إدوارد سعيد في لحظة أزلية
المعرفة المتألقة و الآخر الصامت
عدلان جمعة
الاستشراق والهيمنة الامبرياليّة أو الطّعن في المقاصد
درج الباحثون على مقاربة الظّاهرة الاستشراقيّة مقاربات نصيّة لا تتجاوز حدود المناهج المعتمدة أو النّتائج المعلنة فكان الاستشراق بذلك قضيّة فكريّة لا تعني إلاّ أهل الاختصاص في الجامعات والمؤسّسات الدّراسيّة الذين قد لا يتجاوز الجدل بينهم حدود القضايا المعرفيّة التي أفضى إليها هذا البحث أو ذاك، لكنّ إدوارد سعيد أحدث القطيعة الكليّة مع هذه الرّؤية النّخبويّة القاصرة حسب رأيه عن إجلاء حقيقة الاستشراق وتبيّن خطورة الدّور الذي اضطلع به في التّاريخ الحديث. فقد أعلن في سياق عرضه لرهانات كتابة الاستشراق أنّ سلسلة المعرفة والقوّة التي تخلق الشّرقي وبمعنى ما تلغيه ككائن إنساني ليست بالنّسبة لي قضيّة جامعيّة حصرا .24
لقد ذهب سعيد إلى اتّهام الاستشراق بكونه الأداة الثّقافيّة التي استطاع بفضلها الغرب إخضاع الشّعوب الشّرقيّة إلى الهيمنة الاستعماريّة الغربيّة منذ حملة نابليون بونابرت على مصر وهي الأولى في سلسلة من المواجهات الأوروبيّة مع الشّرق سخّرت فيها معرفة المستشرق الخابرة لأغراض استعماريّة مباشرة ،25 بل إنّه ليحمّله جريرة جانب من الهيمنة الامبرياليّة الأميركيّة والصّهيونيّة على العالم العربي في العصر الحديث. فحرب الخليج ما كانت لتقع لولا ذلك المفهوم المنسوج في دأب وإتقان ومفاده أنّ هذه الشّعوب البعيدة هناك ليست مثلنا نحن ولا تستستسيغ قيمنا نحن وكلّها مزاعم تشكّل لبّ العقيدة الاستشراقيّة .26 فالاستشراق من هذا المنظور ليس إذن مجرّد مسألة نصيّة يقبل عليها بالنّقد والتّمحيص أهل الفكر وهواة النّصوص بل هو قضيّة من قضايا الحضارة الإنسانيّة على صلة بالإنسان في وجوده وهويّته وتطلّعاته، في حاضره وماضيه ومستقبله. فما هي خلفيّة هذه الأطروحة وما هي دعائمها؟
إنّ فكرة التّلازم بين الاستشراق والمشروع الاستعماري الغربي للشّرق في كتابات سعيد لتحتاج في اعتقادنا إلى مزيد الإبانة إذ ظلّت رغم كثرة تطارحها في سياق الجدل بين أنصار الاستشراق وخصومه ملتبسة في بعض الأذهان. والعلّة في هذا الالتباس هي أنّ المتجادلين صرفوا جهودهم إلى الخوض في ما انتهى إليه سعيد من نتائج وأحكام وسكتوا عن المقدّمات التي استند إليها في تحليلاته. ثمّ إنّ المسألة بالغة التّعقيد ولا يمكن حصرها في علاقة سببيّة آليّة بين عامل ومعمول بل إنّ الأمر أكثر تعقيدا لأنّه موصول بالثّقافة واللّغة والأفكار والوقائع التّاريخيّة. ولزاما علينا كي نفهم خلفيّة أطروحة سعيد، أن نحدّد أوّلا مفهومه للاستشراق.
قدّم إدوارد سعيد في كتاب الاستشراق وفي غيره من المؤلّفات التي عاد فيها إلى طرق نفس المسألة تدقيقا لفكرة بدت له غير واضحة في أذهان قرّائه أو ردّا على مطاعن نقّاده، وهم كثر، تعريفات كثيرة للاستشراق. فقد كان حريصا على أن يجلي حقيقته التي بدا له أنّها ملتبسة حتّى في أذهان بعض المستشرقين الذين قضوا سنوات طوالا من أعمارهم يدرسون الشّرق وهم يتوهّمون أنّهم يسدون خدمات جليلة له أوّلا ولثقافتهم الغربيّة في مقام ثان. هؤلاء كانوا يمارسون أنشطتهم الاستشراقيّة وهم غافلون عن الدّور السّياسي الذي قد تنهض به بحوثهم داخل نسيج الثّقافة القوميّة التي ينتمون إليها لذلك كان سعيد يتجنّب لغة الإدانة والاتّهام في مواضع كثيرة من كتاب الاستشراق ، بل إنّه ليلتمس الأعذار لبعض المستشرقين الأوائل الذين لا نستطيع اليوم تخطئتهم بسبب تضييقات فرضتها على إنسانيّتهم الطّبيعة الغربيّة الرّسميّة لوجودهم في الشّرق 27 أو الذين كانت تعوزهم أدوات البحث ولوازمه.
ينطلق إدوارد سعيد في نقده للعلاقة الجدليّة بين الاستشراق والهيمنة الاستعماريّة الغربيّة على الشّرق من حقيقة الجغرافيا. فقد كان ثمّة تقارب دائم بين أمم الشّرق وأمم الغرب منذ أقدم الأزمنة. ورغم رفض سعيد لهذا التّقسيم الوهمي، فإنّه استند إليه على سبيل الإبانة عن الطّريقة التي يتشكّل من خلالها وعي كلّ أمّة بهويّتها. فالغرب لم يكن يعرف ذاته الغربيّة إلاّ من خلال اختلافها مع الآخر الشّرقي وتباينها معه. لذلك كان الغربيّون يمتلكون معارف كثيرة عن الشّرق لأنّهم وهم يتعرّفون إليه، إنّما يرون في مراياه صورتهم النّقيضة. فالاستشراق خطاب تولّد ضمن مجتمع وثقافات المستعمر الأوروبّي أنشأ الغرب بواسطته الشّرق وخلق من خلاله الآخر الصّامت. ومن التّعارض بين هذا الشّرق المتخيّل والذّات تنشأ الهويّة الأوروبيّة.
وقد نشأ بفعل عمليّات الاتّصال الكثيرة هذه مخزون هائل من الأحلام والصّور والمفردات المتوفّرة لكلّ من حاول أن يتحدّث عمّا يقع شرق الخطّ الفاصل .28 لم يكن الشّرق إذن مجهولا بل استقرّت له في وعي الغربيّين صور مشتركة أحكمت الثّقافة الغربيّة توزيعها باعتبارها معرفة موثوقة لأنّها غربيّة المصادر. كان الشّرق معروفا لديهم لأنّهم يعرفون الغرب. ولمّا كان قد استقرّ في الأذهان أنّ الغرب والشّرق ضدّان، كان من اليسير أن تشتقّ للشّرق ملامح النّقيض من النّقيض. هذا الضّرب من المعرفة الاستشراقيّة الرّاسخة منذ العصور القديمة في الثّقافة الغربيّة صار بالنّسبة إلى إدوارد سعيد سلطة متحكّمة في كلّ خطاب ينشئه كاتب غربي حول مسألة شرقيّة. وقد اعتبر سعيد أنّ هذا الاستشراق الكامن على غاية من الخطورة إذ لم ينج من تأثيره حتّى أكثر الكتّاب الغربيّين نبوغا وتحرّرا ودقّة وصرامة ذلك أنّ كلّ الذين كتبوا عن الشّرق من ماركس إلى فلوبير إلى نرفال رأوا الشّرق موضعا يتطلّب العناية الغربيّة بل حتّى الخلاص الغربي .29 ويستمدّ هذا الضّرب من الاستشراق الكامن سلطته على الوعي الجمعي من أجهزة الثّقافة وآليّاتها التي تضمن للأفكار الانتشار والرّسوخ. وقد قامت أطروحة سعيد على اعتبار الاستشراق الكامن الطّريقة الأولى التي أسهمت في إخضاع الشّرق للهيمنة الامبرياليّة الغربيّة في أوائل القرن العشرين.
وإذا كانت بدايات الاستشراق الكامن تعود إلى عهود اليونان القديمة، فإنّ الاستشراق أصبح مؤسّسة رسميّة وفرعا منظّما من فروع الثّقافة الغربيّة وميدانا من ميادين الدّراسة المتفقّهة بعد صدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام 1312 بتأسيس عدد من كراسي الأستاذيّة في العربيّة واليونانيّة والعبريّة والسّريانيّة في جامعات 30 أوروبيّة. وقد عرض سعيد حججا واقعيّة على تزايد حرص الغربيّين على تنظيم معرفتهم بالشّرق من خلال بعث المؤسّسات المختصّة وتمويل مشاريع البحث حتّى ذهب بعض المدافعين عن هذه المشاريع إلى أنّ في إرسال الأموال وتقديم التّبرّعات إعلانا عن الالتزام بمصلحة الأمّة والولاء للوطن.31 لقد ذهب سعيد من خلال رصده لتجارب كثيرة من المعرفة الاستشراقيّة المنظّمة إلى أنّ نهاية القرن التّاسع عشر مثّلت لحظة تحوّل في أداء المستشرقين الذين كانت معرفتهم على وشك أن تكتسب حسّا جديدا بروح الرّسالة الدّنيويّة في خدمة الاستعمار الرّسمي .32 ويبدو أنّ هذا الحسّ قد وجد ما يغذّيه إذ تحوّل المستشرق شيئا فشيئا من باحث غربي في شؤون الشّرق بعيون غربيّة إلى خبير يجود بنصائحه إلى ساسة دولته الغربيّة بل كان يمكن اعتبار المستشرق العميل الخاص للقوّة الغربيّة في محاولتها لرسم سياسة تجاه الشّرق .33
التّفوّق الغربي الطّبيعي
إنّ ظهور هذه الدّراسات المتفقّهة والفروع المنظّمة لم يكن يعني بالضّرورة انحسار الأحكام الخرافيّة والأوهام والرّؤى التي رسخت في الوعي الغربي حول الشّرق لأنّ المختصّين لم يرحلوا إلى الشّرق لمعرفته بل رحلوا، ومنهم من لم يتجشّم عناء الرّحلة، ليثبتوا صحّة ما قد كانوا عرفوه. لذلك لم يختلف الاستشراق المعرفي المتفقّه عن سلفه الذي رسمه خيال الشّعراء أو كتّاب المسرح ورجال الدّين في تكريس مبدأ الاختلاف بين الشّرق والغرب ومبدأ التّفوّق الغربي الطّبيعي على كلّ ما هو شرقي. من هذا المنظور بالذّات، تكون المعرفة الاستشراقيّة، ببعديها المنظّم وغير المنظّم، الظّاهر والكامن، أداة للاستعمار الغربي لأنّها هيّأت المجتمع السّياسي لفكرة الهيمنة على الأخر المختلف والعاجز فالإجراءات التي عرف الغرب بها الشّرق كانت سبيلا لمدّ السّلطة عليه .34 ونشير في هذا السّياق إلى إلحاح إدوارد سعيد في مواطن كثيرة من كتاب الاستشراق على هذا التّفاعل بين السّائس الغربي والخطاب الاستشراقي من ذلك ثناء نابليون بونابرت على عمل المستشرق فولني الذي شكّل دليلا كتابيّا لتخفيف حدّة الصّدمة الإنسانيّة التي ربّما شعر بها الأوروبّي لحظة تجربته المباشرة للشّرق 35 واستعارة بلفور الوزير البريطاني لمفردات المستشرق وليام جونز 36 وكذلك شأن معظم رجال السّياسة الغربيّين مثل دوليسيبس وبريجنسكي وجورج بوش الابن …فجميعهم يستعيرون صورهم البلاغيّة في وصف الذّات أو الآخر من النّصوص الاستشراقيّة المأثورة.
هذان البعدان، المنظّم وغير المنظّم، متكاملان في ترسيخ فكرة التّفوّق الأوروبّي على شرق صار معروفا ، لأنّ أوروبّا باستخدامهما معا، استطاعت أن تزحف على الشّرق بأمان وبمعنى غير مجازي .37 فالاستشراق في تحليلات سعيد كان مهيّئا للاحتلال الغربي، مسوّغا له قبل حصوله لأنّه زوّد حكّام الغرب وساسته برصيد هائل من المعارف التي جعلت الشّرق يبدو في متناول السّيطرة الأوروبيّة.
إنّ أخطر ما قامت عليه أطروحة إدوارد سعيد هو تحويل صورة الاستشراق من ممارسة ثقافيّة راقية تدلّ على تطوّر الذّات الغربيّة التي امتلكت القدرة على دراسة ثقافة الآخر الشّرقي المختلف وتوحي بنبل الذّات الباحثة التي تضحّي بقضاء معظم حياتها في بقاع قصيّة مجهولة في سبيل المعرفة، إلى أسلوب للسّيطرة استطاعت بفضله الدّول الغربيّة الاستعماريّة فرض هيمنتها على الشّرق واستعباده وهي تزعم حمايته وتمدينه فجينالوجيا الاستشراق تنتهي إلى نتيجة مأسويّة لقد كان الأصل أن يكون الاستشراق محاولة لمعرفة الآخر ولكنّه انتهى إلى استعباده .38 ومنبع المأساة هو تلك المفارقة بين المقاصد المعلنة من قبل المستشرقين وما آل إله أمر الاستشراق.
لقد بحث سعيد في تاريخ الاستشراق وقاده بحثه إلى توسيع دلالته فلم تعد عنده وقفا على البعدين النّصّي والمعرفي بل تنفتح دلالة الاستشراق على معان جديدة تجتمع على تأكيد خطورة دوره السّياسي والحضاري. فمن خلال استعراض نماذج تاريخيّة كثيرة بدا فيها أنّ ثمّة تلازما بين الممارسة الاستشراقيّة ومشروع الهيمنة السّياسيّة والعسكريّة، اشتقّ سعيد مفاهيم جديدة للاستشراق فاعتبره أسلوبا في السّيطرة أو نهجا في الهيمنة أو مؤسّسة لإخضاع الشّرق إلى الإرادة الغربيّة أو ممثّلا لمؤامرة غربيّة. لكنّ أهمّ تعريفات الاستشراق التي تنأى به عن السّياق المعرفي الخالص وتجعله أداة قهريّة مسلّطة على الشّرقيّين وعلى المستشرقين أنفسهم هو الذي ذهب فيه سعيد إلى أنّ الاستشراق ليس مجرّد موضوع أو ميدان سياسي ينعكس بصورة سلبيّة في الثّقافة والبحث والمؤسّسات كما أنّه ليس مجموعة كبيرة ومنتشرة من النّصوص حول الشّرق كما أنّه ليس معبّرا عن وممثّلا لمؤامرة امبرياليّة غربيّة شنيعة لإبقاء العالم الشرقي حيث هو بل إنّه بالأحرى توزيع للوعي الجغراسياسي إلى نصوص جماليّة وبحثيّة واقتصاديّة واجتماعيّة.. 39. لم يكن الاستشراق وفق هذا التّعريف محض فرع معرفي ينشد المختصّون فيه بلوغ الحقيقة ولم يكن كذلك مجرّد ممارسة آثمة أراد أصحابها تحقيق أهداف سياسيّة معلومة بل استحال ضربا من الوعي الرّاسخ أو نمطا من الفكر المتحكّم في ما ينشئه المستشرقون سواء أدركوا سلطته عليهم أم لم يدركوها لذلك ذهب الباحث رضوان السّيّد إلى أنّ الاستشراق عقليّة Mentality إذا صحّ التّعبير وليس تخصّصا لأنّ المتخصّصين ما صنعوه أو طوّروه بل هم عملوا واعين أو غير واعين في خدمة سلطان القوّة واضعين على وجوههم أقنعة الجامعة والمعرفة .40
تحيل هذه الدّلالة التي انتهى إليها إدوارد سعيد إلى حقيقتين متلازمتين تضافرتا لتشكيل الصّورة القاتمة للاستشراق، سلطة الأمّة وسلطة الدّولة. فالاستشراق في تحليلات إدوارد سعيد نابع من علاقة تقارب جغرافي خاصّة جدّا بين بريطانيا وفرنسا والشّرق. وهو ليس محض صدى لإرادة الهيمنة السّياسيّة بل هو رؤيا سياسيّة للواقع، رؤيا روّجت بنيتها للفرق بين المألوف أوروبّا، الغرب، نحن وبين الغريب الشّرق، المشرق، هم .41 فالمستشرق كان مواطنا حريصا على مصلحة الدّولة سواء كان موظّفا ساميا أو خبيرا أو رحّالة لكنّه إلى ذلك فرد تربّى على قيم الأمّة وأفكارها وتعلّم أن يعبّر عن الوجود والفكر بمفرداتها. بذلك نفهم ثنائيّة الوعي واللاّوعي في تعريف الباحث رضوان السّيّد. فهذا الدّور السّياسي الاستعماري لا ينجزه وكلاء مأجورون واعون بما نيط بهم من مهام فحسب بل يساهم فيه روائيّون ومؤرّخون وشعراء وعلماء وهم غافلون عمّا يفعلون. يقودنا هذا التعريف إذن إلى ضربين من ضروب التّبعيّة، تبعيّة الاستشراق للسّلطة السّياسيّة ولإرادة القوّة في البلاد الغربيّة وخدمته لسياسات الهيمنة والإخضاع وتبعيّة المستشرقين لما استقرّ في الثّقافة القوميّة من قيم وأفكار ورؤى حول الذّات والآخر.
وقد حاول سعيد الاستدلال على الخدمات الجليلة التي قدّمها المستشرقون للمشروع الاستعماري الغربي للشّرق فعدّد النّماذج التّاريخيّة الشّاهدة على التّكامل بين المعرفة الاستشراقيّة والقوّة العسكريّة حتّى أنّه أسند للاستشراق في بعض التّجارب الاستعماريّة الغربيّة أهميّة وسلطة تفوقان ما أسنده للقوّة الماديّة وللتّرسانة العسكريّة. مثال ذلك حملة نابليون بونابرت على مصر التي كانت تجهيزاتها خططيّة إلى درجة التّعصّب وكانت إذا كان لي أن أستخدم الكلمة نصّيّة 42 فقد زال أثرها المادّي والعسكري بعد زمن وجيز لكنّ الكون النّصي الذي أنشأه المستشرقون حول مصر ظلّ راسخا ومتحكّما في كلّ خطاب جديد حتّى الآن. وبذلك يتجاوز الاستشراق وظيفتي التّسويغ والتّبرير إلى وظيفة ثالثة وهي وظيفة ترسيخ السّيطرة الاستعماريّة الغربيّة على الشّرق من خلال الخطاب الذي صار يمتلك سلطة مرجعيّة للغربيّين والشّرقيّين على السّواء. فنصوص كهذه التي أنشأها المستشرقون في وصف مصر 43 يمكن أن تخلق لا المعرفة وحسب بل كذلك، الواقع نفسه الذي يبدو أنّها تصفه .44 بذلك تصبح معرفة الآخر الشّرقي شكلا من أشكال الهيمنة بل الخلق فالاستشراق لم يصف الشّرق بل أنتجه فاحتلال نابليون بونابرت لمصر وإن كان قد فشل في الحفاظ على الارض المستعمرة بقوّة الجيوش فإنّه خلق بالمدلول الحرفي للكلمة تجربة الشّرق الحديثة بأكملها كما أوّل هذا الشّرق ضمن الكون الإنشائي الذي أسّسه نابليون في مصر 45. هكذا عقد إدوارد سعيد الصّلة بين أحلام وخرافات ورؤى ونصوص واختصاصات معرفيّة تضافرت لإنشاء فكرة الشّرق ومؤسّسات دينيّة وجامعيّة وسياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة تكفّلت بتحويل تلك الفكرة إلى مملكة الغرب فالشّرق على النّحو الذي يمثّل به في الاستشراق نسق من التمثّلات تؤطّرها سلسلة من القوى التي تمّ نقلها إلى علم الغرب ثمّ إلى الوعي الغربي لتنتقل بعد ذلك إلى مملكة الغرب .46 هكذا بدا الاستشراق في تحليلات سعيد وفي مختلف منشوراته منذ 1978 إلى وإلى حدّ وفاته ممارسة من ممارسات القوّة تخدم بغضّ النّظر عن الحالات القليلة التي تمثّل الاستثناء لا القاعدة برنامجا استعماريّا للهيمنة والسّيطرة .47 على أنّنا لا نرى لنا غنى عن التّأكيد على أنّ عامل الأزمة الذي تركّزت عليه مطاعن إدوارد سعيد في تاريخ وحاضر التّفكير الغربي بالشّرق هو تلك العلاقة الجغرافيّة بين الفضاء الامبراطوري الغربي ومجال المعرفة الاستشراقيّة فقد تطابق مجال الاستشراق بدقّة مع مجال الامبراطوريّة. وكانت هذه التّوحّديّة المطلقة بين الاثنين ما أثار الأزمة الوحيدة في تاريخ التّفكير الغربي بالشّرق والتّعامل معه. وهي أزمة لا تزال مستمرّة 48. ولعلّ ما يؤكّد هذا التّعالق بين مصير الامبراطوريّة الغربيّة ومصير الدّراسات الاستشراقيّة هو وَحدة المصير. فما إن عصفت حركات التّحرّر الوطني بمصالح الدّول الاستعماريّة في المستعمرات الشّرقيّة حتّى ظهرت بوادر أزمة الاستشراق. وهي أزمة كان أنور عبد الملك أوّل من أشار إليها في مقالته الشّهيرة الاستشراق في أزمة .49 وقد بنى إدوارد سعيد معظم منظومته النّقديّة للاستشراق على قاعدة هذا التّرابط بين المعرفة الاستشراقيّة والهيمنة الغربيّة لذلك ركّز جهوده على نقد الاستشراق البريطاني والفرنسي في القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين وعلى نقد الاستشراق الأميركي الحديث وغضّ النّظر عن الاستشراق الألماني الذي مثّل إهماله حجّة خصوم سعيد المثلى في الرّد عليه ومحاولة الإبانة على تهافت أطروحته. لكنّ إدوارد سعيد ردّ على كلّ من جعل السّكوت عن إسهامات الاستشراق الألماني ومزاياه على الثّقافة العربيّة الإسلاميّة علامة من علامات التّحامل وغياب الأمانة والموضوعيّة،50 بأنّ وجهة نظره لم تنصبّ على ابستمولوجيا جميع الدّراسات الشّرقيّة بل على تلك التي ارتبطت بمشروع امبريالي تحديدا .51 فهو لا يدين كلّ جهد استشراقي ولا يتّهم كلّ مستشرق بالعمالة السّياسيّة بل يستقصي الحجج على مساهمة الاستشراق في تجارب تاريخيّة مخصوصة في خدمة المشروع الامبريالي الغربي في الشّرق.
AZP09
























