أنصاف صفحات
عادل دنـــو
سنوات عديدة تشرق فيها الشمس وتغيب، تمر الأيام والليالي مروراً رتيباً.. وأنصاف الصفحات المتروكة بلا معنى.. سنواتي في الدولاب العتيق مرصوصة بلا ترتيب.. وذكرياتي تتزاحم في دولاب راسي.. وتأبى صورة ذلك اليوم ان تفارق أوردتي.. اليوم الذي يعيدني الى صباي.. يوم تبعثرت الكلمات وتناثرت الحروف من نصف صفحة لم تكتمل.. هكذا كانت وكنا.. وهكذا أنصفنا المشاعر ورتبناها في أنصاف الايام على أنصاف صفحات…..؟
أمضيت أياماً في ذلك الريف.. والخريف يطرق الأبواب.. وكانت البساتين الواسعة قد بدأت باستبدال حلتها.. وبعض الأشجار نثرت أوراقها فاكسبت الأرض حولها منظراً بألوان مبقعة صفراء وبرتقالية.. تتمايل وتغير ألوانها كلما هبت عليها نسمات الهواء.. ياله من جمال أخاذ.. قطعة الريف هذه لكأنها الفردوس المنسي.. انها اعجب من العجب..لا أخفي انني كنت مثقلاً بالهموم.. لكن نثيث المياه المتساقطة من أعالي الصخور غسلت رأسي من بقايا السنة الدراسية الأخيرة.. وطهرت كياني من أطلال مواضي الأيام.. ولونت روحي بالمتيبس من قشور الجوز واللوز.. وسقط على الأرض الخصبة مع نوى التفاح والعرموط.. وعدت وأنا أستقل المركبة مع ركاب آخرين مفعم بشعور من يقطع الطريق الطويل وهو ينظر عبر نافذة السيارة.. إلى الأشياء وهي تمر سريعاً أمام ناظريه.. وذكريات تستبق كل الأشياء..
ربما لست تذكرين تلك الأيام الخوالي.. انا اتذكرها جيدًا.. اذكر جميع الاحداث البريئة بتفاصيلها الدقيقة.. في ذلك الحي العتيد.. احاول ان اذكرك بها.. رغم انني مدرك ان ليس بالوقت المناسب لذلك ولكنني اخشى شيئا واحدا.. هو ان لا تفوتني مثل هذه المناسبة.. وتأخذني السنين..
انها مناسبة سعيدة.. سعيدة بالنسبة اليك واليّ..لأنني في مثل هذا السن تفطنت لأشياء كثيرة.. انا عاطفي شديد الحساسية.. ربما عرفت ذلك.. وأسأت الي..أو أنا الذي اسأت اليك..ذلك لم يكن مهما وقتها.. وان كنت انت التي أسأت إلي فأنا أعذرك لأسباب كثيرة.. منها انني احببتك بعمق.. حباً قويًا.. رغم تحديك.. ومواجهتي الاحزان تلو الأحزان..
اذكر وجهك المدور.. ووجنتاك الورديتين.. عيناك الغائرتان قليلاً.. الساحرتان دومًا.. شعرك البني المشوب بلمعان ذهبي.. وخصلاته النافرة المتموجة الطويلة التي تنام على كتفيك كأشعة الشمس..
في المدرسة كنت كالساحرة.. مرت بصمت احلى مناسبات عمري.. يسرع كلينا بعد انتهاء الدوام إلى بيتينا.. انت مع صديقاتك وأنا مع أصدقائي واغتنم الفرص والمناسبات لأجعل عينانا تلتقيان وتتهامسان باحلى العبارات وان للحظات.. ثم تنطلقين إلى درجات السلم الضيق التي تؤدي إلى باب الدار.. وكنت الحظ ان بعضا من الاولاد يأتون ويتسكعون في الجانب الآخر من الشارع وفيهم من يختلس النظر عبر الباب اليك.. كثر المعجبون ما ان اختلج قلبي بحبك..
أمد يدي إلى سلة الخبز التي تضعها أمي فوق الدولاب الخشبي الراكن في زاوية الغرفة، وآخذ كسرة خبز واقتطع منها بأسناني واروح اركض خارجا وانا الوكها.. كان الزقاق المنحني مستقرنا في اللعب.. والدكان الذي في آخر الزقاق يجتذبنا بمعروضاته.. وقبالته فسحة تؤدي إلى النهير والجسر الصغير.. أسير وأركل كل حجرة تصادفني.. وأسمع صفيرًا ما أن استدير في الفسحة.. وأرى من بعيد الولدين.. وهما يلوحان بيديهما.. ومعا نجلس قبالة بيتكم..
ماذا تفعل.
آكل كسرة خبز.. وأنت.
ابتسم النحيل منهما وقال
نلعب..
ونظر إلى الولد الضخم الجثة.. وغمز بعينه.. وهمس
لا تقل له..
كلا.. كلا..
رحت انظر اليهما معا.. غير عابئ بما يخفيانه.. والتقطت أعواداً صغيرة.. وبدأت اكسر منها وارمي الكسرات في الساقية..
لا تزعل.. من أبي حديد..
ولماذا أزعل .؟
وصرخ أبو حديد بصوته الجهوري..
هيا نذهب إلى الدكان..
لا إذهب وحدك..
ويضحك النحيل.. وأضحك أنا كذلك.. وضحك النحيل بدهاء وهو يعتقد انه ناصح في إخفاء ما يخفيه.. وضحكت أنا لإكتشافي إخفاقه اللعين.. كانت ضحكتي تخفي استيائي من أن هذا النحيل اللعين يسترق النظر إلى بيت حبيبتي..
راح ابو حديد يهرول نحو الدكان..
انظر يا زيد.. إنك شقي..
وابتعد خطوتين ونظر إلى جهة الدكان.. واستدار متقدمًا نحوي وأمسك بصدري وقال بصوت منخفض
إنني احبها..
وضغطت بكلتا يديّ على كفه ودفعته بعيدًا
من؟
كان أملي أن يكون هذا آخر احتمال أسمعه.. إنه أشقها على الإطلاق.. كان واحدا من الاحتمالات الكثيرة، نعم، ولكنني أدرجته في القائمة على مضض.. مؤملاً نفسي انه سيكذب ويقول ذلك.. أو لأنه شعر بجوارحي ويريد إغاضتي..
حاولت بكل امكاناتي ألا اعترض طريق سعادتك.. ولكن هذا ليس بيدي.. فالمدرسة والمحلة والزقاق والدكان.. كل هذه الأمكان تعترضني بل وتحرضني للتفكير فيك وتقود خطواتي نحوك رغمًا عن إرادتي..
أحيانًا نظراتك العميقة تضمد جراحي.. ولكن هيهات لها أن توقف النزف..لا بل ان الأدهى من ذلك أن ترسلي كتاب الحساب مع صديقتك مع وريقة كتبت فيها.. رجاء حل السؤال الثالث من التمرين.. وأطير فرحاً من الداخل وأجلس واكتب واكتب.. علك من طريقة حلي للسؤال تستنتجين حبي لك.. ولكن ما هذا التفكير.. انك تعرفين انني احببتك وانت كذلك تحبينني لذا فانك تسألينني ان احل السؤال.. تطلبين أن احل العقدة التي بيننا.. قصاصات صارت الوسيلة التي نتحاور بها.. وتحولت إلى أنصاف صفحات حقيقية مفعمة بالمشاعر الحقيقية التي أنا متأكد منها من جانبي على الأقل..
وتكدست الأوراق وتكدست العواطف.. ومضينا نقترب من بعضنا.. وصارت لقاءاتنا حقيقية.. لقد أخذتيني على حين غرة. واغرقتيني في بحر عينيك الجارف.. لقد أسرتيني ايتها البجعة..سلبت كل افكاري.. اذكرك بكل هذا لأنه لم يحن لي الوقت آنذاك بالبوح بكل مكنونات قلبي..
ترى هل تختبرينني.. مرة ومرتين.. ظننت انك تدعينني للكلام.. ولكن في كل مرة وفي آخر لحظة.. يسرع الزمن والصدف الغريبة لإنهاء اللقاء الذي لم يحصل..
جفلت من غفوتي وإذا بيد بيضاء تمتد اليّ لتنتشل القلم من بين أصابعي، كانت يد الممرضة التي ما ان فتحت عيني وجدتها تبتسم، خلتها ملاكا هبط من فوق.. بيضاء ككتلة من سحابة داعبتها ريح باردة..
إنك تغفو..
آه.. نعم..
تكتب رسالة..
بدأت لتوي..
لها؟
من؟
ليلى..
ليلى.. من ليلى.. ؟
جاءتك مرتين اليوم.. ووجدتك نائماً..
هل يمكن أن تكون هي.؟ ومن اين سمعت انني هنا.. حدقت بوجه الممرضة.. اكاد لا اصدق ما تقوله.. ضاق مدى رؤيتي حتى ارتكز على وجه الممرضة التي كانت ما تزال تبتسم.. ولم اعد ارى غير مساحة مدورة بيضاء.. ليلى.. هنا؟؟ لماذا هي هنا.. وتخيل الي انني اراها هنا.. مرة أخرى..وأسمعها تناديني.. ولكن كيف لها ان تسمع.. اعرف ان الحرب تُقرب الناس من بعضهم البعض.. ويصبح الكل أكثر من أهل بيت واحد..
اتسعت عيناي وجحظتا، حين سمعت صوتا رقيقا يناديني
وليد..
رأيت وجهها أمامي، نفس الملامح التي حفظتها منذ ست سنوات ابعدتني عنها الدراسة وخدمة العلم، وأخيرا الحرب.. نفس القامة ولكن أول مرة اركز على ما توشحت به انه الأبيض.. ممرضة ثانية تقف أمامي.. ورفعت عيني نحو وجهها لأتأكد من انها هي..
الحمد لله على السلامة..
اتكأت على وسادتي وأنا أنفث آهة عميقة.. نفثت معها آلاف بل ملايين الصور من حياتي الماضية،..تسجيل دقيق لتفاصيل مؤثرة.. برقت في ذهني ومرت من أمام ناظريّ بسرعة كبيرة كشريط سينمائي..
رأت هيفاء الموقف وهي ترسم ابتسامة فرح شعرت به فجأة وتنهدت
سأترككما الآن..
وربتت على كتف ليلى ومضت.. تابعتها قليلاً ثم عدت أنظر إلى ليلى.. اقتربت رويدأ رويدا وجلست على حافة السرير وهي تحاول الإبتسام..إلا انها ربما لم تجد رد فعلي التي توقعت ان يكون..
كيف حالك؟
لماذا انت هنا؟
متى أُصبت؟
ضاقت دائرة الحديث.. ورغبت أن استصرخ احساسي الداخلي.. ولكن الكلمات لم تعد تسعفني.. وتفكيري لم يعد يسعفني.. ولم يبق شيء في يمكن ان يسعفني.. وصارت الكلمات مكبوتة في اعماقي اريد ان افجرها ولكن..سؤال قفز إلى ذهني.. وراح يلح عليّ حتى استطعت ان اتفوه به
ترتدين الأبيض؟
أهذا الذي استغرقك التفكير فيه.. انا اعمل هنا
تعملين هنا؟
ممرضة في قسم الباطنية..
ممرضة؟
أغريب ذلك..
ولكنك كنت في كلية الآداب؟
أجل.. تخرجت.. وعينت في وزارة التربية.. وأنا الآن أمضي سنة في التمريض قبل المباشرة في وظيفتي..
آه.. فهمت..
وأحببت العمل هنا.. لأن الظروف تطلبت أن أشارك في مداواة الجرحى..
أيمكن ان تكون هذه المرأة النابضة بالحياة امتدادا لتلك الجميلة الصغيرة الشقية؟.. جسد ممتلئ وقسمات مرسومة بدقة فنان قدير، حفظت تقاطيعه عن ظهر قلب، انها لم تتغير قط.. بدت إمرأة بكل معنى الكلمة..
كيف عرفت إنني هنا؟
هيفاء جارتنا..
جارتك؟
هل تؤلمك ساقك؟
بعض الشيء..
أطمئن فحوصاتك جيدة..
تتابعين كل شيء عني..
فقط أمس عرفت انك هنا..
شكرا
آسفة لذلك.. عندما سمعت.. صُدمت جدًا.
داهمتنا هيفاء وقالت
يطلبونك.. يا ليلى..
حالاً.. أعذرني..
تبتسم كأنها مازالت صبية الأمس.. لقد حركت فيّ أحاسيس شتى.. لكن ماذا يحصل لي.. ماالذي يدفعني مرة أخرى إلى ما فات..إنها البصمة القديمة عادت.. واستسلمت لشريط الذكريات ثانية..
قبل أن اضع قدمي على الأرض باحثا عن حذائي، وانا استند على ذراع أخي وتحاول هيفاء مساعدتي، رأيتها في الممر وهي تسرع قادمة.. تولد لدي احساس شبيه باشتياق هاج داخلي.. اشعر بحنو بالغ نحوها..
مبروك..
قالت بصوت متهدج وعلى وجهها إبتسامةغريبة..
شكراً..
امتدت يدها لتمسك بمعصمي وهم يجلسونني على كرسي..خفق قلبي بشدة.. كنت اتمنى أن المس يدها والآن اشعر بحرج شديد وهي تمسك بيدي.. تقابلت نظرتانا.. وقرأت عتاباً شديداً.. وتناولت هيفاء أوراقي وسلمتها إلى ليلى.. وهمست بصوت منخفض وأشارت اليّ إشارة فهمت منها انها تخبرها اني كتبت لها شيئا..
صرت بحالة يرثى لها.. لم أكن أريد أن تقرأها.. رغم إني لم اكتب غير انصاف صفحات غير مترابطة، إلا انها مقدمة غنية ستكشف لها السر مباشرة.. وددت لو أنتشل الأوراق وأمزقها..إلا انها إستبقت مشاعري ووضعت الأوراق في كيس الأشعة..
هل هذه لي..
وصمت ولم استطع أن انطق بكلمة.
سأقرها فيما بعد.. إن أردت.
دفع أخي الكرسي وظلت ليلى ترافقني وتنظر بين الفينة والأخرى اليّ وتبتسم، وحاولت أن اقنع نفسي انه ليس الحب مرة أخرى.. لكن عبثاً.. بعد هذه السنوات.. ورحت اختلس النظر إلى يدها اليسرى.. وعيناها صارتا أشد إشراقًا وبدتا وكأنها عرفت ما أفكر فيه فأخرجت يدها من جيب صدارتها.. وراحت تفتح تقلب كفها وتبسط أصابعها مرة وتضمهم أخرى.. وانحنت عليّ قرب الباب وهمست
ماذا كتبت لي؟
ليست بالضبط..
أعرف.. ليست بالضبط رسالة أو قصة أو شيء يعنيني أنا بالذات..
أنصاف صفحات.. أشياء غير مكتملة..
فيما مضى كانت أشياء تجول في الخواطر.. نفكر فيها ولا نملك الإمكانية لتحقيق ولو جزء منها.. كنا أبرياء حتى في أحلامنا..
الحرب.. ايقاع الحياة المتغير.. ثقل الفكر.. محت احلامنا البريئة..
انك ترسم سلام الحرب..على أنصاف صفحاتك.
كنت انظر أمامي.. وشعرت بانتعاش لسماعي هذه الرؤية البسيطة.. ومن ناحيتي لم اعرف هل اني متفاجئ حين همست قبل أن ادخل السيارة وانا ابسط يدي لأصافحها وقلت بفرح
زوريني..
فيما فتحت عينيها على اتساعهما.. لمحت دمعتين كبيرتين تنسكبان على وجنتيها.. فرحاً واستبشاراً.. وتحركت السيارة بنا مبتعدة نحو الشارع العريض ودلفت في الزحام.. ونامت أنصاف الصفحات على مقعد السيارة بلا اكتمال.
/7/2012 25 Issue 4260 – Date Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4260 التاريخ 25»7»2012
AZP09
























