إرادة الشعب وفساد المسؤول

إرادة الشعب وفساد المسؤول

بعد تجربة تجاوزت العقد من السنين كان المتوقع طبقاً لما تتعارفه الدول ذات الثروات والموارد الطبيعية الكبيرة.. ان يخطو العراق بخطى واثقة وثابتة نحو التقدم والازدهار فقد اتيحت له الفرصة أخيراً في أن يحكمه شعبه من خلال ممثليه، أملاً في استعادة موقعه اللائق به عالمياً، والارتقاء به على كافة الأصعدة والميادين، وذلك بعد حقبة طويلة من حكم الطغاة والمتجبرين.

كان المفروض ان تنبثق عن إرادة الجماهير (الذين ادلوا بأصواتهم لصالح من وثقوا به من المرشحين) ارادة واعية كفوءة قادرة على النهوض بالعراق الى مصاف الدول المتقدمة والمزدهرة، وكان المتوقع من الانتخابات الديمقراطية والتمثيل البرلماني ان يفرز نوّاباً وطنيين متفانين في خدمة شعبهم وامتهم، غير انه ثبت العكس بعد هذه التجربة الطويلة (مع الأسف)، وظهر جلياً أن هذه الارادة الجزئية لم تمثل الا نفسها، ولم تسعَ في صالح العراق ورفاهية شعبه أبداً لكونها فاقدة للوطنية والاخلاص والوعي، بل لقد اصبحت هذه الإرادة الجزئية مانعاً دون الازدهار وسبباً مباشراً لاستفحال الأزمات في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية والثقافية، وذلك بما استنزفته من الثروات وما كرسته من حقوق الشعب خدمة لمنافعها الخاصة، ولسوء إدارتها لأجهزة الدولة وتقصيرها الكبير بل قصورها في أداء الواجب وتحمل المسؤولية.

لقد افرزت هذه الارادة الجزئية ثلاثة عوامل للفشل والانحطاط: الفساد المالي، والفساد الاداري، والفساد الأخلاقي. والذي يتحدث عنه الناس اليوم هو الفساد المالي والفساد الاداري فهما في الواجهة، واما الفساد الأخلاقي فلا يتحدث به احد؛ لانه يجري خلف الكواليس عبر سماسرة البغاء وبنات الهوى المحظيات، وهؤلاء هم الخط الاول والمدلل مما يسمى بالحاشية، وتعطى لهؤلاء عناوين ومناصب خاصة من قبل فسدة المسؤولين امعاناً في السرية، وتطبيقاً لمقولة: إن الله يحب الساترين.. بعد كل هذ الفشل والانحطاط والتردي الشامل كان لابد من استبدال الارادة الجزئية بإرادة الشعب الكلية، والتظاهر السلمي الواسع هو احد ابرز مقومات هذه الارادة الشعبية، وهو الطريق الامثل للاصلاح وانقاذ ما يمكن انقاذه من خيرات العراق وموارده، فهو المقتضي لحصول الانفراج واعادة الامور الى مجاريها. ناهيك عن كونه خطوة كبيرة باتجاه محاسبة الفاسدين والمفسدين.

حسن النجفي