أغاني البنات في الستينات – ثامر مراد

أغاني البنات في الستينات – ثامر مراد

” كل زمن وعصر له تقاليد وعادات تتميز عن العصر الذي يليه. من ألأشياء الموروثة التي لاتزال أنغامها تحدو في فضاء قريةٍ صغيرة تمتد على نهر الفرات ولم تنته حتى هذه اللحظة , تلك ألأغاني البسيطة التي ترددها بنات تلك القرية في المناسبات المختلفه- وخصوصا مناسبات ألأعراس-. عاصرت تلك ألأغاني منذ أن أصبحت لدي قدرة على إدراك الواقع المحيط بي. حينما يكون هناك زواج مرتقب لشاب من شباب تلك القرية تبدأ مراسيم ألأحتفاء وألأحتفال قبل شهر من موعد الزفاف. بعد أن – تكف – النساء أواني العشاء البسيط يبدأ ابناء القرية وبناتها بالتوجه الى عائلة العريس والتجمع في فناء الدار – الطيني – الواسع إستعداداً للأحتفال والرقص والغناء.

منهج يومي يستمر ثلاثين يوما كل ليلة. لا أحد ينتظر من عائلة العريس أن تقدم له قدحاً من الشاي الحار أو زجاجة مشروب بسيط. لم يذهب أحد الى هناك لغرض ألأكل والشرب وإنما ذهبوا للرقص والغناء.

يبدأ الشباب يلعبون – الجوبي- في ركنٍ من أركان المساحة الواسعة من فناء الدار..بينما تستعد الفتيات والنساء للتجمع وهنَّ يلتفعن بعباءاتهن السوداء . تكون هناك إثنتان من الفتيات يبدأن بقراءة الكلمات بصوتٍ متناغم عن ظهر قلب بينما تكون هناك فتاة أخرى مسؤولة عن ضرب ألأيقاع- الطبلة أو ماتسمى في ذلك العصر – الدرنكه-. لا أعرف من أي جاءت كلمة – الدرنكه- ولكنني كطفل صغير في ذلك الزمن كنتُ أقف بالقرب من الفتيات كي أستمتع بكلماتِ تلك ألأغاني أو – الردودات- .

كان تناغم ألأصوات شيئاً جميلاً كأنهن يتبعن مُلحِناً – بارعا في صياغة ألألحان.

لازالت تلك الكلمات التي تخرج من حناجر الفتيات في الستينات ترن في ذاكرتي كناقوس يُعلن عن فرحٍ لاينتهي. لتلك الكلمات معانٍ مجازية رائعة. في ذلك الزمن لم اعرف معناها لأنني كنتُ طفلا صغيراً وبعد دخولي سن الشباب والرجولة توصلت الى المعنى الحقيقي لتلك ألأغاني. تقول الكلمات:

” يمغربين مغربين يا أهل الهوى

يمغربين مغربين يا أهل الهوى

يا النخلة يالِ بالحوش دَلَنْ إعثوكج

ميه والف ناطور حالف لضوكج”

وتبقى الفتيات من الكورس يرددن تلك الكلمات مراتٍ عديدة. الكلمات تصف – مجازاً- فتاة معينة يعشقها شاب ويرمز اليها بالنخلة كي لايُكتشف أمرهِ ويقع في مشاكل مع أبناء القرية من المقربين لتلك الفتاة.

عناقيد التمر المتدلية من النخلة تمثل – نهدي الفتاة- التي نضجت وأصبحت مستعدة للزواج. يستمر العاشق في تحديه لكل من يقف حجر عثرة في طريقه للزواج من حبيبته ويؤكد – لو أن هناك مئة حارس مضاف اليهم الفاً من الحرس فأنه يستطيع الوصول الى تمر النخلة وتذوق طعمها, أي يداعب نهدي الفتاة أو يُقَبلهن. تحدٍ كبير.كانت تلك الكلمات تتردد في كل مناسبة من مناسبات ألأعراس على مدى ثلاثين عاما – الفترة التي قضيتها- هناك في القريةِ من الطفولة حتى الرحيل الى مكانٍ ما من العاصمة التي لازلت أحط فيها حتى هذه اللحظة. فارقُ كبير بين الحاضر والماضي. في ذلك الزمن لم تكن هناك تناحرات وتكتلات وأحزاب تتقاتل من أجلِ مركزٍ مادي أو دنيوي..كانت النفوس مرحة ومبادئ الجيرة والتلاحم ألأخوي على أشده. لا أحد يخشى ألآخر أو يتم نحرهِ حسب معتقده الديني أو العرقي. الجميع فيعيشُ في سلام ووئام. الكل يهرع لمساعدة الفرد والفرد يهرع لمســــاندة الكل.