
أغلفة ترتدي عطر مؤلفيها وقمصانهم
تصاميم بحاجة إلى مران نفسي وجمالي
نعيم عبد مهلهل
يضع الفن بهجة الاكتشاف عن لحظة تفكير الفنان (الرسام ) بموضوعته ، عندها تشظى فيه نبوءات الوحي في داخله وتتحول الفكرة الى نقطة ضوء تزحف ثملة ونعسانة من ريشته الى فضاء اللوحة ، شيء من أشراك الوحي برغبة لإنجاز ما يتمنى الرسام إنجازه على طريقته التي يرتئيها هاجس التعبير عن الذي يسكنه ويريد ان يعلنه لنا كما يعلن الشعراء قصائده على منابر الروح البشرية. انها جدلية إتقان الموهبة وأبعادها عن صبغة الصنعة، لان الأبداع من خلال الموهبة يوفر للفنان أبواب ولوج أسطورية قد تتحول عنده اللوحة بسبب ذلك الى ملحمة يؤسطر فيها غرام لحظة مع خيارات خشب اللوحة والألوان والفكرة وحتى قماش اللوحة خشبا كان أم قماشاً .
فن الأغلفة وتصميمها لا يختلف عن رؤى اللوحة بشيء…واذا كانت اللوحة تتسمر على جدار متحف او غرفة ضيوف او محطات مترو او ناد ليلي فأن الغلاف يذهب الى الأمكنة كلها، يسافر ويسكن الرفوف ويعار من واحد الى واحد وأول مفاتيح فك طلاسمه هو لوحة الغلاف . ففيها يستشعر القارئ إن بدء الفكرة والمعنى كامن هنا ، وعليه ان يتخل النص من اول المتن هذا حيث الغلاف بتصميم فنان استوعب المعنى بكل فصوله وإشكاليات الرؤى فيه وجعله لوحة او تخطيطا ينبئك عن أشياء كثيرة تجري داخل الكتاب . لهذا كان بورخيس يتحسس الغلاف كثيرا بعد ان فقط نعمة البصرة وابقى لبصيرة الغلاف هي من تقوده ليكون عكازا يذهب به الى عالم اخر من الروي او الشعر او النثر او بحوث الروح والتأريخ وسواهما.
عالم الأغلفة هو العالم الآخر لتلك العلاقة الروحية والجمالية بين الكلمة واللون، حيث يدرك المؤلف ان جزءا من بداية التفكير بعمله بالنسبة للقارئ يبدا من نافذة الغلاف حيث يحاول الفنان ان يتقمص دورا رؤيا داخل النص ويخرج لنا شيئا من الرؤية والقصد والفكرة وبالتالي يبدا المتتبع لحوادث عالم الكتاب من خلال غلافه ، وربما هو نقطة الجذب ومفتاح الولوج الى ما في داخل النص ،ذلك المتن المتشكل على شكل رواية او ديوان شعر او مجموعة قصصية او عمل مسرحي او أي هاجس من هواجس الكتابة.
تلك المقدمة هي رؤيا القراءة الجميلة لواحد من مصممي أغلفتنا ، الفنان العراقي ستار نعمة والمقيم في العاصمة البلجيكية بروكسل والذي حول مرسمه الصغير في شقته الأوربية الى صلة من صلات إحساس الروح بعالم تركه في أزمنة عاصمته الأزلية بغداد ،وظلت خطوطه حتى مع اغترابها وحداثتها تشرب من إيقاع الصوت القادم من انهر ميزوبوتاميا ولكنها مسكونة بحداثة العصر وتنوع الرؤى في جعل لوحته الفنية اختيارا لذاكرة لم تتمن ان تنفصل عن أمكنة الصبا والطفولة وحتى في عزلة المنفى فاللوحة عند ستار نعمة تتشكل بوعي جمالي يتحرر من القيد الكلاسيكي في نقل النظور بكل خطوطه ليرنا شيئا من دهشة اللون والتكوين والخطوط التي سعى ان لا تتبعثر على لوحته بذلك العبث الذي يتقصده البعض ليفت اليه الانتباه.
ستار نعمه الفنان الملتزم برؤى شاشات الطفولة وغيوم أخيلة صباه وسريالية الشياب ونضوج التجربة في ركن من أركان منفى اللوحة ، يدهش الورقة بقدرة مميزة على التخطيط ليثير لنا في أشكاله مسافات الوعي الجمالي داخل الشكل ليظهره كما هو في عمقه وليس في شكله ، لهذا لم تكن اللوحة بالنسبة اليه الجمال الذي يسكن الجدار ليؤنس الناظر ،إنما هو أشبه بعلاقة صوفية بين ذات والعالم المحيط ،الشارع المقهى او الحبيبة او الاغتراب المشترك مع صديق من بلد قد لا يكون على كوكب الأرض.
يضع ستار نعمة الرؤى القماش او الورقة او حتى على شاشة الحاسوب ويتعامل معها بوسيلة الشغف لإنتاج الشيء وهذا ما أراه واضحا في قدرته الإبداعية على إنتاج غلاف لكتاب صديق ولكن على شكل لوحة يريد فيها ستار نعمه ان يوقعنا في الانجرار الى ممكناته في تحويل النص الى متحرك يروي لك ما في المتن وخارجه بصيغة اللون والشكل والفكرة.
مران ذهني
وكنت دائما أظن ان تصميم الغلاف يحتاج الى مران ذهني والحسي وجمالي وميكانيكي أيضا ،حيث تتسابق الحرفة مع الخيال في التعامل مع تأثير الكلمات على مصمم الغلاف قبل ان تؤثر على القارئ ، وتلك الإشكالية أتقنها ستار نعمة تماما واتقانها أيضا فصار يرسم في رؤيا الابتهاج لديه تنويعا فينا تراه في متغيرات التصاميم وأشكالها وكأنها يرسم ويتحدث لنا عن تنوع جغرافية عالم الكلام والتأليف وقد تحول بفضله الى اختزال جمالي عميق اسمه ( الغلاف ).
من يرى أغلفة الفنان ستار نعمة يشعر تماما بأن الرجل يصوغ في عمق نظرته ما يشعره فنا واحترافا ،وتلك هي المراحل المتقدمة التي يصل اليها الفنان عندما يتمنى ان يكون شيئا مؤثرا ،لهذا فأن أغلفة ستار تتناغم بالرغم من اختلافاتها في المضامين والكتلة ومساحة الانتشار إلا انها تصل مع الناظر والقارئ والمتتبع لأعماله انه يحاول ان يجد له موطئ قدم في جعل الغلاف اللوحة التي تسكن رفوف المكتبات وليس الجدران .وعندما يتعامل الناظر مع اللوحات الجدارية مع عينيه وفكره فأن غلاف ستار نعمة يتعامل مع الناظر من خلال عينيه وفكره وأصابعه التي تتلمس الغلاف.
أغلفة الفنان ستار نعمة هي أغلفة ممتعة لصباحات العاصمة الأوربية الجميلة بروكسل ، انها تشعرك بأنه يأخذ أشياء كثيرة من ممكنات الحس الذي تنجه هذا المدينة ذات الاختلاط الكوني العجيب للبشر واغلبهم مغاربة وأفارقه وجنسيات أخرى .
ثمة تنويع ، في جعل صباحات العاصمة البلجيكية هي من بعض إحساس ستار بالرغم من انه لا يستيقظ فيها مبكرا في كثير من الأحيان ،ولكن حضوره الأول في هذه المدينة كان صباحا ،وعليه ان يعكس هاجسها في الكثير من مفردات الوانهم وخطوطه بالرغم انه لا ينسى حداثة ما تعلمه في دراسته وما تركت لديه ذكريات صباحات مدن ميزوبوتاميا حيث تشعر ان التفكير المؤسطر بالأشياء التي تركها هناك قد تكون موجودة وهذا ما لمسته انا عندما صمم لي غلاف روايتي معدان اثنيا حيث نجح في استعادة تلك الميتافيزيقيا المرسومة على وجوه معديات الاهوار وبصيغة الشكل البري الذي لا تغيره حداثة النهارات اليونانية ، بينما تعامل مع غلاف روايتي ايروتيكيا التماثيل والصور بشكل حداثوي يمت تماما لبوح الحس الذي تمنحه وجه إناث العاصمة البلجيكية او تماثيلها المنصوبة في الحدائق او على واجهات قصور الساحة الملكية.
الأغلفة التي يصممها ستار نعمة هي تجانس بين الفكرة الواعية داخل النص والاستخدام الجمالي من قبل المصمم. فهذا يضع الدزاين اللونة والشكلي ضمن دائرة النص ليحقق للكتاب وجها من وجوه الرواج والوصول الى القارئ، وهذا ما يفعله كل غلاف جميل ومؤثر.
من ينظر الى إيقاعات ستار نعمه في تعامله مع النصوص وتحويلها الى أغلفة سيشعر ان اللغة في متحولاتها الروحية وإيصال بدايات البوح فيها تحتاج الى ماهر يتفق مع النص ليتحول الى لوحة وكتاب وتلك المهمة الشاقة تحتاج الى تفاعل روحي مع اول جرس في موسيقى الكتاب حتى ان ستار لا يمضي مع الكتاب الى نهايته لتصل اليه الفكرة التي تجعل الكاتب يطمئن ان كتابه بغلاف جميل ومعبر.
ستار نعمة صانع خواطر أخرى لأحلامنا عبر فكرته وتأمله وفنجان قهوته وبعض الغيب السريالي الذي يستطيع فيه ان يتحجم بإيقاعات ما نريد ان نوصله الى صورة الحلم في خبايا العاطفة التي تسكنه عبر هاجس سومري وبابلي قديم ظل يحاول فيه ان ينوع خواطر غربته في ميتافيزيقاه الخاصة ليصل الى صورة او لوحة او تخيط يعبر فيه عن ثورة الجمال التي تطلقها أعماق روحه كما تطلق الفراشات أجنحتها في سماء القصائد وهذا ما شعرت فيه وهو يصمم غلاف روايتي الجديدة معدان أثينا ورواية ايروتيكيا التماثيل والصور.
أجد في عالم ستار نعمة تنوع روحات صمته وأفكار ليله وهو يحاول أن يصل الى ما يعتقده انها الفكرة التي تحقق له إنجاز المنجز الجديد، وبالرغم من ظروف حياة المهجر الصعبة، يترك ستار لوقته لحظات تشعره فيها ان الأغلفة قد تكون رؤيا أخرى لتحقيق الرسالة الجمالية الذي صنعت موهبته اللونية منذ طفولته صباه ولهذا أراه في تنوع الأغلفة في صنع الإيحاءات المختلفة انه يريد ان يصل مع القارئ والمشاهد الى راحة البصيرة والبصر.
ملامح الوجه
اشعر بأن غلاف ستار نعمة هو غلاف يسجل تعابير صفحات الكتاب الداخلية، ومن اول سطر في عنوان الكتاب يحاول ستار ان يقترب من ملامح الوجه الخفي للكتاب، وكأنه يدرك تماما ذلك التعريف الجمالي والنقدي الذي كنت اتحدث به دوما مع مصممي كتبي: انهم ينبغي ان يكونوا كما العرافيين يفسرون المتن حسب مزاج أرواحهم وبالتالي يتركوا لأصابعهم حرية السفر في فضاء
الغلاف.
ستار نعمة الذي يحمل غربته لوحة وخطوطا إبداعية على اغلفه المؤلفين هو سندباد غربة الحلم بتحولات ما يتمناه لفته ولخصوصيته، إذا كان السندباد قد اخذ معه في رحلته بصرته والشراع فأن ستار نعمه اخذ معه في رحلة الاغتراب ليل ميزوبوتاميا وتحولات الحداثة التي يريدها شاخصا لتحقيق الذات وجعل الآخر الأوربي يعرف ان الكاهن اللوني القادم من أساطير دجلة الى ليل بروكسل يستطيع ان يكون من خلال تراث كبير من جماليات الأغلفة سفير اللون والحب والقصيدة.
























