط, وبخلاف العديد من القوانين الأخرى, يتضمن الكثير من التفاصيل الفنية والهندسية والتي لامجال لأختلاف أو تعدد الآراء بشأنها.
أهمية تشريع قانون النفط والغاز
سيملأ القانون الجديد, نتأمل أن لا يتأخراصداره, الفراغ التشريعي في إدارة قطاع النفط والغاز في العراق. هذا الفراغ المستمر منذ 18 عاما, وطوال السنوات السابقة كانت الصناعة النفطية في العراق تدار بالاعتماد على مادتين مختصرتين في الدستور العراقي: المادة (111) من الدستور تتعلق بملكية موارد النفط والغاز وتنص على (النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي), والمادة (112) تتعلق بادارة النفط والغاز وتنص على (أولا: تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة وتوزيع إيراداتها, ثانيا:المركز والأقاليم والمحافظات يضعان السياسات والاستراتيجيات لتطويرثروة النفط والغاز).
فالقانون الجديد, بعد تشريعه, سيمنح الغطاء القانوني لكل الإجراءات والمشاريع والخطط والتعاقدات في صناعة النفط والغاز في العراق, وسيضمن إدارة مؤسساتية أفضل لهذا القطاع الحيوي ويغلق أبوابا للفساد والانفراد في صنع القرارات الاستراتيجية التي تمس اقتصاد ومالية البلاد ومقدراتها.
يتضمن القانون الجديد أو مسودتة, تشكيل ما يسمى بالمجلس الاتحادي للنفط والغاز والمجلس الإقليمي للنفط والغاز ويتضمن المجلسان شخصيات ادارية رفيعة المستوى قادرة ومخولة بأتخاذ القرارات الاستراتيجية والمصادقة على خطط الانتاج والتطوير والتنمية المستدامة, اضافة الى خبراء مختصون في قطاع النفط والغاز. أما الجوانب التنفيذية في الصناعة النفطية فستؤول الى مركز الوزارة والشركات النفطية العامة وتفرعاتها. وهذا التوزيع للمهام والواجبات والتخصصات بين المجلس الاتحادي/الاقليمي سيضمن ادارة واداء أفضل للقطاع النفطي والغازي وسيحول دون تقاطع المهام والى تقليل الأخطاء والأضرار الى أدنى الحدود, وهو ماعهدناه سابقا عندما كانت مهام التخطيط والتنفيذ تنفرد بها جهة واحدة.
إقليم كردستان أيضا سيكون مستفيدا كباقي أجزاء العراق من هذا القانون, حيث من المؤمل أن يحتوي القانون الجديد كل الخلافات السابقة مع الحكومة الأتحادية في إدارة القطاع النفطي كما أنه وفي حالة تمريره بصيغة تتفق عليها كافة الأطراف سيحول دون ظهور أية خلافات مستقبلية وبذلك تصبح إدارة هذا القطاع سلسة وخالية من أية إشكاليات.
من المهم بمكان أن يحترم هذا القانون ويلتزم النصوص الدستورية وأن ينسجم مع جوهر النظام الفيدرالي المكفول في المادتين (116) و (117) من الدستور. فالقانون الجديد للنفط وسائر القوانين العراقية الاخرى يفترض أن تجسد الفيدرالية بشكل واضح وتتفادى المركزية التي لا تمت للنظام الحالي بصلة.
المحافظات الرئيسية في انتاج النفط والغاز, وعددها خمس محافظات, سيضمن لها القانون الجديد حق المشاركة (من خلال المحافظ أو أية مكاتب ادارية أو فنية في المحافظة) في ادارة ووضع الاستراتيجيات في الصناعة النفطية ضمن الرقعة الجغرافية لها, وسيكون لها تمثيل في المجلس الاتحادي للنفط والغاز. وهذا التحديث يعد انصافا مستحقا للمحافظات المنتجة والتي تتحمل آثارا بيئية وصحية متعددة من تلوث في الهواء والماء والتربة واتلاف طبيعة وطبوغرافية مناطق الحقول النفطية. وهذه المشاركة ستضمن للمحافظات المنتجة وسكانها الحصول على المزيد من المنافع الاجتماعية التي يفترض أن تقدمها الشركات النفطية العاملة في مجالات الاستكشاف والتنقيب والانتاج والتصفية للنفط و/أو الغازفي تلك المحافظات.
نتأمل أن تتكلل التفاهمات بين كل الشركاء في العملية السياسية وخارجها لتشريع وتمرير قانون النفط والغاز بصيغة تستند الى مواد الدستور وتحفظ حقوق كافة مكونات الشعب العراقي, وأن يتعاون الجميع بروح وطنية خالصة لا تستهدف سوى خدمة الشعب العراقي وانعاش اقتصاده وتتجاوز المشاكسات والمزايدات السياسيىة والاجندات الحزبية الضيقىة والتدخلات الضارة من داخل الحدود وخارجها.
اكاديمي عراقي
























