إجماع على فوز حركة النهضة في الانتخابات واضطرابات تهدد الإنجازات
الثورة التونسية تاهت بين ثنايا التجاذبات السياسية والحسابات الحزبية
تونس ــ الزمان
تُنهي الثورة التونسية اليوم الاثنين عامها الثاني بعد سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، في ظل حكم حركة النهضة الاسلامية ضمن اطار ائتلاف مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.
ويعتزم الائتلاف الحاكم الاحتفال بالذكرى بحضور عدد من الرؤساء العرب، منهم الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، والفلسطيني محمود عباس، فيما تأكد تغيّب الرئيس المصري محمد مرسي، خلافا لما أُعلن سابقا على لسان الناطق الرسمي باسم الرئاسة التونسية.
ورغم أهمية هذه الذكرى في تاريخ تونس الحديث، فان الأجواء المصاحبة لها لا تعكس حماسا ولا ابتهاجا، بل عكست احتقانا وتوترا واضطرابات واحتجاجات شعبية، وسط حالة من الاحباط واليأس تجاوزت رجل الشارع لتشمل النخب السياسية والفكرية، والمراقبين من الخارج.
ولا يتردد المهتمون بالشأن التونسي في القول ان ثورة تونس تبدو اليوم تائهة بعد أن فقدت بوصلتها بسبب حكومة فشلت في تبديد الغيوم الكثيفة التي أحاطت ولا تزال تحيط بهذه الثورة التي اختلف حتى أهلها حول تسميتها.
ويبدو الاختلاف بين من يسميها ثورة الياسمين ، وآخر فاتحة الربيع العربي ، وثالث ثورة الحرية والكرامة ، ورابع يكتفي بالقول انها ثورة 14 يناير 2011 ، في حين يسميها آهالي سيدي بوزيد مهد هذه الثورة بـ ثورة 17 ديسمبر 2010 ، كمقدمة لحالة التخبط والارتباك الذي تعيشه تونس اليوم،والتي تعمقت بوصول حركة النهضة الاسلامية الى الحكم في انعطافة تاريخية الى الوراء بحسب غالبية القوى السياسية والاجتماعية في البلاد.
ولا تُشكك القوى السياسية بنتائج الانتخابات التي أوصلت حركة النهضة الى الحكم، ولكنها لا تتردد في القول ان ثورة تونس تم الالتفاف عليها وتجويفها، حتى أُفرغت من مضمونها، وصولا الى سرقتها، وتوظيفها لغير ما قامت من أجله.
وقال عطية العثموني الناطق الرسمي باسم لجنة المتابعة ودعم آهالي سيدي بوزيد، وأمين عام حزب صوت الارادة ان الثورة التي اندلعت قبل عامين من مدينة سيدي بوزيد التي ينتمي اليها، سُرقت للأسف الشديد من قبل القوى السياسية التي تتصارع الآن من أجل الكراسي .
وأضاف العثموني ان ثورة 17 ديسمبر كانت لها شعارات واضحة تتمثل في الحرية والديمقراطية والكرامة والشغل، ولكن بعد عامين نلاحظ أن هذه الشعارات مازالت قائمة لأن الترويكا الحاكمة ليس لها البرامج الواضحة التي تتماشى مع مطالب الثورة .
وتابع أن ثورة تونس تاهت بين ثنايا التجاذبات السياسية التي ثبت بالملموس انها تجاذبات فوقية لا علاقة لها بالمطالب الشعبية التي مازالت مُغيبة، لأن النخبة السياسية تبحث فقط على الكرسي، ولا تهتم بقضايا الناس .
وأضاف العثموني الذي كانت مشاركته لافتة أثناء الحراك الاجتماعي الذي عرفته سيدي بوزيد في بداية الثورة أن هذا التيه ترافق مع هجوم ممنهج على بعض المكاسب التاريخية للبلاد، وخاصة منها مدنية الدولة وحقوق المرأة وحرية الرأي والتعبير، وهنا مكمن الخطر .
ويرى مراقبون أن تونس شهدت خلال العام الأول من حكم الائتلاف الحاكم بقيادة حركة النهضة الاسلامية، اضطرابات هي الأسوأ على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويُرشح استمراها خلال العام الجاري بحدة أكبر، بالنظر الى الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة.
ويلف المشهد السياسي التونسي حاليا حالة من الاحتقان والتوتر اتخذت منحى تصاعديا بات يُهدد تماسك الائتلاف الحاكم، الذي وجد نفسه أمام عاصفة من الانتقادات والاتهامات، وصلت الى حد وصف الحكومة الحالية برئاسة حمادي الجبالي أمين عام حركة النهضة الاسلامية بـ الفاشية ، و الدكتاتورية .
وتُحمل المعارضة الحكومة مسؤولية تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية،الذي يتجلى في تواصل الاضطرابات والمواجهات العنيفة التي اتسعت رقعتها لتشمل غالبية المحافظات مستعيدة الأجواء الأولى التي سادت خلال الاحتجاجات الاجتماعية التي انتهت بالاطاحة بنظام بن علي في 14 يناير 2011.
وبينما قال العثموني ان الثورة في تونس مازالت تائهة لم تحقق أهدافها ، قال محمد براهمي الأمين العام لحركة الشعب انها ثورة الشعب بأكمله حررت الجميع وفتحت آفاقا رحبة أمام جميع، وبالتالي لا يحق لأي طرف الاستحواذ عليها والاستئثار بها مهما كانت الدوافع، وأيا كانت الغايات حتّى وان بدت نبيلة في ظاهرها .
وقال براهيمي ان الأوضاع الراهنة في البلاد تُعزّز الشك بالمستقبل الذي تحاول حكومة حركة النهضة فرضه على المجتمع، ويبرّر خيبة الأمل التي تنتاب عموم الشعب الذي يعاني أصلا بسبب تدهور المقدرة الشرائية وتراجع الخدمات الصحية ناهيك عن تفشي البطالة والجريمة المنظمة والانحراف .
وحذر من أن محاولات الاستحواذ على الثورة والتفرّد بالسلطة بحجة الشّرعية الانتخابية قائلاً انها الأسباب الرئيسية لاخفاق السلطة في ادارة شؤون الدولة وتراجع النمو الاقتصادي وتعطّل التنمية وتنامي الاحتقان الاجتماعي، ذلك أن أسلوب السلطة الفجّ في تعاطيها مع الاحتجاجات الاجتماعية قد عمقّ الأزمة وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات الفوضى والعنف المنظّم .
ويرى خبراء أن تونس مقدمة خلال العام الجاري على وضع خطير بسبب استفحال البطالة التي ارتفعت نسبتها في صفوف الشباب لتتجاوز 18 ، وتراجع الاستثمارات وارتفاع نسبة التضخم لتقترب من 6 ، واتساع العجز التجاري، ما ساهم في تدهور القدرة الشرائية للمواطن.
وأخطر ما ستواجهه تونس خلال العام الجاري، هو شبح الافلاس،بعدما غرقت في المديونية، حيث اعتبر حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية ائتلاف حزبي معارض ، أن تونس قد تتعرض لانهيار مالي في غضون 6 أشهر اذا لم تتخذ الحكومة اجراءات حاسمة .
ويُقر الائتلاف الحاكم في تونس بأن البلاد دخلت في مأزق، وأن شبح الفوضى يتهددها، حيث حذر راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة من تحول الثورة الى فوضى قائلا قبل يومين من الذكرى الثانية للثورة التونسية، ان بلدانا كثيرة استطاعت الاطاحة بنظامها والطغاة، لكنها لم تقدر على بناء دولة ديمقراطية بسبب سوء استعمال الحرية .
وأضاف الغنوشي الذي تقود حركته الائتلاف الحاكم في كلمة له أمام حشد من أنصاره، لا نريد أن تتحول الثورة التونسية الى فوضى،لا نريد أن تكون تونس مثل الصومال .
غير أن هذا الاقرار التحذيري الذي يتردد كثيرا على لسان الفريق الحاكم، لم يمنع الفاعلين في المجتمع المدني والحقل الثقافي من القول ان أخطر ما في هذا المأزق هو أن القوى السياسية التونسية تجد نفسها اليوم بعد عامين من اندلاع الثورة تناضل للحفاظ على المكاسب التي حققتها تونس خلال السنوات الماضية، وبخاصة مدنية الدولة والمساواة بين المرأة والرجل، وحقوق الانسان واستقلالية القضاء… .
وقالت آمنة المنيف رئيسة جمعية كلنا تونس ليونايتدبرس انترناشونال، ان تونس تعيش اليوم تضاربا جوهريا بين ارساء دولة عقائدية دينية ثيوقراطية أي دولة المؤمنين المنتمين لطائفة ومذهب وقراءات وتأويلات صاحب السلطة وبالتالي الموالين للسلطة، وبين ارساء دولة مدنية، أي دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، يتساوى فيها كل المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات، من دون اي وجه من أوجه التمييز .
واعتبرت المنيف أن تونس تشهد بعد مرور سنتين على ثورتها تواصل أزمة سياسية لسببين أساسيين، الأول هو غياب روزنامة سياسية واضحة تحدد الأفق السياسي وتوضح الرؤى وتضفي رؤية استشرافية للمستقبل، والثاني تأخر في صياغة الدستور والمصادقة عليه .
وأرجعت تأخر صياغة الدستور الى الخلاف حول ضرورة التنصيص على المنظومة الكونية لحقوق الانسان، وحرية الضمير وتحييد دور العبادات، والى التنصيص بوضوح على حقوق المرأة، وهو خلاف يؤشر الى المخاطر المحدقة بمدينة الدولة وبالحقوق والحريات وبالمرأة المعرضة الى الرجوع الى مرتبة دونية في ظل ممارسات تمس بحرية التعبير واستقلال القضاء والحريات الفردية .
من جهته قال المخرج السينمائي محمد الزرن صاحب فيلم ارحل ، أو الشعب يريد ، ليونايتدبرس انترناشونال ان الوضع في تونس لا يبعث على التفاؤل بكل بساطة .
وتابع الرزن بعد عامين من الثورة نشهد تراجعا للحريات، نحو انحدار عميق ومخيف، وسط تهديدات متزايدة لأهل الفن والابداع بشكل عام، حيث تزايدت القيود بشكل كبير، وذلك على عكس ما طالبت به قوى الثورة .
وقال ان طرق باب تقييد الحريات يعني أننا بدأنا الدخول في عهد جديد من الديكتاتورية مهما كانت الحكومة والخطاب الذي تحاول تسويقه، وهذا أمر خطير وخطير جدا .
ولا يخفي رجال الاعلام والثقافة والفن في تونس خشيتهم وقلقهم من الأجواء السائدة حاليا التي تؤشر الى سعي لتقييد حرية الرأي والتعبير والابداع تحت مسميات عديدة، حيث تعالت أصواتهم للتحذير من وجود خطة لدى حركة النهضة لأسلمة تونس ، وتظاهروا في أكثر من مناسبة للتنديد بهذا التوجه الخطيرعلى مستقبل تونس.
وسط هذه الأجواء المشحونة بالهواجس والقلق المشروع الذي تغذيه تداعيات أمنية خطيرة، يبدو أن تيه ثورة تونس ، وضياعها بين ثنايا التجاذبات السياسية، والمفاهيم الأيديولوجية، وبين تضاريس الحسابات الحزبية الضيقة، والمراهنات الخاطئة،سيتواصل الى أن يعود الرشد للنخبة السياسية التي عليها ضبط الوضع ديمقراطيا على أساس التوافق لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ويرى المراقبون انه في حال عدم الضبط هذا سينتفض المارد الشعبي من جديد ليعيد الثورة إلى مسارها الحقيقي الذي حدده شعارها الأول الحرية والكرامة، والحق في التنمية والتشغيل الذي وحد كافة أبناء تونس ما سرّع بسقوط نظام بن علي في أقل من شهر.
AZP02

















