إحتواء – هدى جاسم

إحتواء – هدى جاسم

منذ ان كانت طفلة وهي تفسر كل كلمة وكل حركة وفق مفهوم انساني غاية في الدقة قد لا يصل اليه من دخل الخمسين من عمره فهي تتطلع الى الجميع  وتحاول ان تساعدهم باصابعها الغضة ، مرة بكلمة ومرات بحركة واخرى بعطاء يستغربه المحيطين بها .

لايدخل جوفها اي طعام قبل ان تتأكد ان الجميع قد ناله من هذا الطعام او اكثر مما حصلت عليه ليطمئن قلبها وتستطيع ان تمضي بيومها حبا في الاخرين ، احيانا كانت تأخذ دور الام والاب في ان واحد ومع مضي سنوات عمرهاكان دورها يكبر فهي الدمعة لكل حزين والضحكة لكل من نال موقعا او دخل قلبه الفرح ،وعندما دخلت قفصها الذهبي منحها الله من يشبه روحها في العطاء ليكونا ثنائيا قل مثيله في هذا العالم وكأن القدر قد خبأ لها ميزة جديدة ستضاف الى تأريخها الحافل بالعطاء لكل من عرفها .

كانت خطواتها تتسم بالطيبة وهي خطوات تحمل من اسمها الكثير وحتى الاخفاقات في حياتها كانت تخجل من البقاء طويلا في مسيرتها لما تحمله من صفات لا تتناسب مع اي اخفاق يمر بها ،روحها تشبه روح طفل وما يمكن ان يرد الى مخيلتنا من صفات الملائكة مع قوة في تحمل المسؤولية والصعاب التي يمكن ان تواجه اي شخص يحيط بها فهي تنبري لتقف بوجه تلك الصعاب لتكون معبرا نحو جادة السلام والطمأنينة .

في عملها عرفت بصوتها الهادئ وعملها المتقن وخجلها من اي صوت يرتفع فوق صوتها ، فضمن مفومها للانسانية ان الصوت لا يرتفع الا بالحق وما غير ذلك فهو باطل وعندها تكون خجلة من مواجهته لانها انسانة من طراز خاص .

عندما تعود الى بيتها تضع وسادة الرحمة تحت رأس من يحتاجها ثم تتجه الى ابنتها لتزرع فيها ما تعلمته من دروس الانسانية وتصنع منها نبتة ورد تفوح عطرها في كل الارجاء ،تزرع في طريقها كل ماهو متوقع من نباتات دائمة الخضرة لتطرد من خلاله غبار الحزن الذي قد يمر بأية لحظة ،وهذا ماكان ايضا عندما داهم والدتها المرض فوجدها الجميع طودا شامخا بوجه الريح العاتية لمرض خبيث حاول ان يزرع نفسه في جسد اغلى ماتملك فمدت يدها الى الله طالبة منه الشفاء في نفس الوقت الذي صارت فيه بلسما وعونا لعائلتها حتى عبور الازمة . وقفت ومازالت تقف كشجرة وافرة الظلال والثمار على كل من حولها لتمنحهم قوة وعطاء ولا تسال ان كان هذا العطاء سيمنحها شيئا» من الطمأنينة لكنها مدركة تماما ان لها من اسمها الكثير « طيبة « وعليها ان تكون بقدرتلك المسؤولية التي حملها اسمها لها .