إرتداد الإسلام السيّفي

العراقيون والحسين

إرتداد الإسلام السيّفي

ان يقرر مجتمع ما اختيار عشرة ايام من كل سنة وتخصيصها للحزن  هذا شيئاً يحتاج الكثير من التأمل حتى مع الرأي القائل انه نوع من التطهير الابدي لجريمة كونية اقترفها تاريخ هذا المجتمع  مع العلم ان القتلة الحقيقيين لاينتمون جغرافيا الى هذا المجتمع وكان من السهولة تصدير الجريمة الى الشام كون ان حاكم الشام هو المجرم الاول والحقيقي  والحقيقة ان جريمة قتل الحسين لاتخرج من قصة القاتل الظالم والمقتول المبدئي بغض النظر عن اللباس التي تلبسه هذه ألمبادئ

لماذا تفاعلت هذه الجريمة الى الدرجة التي أدت الى تخلخل التاريخ وانفلاته من شكله الاعتيادي الى شكل يجعل الماضي قائما في الحاضر حتى بشكله التقليدي

نحن لا ندرس التاريخ هنا  نحن نستدعيه ونعيش داخله

يعزو البعض بقاء هذا التأثير للجانب الديني وان اللباس الديني التي اتخذته الجريمة هي من جعلت جذوتها مشتعلة حتى الان  والحقيقة ان جرح الحسين تجده نازفا عند المتدين والملحد على السواء كما تجد ان اصحاب الديانات الاخرى يستمرون بالتأثر مع كل عاشوراء  وابسط دليل هو العدد الكبير الذي قرأ الحسين في العالم الغربي  بل كأننا لا نجد تجربة ثورية في العالم لا ترتبط بشكل او بأخر بقضية الحسين(الحسين-غاندي الحسين -جيفارا) وغيرها

اما القراءة الاتكالية فهي التي تربط هذا الخلود بإرادة الرب …وانتهى

والحقيقة ان هناك جملة من العوامل جعلت ثورة الحسين تدور بنفس القوة والزخم التي تدور به عجلة التاريخ اكثرها اهمية ان ثورة الحسين كانت خروجا على الاسلام السيفي الذي تشكلت بوادره مع استمرار ما يسمى بالفتوحات الاسلامية وتحول الاسلام من الدفاع الى الهجوم والغزو والذي تطلب ابراز مجموعة من الافكار كان تأثيرها واضحا في العامل الانساني (الجزية السبي سلب الاراضي  التحولات الاجتماعية الكبرى التي حصلت في بنية هذه الشعوب بعد دخول الاسلام السيفي اليها) كل هذه وغيرها ولدت واقعاً اجتماعياً شكله الخارجي الدين وجوهره الدنيا  ان استعمال السيف خارجيا كان لابد ان يرتد على الداخل الاسلامي وهذا ما حصل في مقتل عثمان وما لحقه من احداث ..

العراقيون كانوا اشد الشعوب التي عانت من الاسلام السيفي هذا ربما لان الشكل الديمقراطي الذي كان يعيشه العراقيون ذو الاغلبية المسيحية مع وجود السيطرة الفارسية التي لم تحاول طوال هذه السنوات فرض الديانة المجوسية على العراقيين  ربما لان الديانة المجوسية اصلا غير دعويّة او ربما لان الفرس كانوا يتمتعون برؤية اكثر انفتاحا تجاه الدين والذي يقرأ الديانات الفارسية يجد ان الحرية عامل اساسي في هذه الديانات بغض النظر عن مقبولية الشكل التي تأخذه…

فُرض الاسلام فرضا على العراقيين ودخل الجزء الاعظم للإسلام تهربا من الجزية  اما الخيرات التي نُهبت من ارض السواد والنساء اسُتبحت فيذكر التاريخ منها الشيء الكثير  وكان على العراقيين ان يقبلوا بهذا الواقع ويحاولون تغييره  هذا المفصل وهذه الروحية هي من جاءت بالإمام علي (ع) الى العراق  كان يدرك ان هناك مشتركات كثيرة بين رؤيته ورؤية العراقيين اهمها رفضهم للشكل السيفي للإسلام وان الشكل الدعويّ القائم على المعرفة هو الشكل الاصلح لانتشار هذا الدين  ربما نشوء المدارس اللغوية وانتشارها في العراق واحدة من ميزات هذا التأسيس …

لكن ارتداد الاسلام السيفي على الداخل تحمل اعباءه الامام علي وبكل بشاعته ونتائجه الكارثية وهذا ولد ردة فعل عند العراقيين التي وجدت ان السيف مرة اخرى هو الحاكم وان الاسلام السيفي يعود بشكل جديد …

كان على الامام ان يقاتل الاسلام السيفي بالسيف نفسه وهذا ما لم يستوعبه العراقيون  لكن مع استشهاد الامام واستلام معاوية الحكم الممثل الحقيقي للإسلام السيفي بدأ العراقيون يشعرون بتقصيرهم في نصرة الامام وتكاسلهم في الوقوف معه …

النتيجة هذه المرة هي من تولد الشعور بالخيبة مع استمرار الرفض لفهم الدين من خلال شفرات السيوف تخلخل هائل بين الفكر والواقع عالجه الامام الحسن(ع) بوثيقة الصلح وهرب منه الكثير من العراقيين لمبدأ الحاكمية ورفض الحاكم اكان دعويّا او سيفيـا..

كانت حيرة العراقيين مع الاسلام لا تقل عن حيرة الامام علي مع العراقيين  والحقيقة ان لا هم استوعبوا اسلام الجزيرة ولا هذا الاسلام استطاع ان يستوعبهم وهذه اشكالية الحضارة والبداوة الذي لايمكن صهرهما في دورق واحد إلا بعد الغاء احدهما فكريا مثلما فعل معاوية مع اهل الشام ..

كان الحسين يعرف ان العراقيين رغم هذه التقلبات هم الاكثر قربا للفكر الاسلامي بجوانبه الانسانية وهم الوحيدون القادرون على تلمس هذا الجانب من الدين  بل وحدهم من يستطيعون بناء الفكر الديني فكريا وإبراز جوانبه الانسانية ورغم انه يدرك رفض العراقيين للجانب السيفي من الدين لكنه ذهابه الى اي اتجاه اخر غير العراق هو ذهابه للإسلام السيفي نفسه.

هذه الإشكالية بين رفض الاسلامي السيفي والدفاع عن هذا الرفض بالسيف نفسه هو ما كان على الحسين ان يجد له حلا وكان رأسه هو الحل …

كان يعرف ان العراقيين لن ينصروه وكان يفهم هذا الموقف من العراقيين  بل هو لايحتاج الى نصرتهم  يحتاج ان يتفاعلون فكريا مع الثورة  وهو يعرف انهم سيقومون بهذا التفاعل  ليس لأنهم يشعرون بالتقصير تجاه هذه الثورة بل لأنه هو هذا الدور الذي اراده الحسين لهم..هو من اختارهم لأنهم الشكل الحقيقي لبسمة الله.

سعد عودة – بغداد