إبنة كوجو قصة عن إرادة.. آيزيدية ترعى أحلامها فوق الألغام
إسلام عادل
ابنة كوجو، شخصية بلا اسم يميزها عن الاف النساء اللواتي سبين مع سبي و اغتصاب قراهن. تحكي قصة “ابنة كوجو” عن احدى تلك العذراوات اللواتي يفجعن بالعرض في سوق النخاسة كالرقيق. تبدأ القصة حيث معبد الالش الذي يتطهر به الايزيديون، المعبد المحاط بالزهور وكانت ابنة كوجو انقاها “ترعى احلامها” في الوادي. تتمركز القصة حول مصير فتاة سبيت و انتهكت حرمتها و كرامتها كما حصل للألاف من الأيزيديات. رسم عبد الكريم الساعدي شخصية ابنة كوجو بدقة وايجاز جعلها شيقة التناول متمنعة عن الاسهاب في وصف معاناتها. تدور القصة حول الامل بالخلاص و ان كان الموت هو اخر امل. في ظل القسوة و الوجع، يبقى الامل يانعا في روحها الشفيفة، تأمل بالنجاة و تنشد الخلاص فتركب المخاطر و تطلق العنان لأنفاسها الحرة كي تهرب من السجن الداعشي و تتيه بين الارض و السماء حاملة الرغبة بالخلاص و تصل بالنهاية الى مساومة بين القدر الذي يخنق طفولتها و يلوث طهارتها و قدر التلاشي حيث تحلق روحها بعيدا عن اوجاع الارض.
تبدأ ابنة كوجو يومها كأي فتاة اخرى في قريتها حيث تمرح في الحقول و يداعب هواء رغيد اطراف ثوبها. تعود الفتاة الى بيتها لتتفاجأ بنبوءة ابيها التي افزعتها و ادخلت الوجل الى قلبها الصغير متمنية ان تكون خاطرة عابرة. و لم تمض سوى ساعات حتى تحلق الارهابيون حول قريتهم و بدأوا بتلاوة حكمهم الجائر ليسبوا الفتيات و يستعبدوهن . الا ان انفاس الحرية مازالت محبوسة في صدرها. فنزعت عنها ثوب الذل و المهان، مسحت آثامهم من على جسدها فاستبانت لها ارادة قوية و شجاعة تصارع الغموض الذي يلف حياتها و المجهول الذي ينتظرها. فحثت خطاها الدامية الوادي الذي تلفه اشجار تسترها من انظارهم الحيوانية مستندة الى ساقيين ضامرتين مازالت اثار الطفولة عالقة بهما. و لم تدم الحرية التي بذلت من اجلها اخر ما تبقى لها من شجاعة ليتناثر جسدها و تسقي به ارضها.
الحدث الرئيس للقصة يبرز من لحظة تفكير ابنة كوجو بالهرب. التغير الذي عكسه الحدث هو التوق الى التحرر من الاسر و العبودية. لابنة كوجو خيارين، اما ان تبقى اسيرة و هو ما يعني بالنهاية ان تبقى اله جنسية للاغتصاب و التعذيب او الهرب. فاختيارها للهرب اشبع رغبتها بتحقيق الحلم بالعودة الى اسرتها و توقف استباحة جسدها. ادى خيار الهروب في نهاية الامر الى مصرعها فهي طوال القصة و الى ان هربت تعاني بعملية التحرير و توقفت معاناتها بالوجع الاخير لاحتضارها. فحسب بارثيز Barthes فأن الاختيار choice يمكن ان يكون احد معالم الالتواء في الحدث. و بالعودة الى قرارها للهروب، فأنها كانت على علم بانها ربما ستلقي مصرعها ربما او على الاقل بان هروبها لن يكون سهلا و ربما تحقق هدفها او لا و بالتالي فان خيار الموت كان اقرب اليها من قرار البقاء. و هو بالفعل حال الكثيرات في كوجو و سنجار اللواتي يفضلن الموت و الانتحار على معاملة الرقيق عند داعش. حسب نظرية الفرنسي بريموند للشخصية القصصية فان ابنة كوجو هي شخصية سلبية passive في الجزء الاول من القصة بما انها تأثرت بالإحداث التي فرضت عليها. لكنها تتحول في القسم الثاني من القصة الى شخصية تقوم بالأحداث و تتجاوز المفروض عليها لتقوم بالتغير active. و بالمضي برأي بريموند فان ابنة كوجو شخصية مؤثرة على مجرى الاحداث تقاس بمعيار التغير الذي احدثته في القصة modification. ابنة كوجو تمثل المحور الذي تدور حوله الاحداث بل و تنبع منه. الشخصية الرئيسية هي ذاتها الراوية في القصة. عادة و حسب الفرنسي جيرارد جينيت Gerard Genette فان هنالك من يتكلم و هناك من يرى. الا ان الراوي لا يكون عادة العدسة التي ترى من خلالها الاحداث. لكنني هنا اذهب الى تفضيل نظرية الامريكي جايمس فيلان James Phelan و الذي يذهب الى اعتبار الراوي في اغلب الاحيان العدسة التي نرى من خلالها الاحداث. ان ابنة كوجو تكون شخصية قصصية، راوية و البؤرة focus التي ترى الاحداث في نفس الوقت. تجدر الاشارة هنا الى ان الراوية لا تنظر بعينها فقط بل بعين عقلها فهي تسرد وجهات نظر تركز على ادراكاتها الفكرية كسبية و ليس فقط كونها شاهدا يصف مشاهدا و يركب صورا. ان اختيار الشخصية للحديث عن مأساتها جعل من القصة ذاتية اكثر حيث ينساب السرد و تنسج الصور من ذهنية الشخصية التي تعاني في القصة و التي تستشهد من اجل مبدأ الحرية الذي تقوم عليه. اضافة الى ان اختيار ابنة كوجو لتكون الراوية اضاف لمسة انثوية للمعناة و دقة في الوصف موفقة جدا. فتبدأ برواية القصة ابتداءا من عقيدتها الدينية و التي نتوقع ان تكون صارمة في نفس فتاة لم تتطبع بثقافات اخرى، بل ان ثقافتها مازالت بكرا و فطرية تتعلق بالموجودات التي تزدان بها بيئتها. فمعبد الالش اقرب ما يكون الى ذهن الايزيدي المؤمن حين يتذكر مجتمعه بما فيه من عادات و تقاليد و قيم. و هنا يبرز جليا الصراع الفكري الذي تعاني منه الفتاة الايزيدية المقيدة بعقيدة داعش الحيوانية فنراها تبدأ بسرد احداث الماضي الذي تحن اليه حيث تتطهر في المعبد و تلتقي بحبيها قرب شجرة التين. ثم تنزلق نبوءة والدها الذي رأى الدماء تهرق في قريتهم. الفتوى التي تتلى عليهم حيث يسوقون النساء بعدها الى المجزر حيث الاغتصاب الحيواني بحجة الكفر و احقية السبي و الغنائم و ما الى ذلك من الانتهاكات ضد الانسانية. و من ثم القرار بالتحرر و الانتصار لمبادئها و رغبتها بالعيش بمليء ارادتها.
ان الصراع الرئيس في القصة يكمن في المجابهة بين الاسيرة الايزيدية و معتقليها الذين يشكلون بمجموعهم شخصية واحدةcharacter بما انهم العدو الذي تواجهه الفتاة الذي يشترك بالرغبة بسبيها و التعدي على حرمتها. ابرز معالم القصة هي الرغبة الجامحة بالحرية و انتزاع الحق التي تساعد البطلة لتحقيق الهدف. حسب الفرنسي غريماس Greimas، فان هناك من يدعم الهدف الذي تنشده الشخصية و يساعدها على تحقيقيه او ان هناك من يمنع تحقق الهدف. و هناك الذي سينتفع من تحقق هذا الهدف. القوة التي تدفع الشخصية لتحقيق اهدافها لا تتمثل بشخص و انما بالذكاء و الارادة التي تدفعها الى المغامرة و الهرب من الاسر. فلا مجتمع و لا جهة معينة تعينها على ذلك الا افكارها الخلاقة و ارادتها الجبارة. حتى ان صديقتها الاسيرة و التي هربت معها لم تمثل في القصة مصدرا للقوة و انما مساعدة helper للبطلة في عملية التحرر.
























