أقول الحق ولو كان سماً زعافاً

أقول الحق ولو كان سماً زعافاً
كان الوقت عام 1956 كلفت يومذاك جلب البريد الحزبي “الطلابي” من بغداد إلى الكوت، أتممت الواجب أعلاه، غير أني اعتقلت من قبل أجهزة أمن المدينة أكثر من شهر بهدف إجباري على تقديم البراءة سيئة الصيت من التنظيم الذي أنتمي إليه، وعندما رفضت مثل هكذا إهانة سفرت مكبلاً بالقيود إلى معسكر “قتيبة” في الشعيبة، وهذا المعسكر المتهالك كان قد أعد لاعتقال الطلبةوالسياسيين الآخرين – من مختلف الميول والاتجاهات السياسية – الوطنية والديمقراطية والثورية المعادية للنظام “الملكي” وقتذاك، وكنا نتدرب من الصباح وحتى منتصف النهار لكن بدون ذخيرة ولا سلاح. المهم لغرض للتعذيب النفسي والجسدي ليس غير؟!! وهذا المعسكر الرث كان في العشرينات قاعدة عسكرية للجيش البريطاني وما تبقى منه عبارة عن قاعات مهدمة وإطلال كانت قد انشأت تحت مستوى سطح الأرض.
ما جعلتها غير صالحة للحياة ولا للمعيشة والسكن وغير ذلك. وكانت قاعتنا الوحيدة معدة للمنام والمرافق الصحية والاستحمام، فضلاً على الغرفة الصغيرة التي أعدت لتداوي المرضى وما أكثرهم في ظل ظروف ذلك العهد المشئوم، هذا وبجوارنا بضعة بنايات خاصة بالمطبخ والتوقيف وغرفاً لضباط وبعض منتسبي المخابرات العسكرية وقتذاك، بمعنى لم نكن جنوداً تقليديين لا من ناحية النظام والتنظيم ولا من ناحية التسلح والتدريب؟!! وفي ليلة ظلماء – قارصة البرودة، قررت بمعية رفيق لي المدعو “مهدي ملا عيسى” الذي لا يزال حياً أطال الله في عمره، الهرب عبر الاسلاك الشائكة المحكمة، قطعنا الطريق الطويل، والبالغ عشرون كيلومتراُ مشياً على الاقدام. حتى وصلنا البصرة وفجراً واختفيناليومين في منطقة “باب الزبير” ومنها تحركنا بالسيارة نحو مدينة العمارة ثم إلى مدينة الكوت ومنها إلى بغداد للالتحاق بالتنظيم وممارسة العمل السياسي. الذي من أجله هربنا ليس غير، لكن الذي حصل بخلاف ماكنا نتوقعه، فبعد مضي بضعة أشهر في بغداد نفذ ما لدي من النقود وداهمني الجوع والعوز والفاقة ولم أجد أحداً من “الرفاق” يهتم بي أو يتفقدني لا معيشياً ولا تنظيمياً ولا إنسانياً اضطررت لمقابلة شقيق الفنانة الراحلة المدعوة “زينب” المدعو “أسعد عبد الكريم” الذي كان مديراً لشركة البيبسي كولا في شارع الشيخ عمر وقتذاك، لغرض إنقاذي من غائلة الجوع والحاجة عبر تعييني بصفة عامل أجير في الشركة أعلاه.لكن لم أسمع منه غير الكلام المعسول والاعتذارات الطنانةالتي لا تسمن ولا تغني من جوع!! وفي أحد الأيام كنت قد قطعت سيراً على الاقدام لنفاذ ما تبقى لي من نقود من منطقة باب الشيخ وحتى جسر الصرافية للالتقاء بأحد الرفاق المدعو “ضياء العقيلي” الذي كان معتقلاً معنا في المعسكر المذكور أعلاه وكان هذا الشخص طيباً وشهماً ومن أسرة مترفة آنذاك، لغرض مساعدتي ولما لم أجده في البيت عدت أدراجي خالي الوفاض، أجل: أنه الفقر والجوع والحاجة والإرهاق طيلة الاشهر الخمس العجاف التي مرت علي في “بغداد” بعد هروبي من المعتقل العسكري أعلاه، حتى بت أتخيل شكل الصمونة أو حفنة التمر لسد جوعي اليومي وقتذاك، وقد صدق إمام المسلمين “علي بن أبي طالب” كرم الله وجهه عندما قال “لو كان الفقر رجلاً لقتلته” غير أن القدر كان لي بالمرصاد وأنا أتجول في منطقة الباب الشرقي تم إلقاء القبض علي بدعوى هروبي من المعتقل المذكور أعلاه.
وأودعت في موقف السراي الكائن في باب المعظم. ومنه سفرت مكبلاً بالقيود حيث معتقلي “المحبوب” الذي هربت منه كما ذكرت وأنا شديد الفرح لعودتي فيه ثانية، ذلك أن السجن أهون علي من الحياة في “بغداد” “دار السلام” وأنا عطال – بطال كما يقولون أجل: ضحيت بالغالي والنفيس منذ نعومة أظافري في سبيل الشعب والوطن غير اني للأسف الشديد لم أجد من حزبي ما يقيني شر الفقر والجوع وقتذاك ولاحقاً؟! وهذا هو ديدن “الرفاق” مع بعض الرفاق لاسيما في أوقات الشدة والضيق وفي الكثير من الحالات الأخرى.
وعليه: وبعد إطلاق سراحنا جميعاً عشية نجاح ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة عام 1958 أكون قد أمضيت أكثر من عامين في المعتقل أعلاه والآن يكاد التأريخ يعيد نفسه حيث لا ذكر ولا تقييم لمناضلي “العهد الملكي” ولا لسجناء “سجن نقرة السلمان” وغيرهم سواء من جانب حكومتنا وبرلماننا أم من القوى الوطنية والديمقراطية الاخرى حيث أمضيت في سجن “نقرة السلمان” خمسة أعوام ما بين 1961-1965 وتفاصيل ذلك يجده القارئ اللبيب في مقالي “سجن نقرة السلمان في ذاكرة التأريخ” المنشور في جريدة المشرق الغراء بالعدد 1692 بتأريخ 23/12/2009 صفحة 7 كذلك منشور في الأنترنت باسم “عاصم مطير محمد الطائي” واخيراً وليس آخر أود القول لفائدة الجميع “عندما يصل الحز حد العظام عليك بترك الجمل بما حمل” والحر تكفيه الإشارة والعبرة لمن اعتبر، والتاريخ هو الفيصل والحكم.
عاصم محمد مطير الطائي – بغداد
AZPPPL