أضغاث مدينة وجع بلاد النهرين في متن التاريخ

أضغاث مدينة وجع بلاد النهرين في متن التاريخ
أكاليل الزيتون ترسم أحلام المدينة
صالح جبار محمد
تعتبر أضغاث مدينة الرواية التي كتبها القاص عبدالرضا صالح قطعة مصورة ولوحة رسمت أجزاءها بدقة تامة ، وبألوان متناغمة لتأتي تعبيرا صادقا عن حياة شعب عاش بين النهرين منذ آلاف السنين .
توقفت خوفا وهلعا ، وتسمرت في مكاني كخشبة يابسة غرست في ارض صلبة ، وكذلك الطبق الذي في يدي ، تجمد هو الآخر واستقر ساكنا…
هكذا بدأ القاص روايته ، وهو كما نعرف قاص حاذق في اختيار موضوعاته التي يقدمها بلغة مزيج ما بين اللغة السردية ولغة الشعر ، غير أننا في أضغاث مدينة نلاحظ هيمنة اللغة السردية على الشعرية بوصفها أسلوبا يتماشى مع مقتضيات الرواية. وهذا مما يتطلبه عرض الرواية ، حيث كشف لنا عن وجه التأريخ لشعب توالت عليه أنواعا من المحن بما تتصف به من غرابة وبشاعة على أيدي طغاة جبارين لعقود من الزمن قد تربو على الخمسين عاما ، وكان في تسلسله للأحداث متماشيا على إظهار التدرج الحركي والزمني حتى بلوغ الذروة منسجما مع حركة التأريخ المعاصر وتطوراته وتحولاته وأبعاده ، والتي باتت روتينة متوقعة من قبل الجماهير الواعية تتلاشى بطريقة كوميدية بتحويلها إلى نكتة أو طريفة يتناقلها الناس في أحاديثهم ولقاءاتهم ليبقى الباب مفتوح على مصراعيه باتجاه المستقبل المشرق. كما تجد ذلك في بعض مفاصل الرواية فقائمة الصراع قائمة وغارقة حتى الهوامش ، والحل القافلة تسير ولا يهمها نبح الكلاب .
لقد احكم القاص عرض صوره ولكل مفاصل الحياة الاجتماعية كونه ابن هذا المجتمع والذي لم يفارقه منذ أن أبصر نور عينيه غابات النخيل الباسقة ومساحات أهواره السامقة ، وعطر أريج نسائمه الفواحة ، ومدنه الضاربة بالعمق ، وحتى هذه اللحظة قدم لنا بكل صدق وثيقته الرائعة أضغاث مدينة وثيقة تكشف بصدق الصفات التي جبل عليها أبناء ما بين النهرين من محبة وألفة وفداء وتضحية وشجاعة وكرم وصبر وشهامة.
ولكونه فنانا تشكيليا تفانى في رسم شخصياته بصورها الحقيقة الواقعية الشعبية وجوه تزدانها الوسامة ، والدعابة والجد والبشاشة ، عيون واسعة محدقة ترنو إلى الأفق البعيد إلى ـ المستقبل ـ نظرة أمل تكسوها سحنة داكنة بألوان فاقعة تسر الرائي وتطرب المتلقي.
ومن الملفت للنظر أن الراوي عرض أحداث الرواية بنفس قصصي لكونه قاص ، وهذا مما اثر على حجم الرواية حيث انه لو استطرد في السرد والوصف لكانت الرواية أكبر مما هي عليه من الصفحات.
ومن الممكن أن نعتبر الرواية سيرة ذاتية للشعب العراقي ، وما عانى من ظلم وقسر لقرون عدة بدءا من العصر الملكي وهيمنة الإقطاع على ملكية الأراضي الزراعية ، وما رافقها من استغلال واحتكار و تعسف وهيمنة لا مشروعة للمزارعين أصحاب الأراضي الأصليين ، وانتهاء بدكتاتور متعسف ، كم الأفواه ، وملأ السجون ، وكان لإعدام الأبرياء هواية محببة يتسلى بها بدم بارد ، فنالوا منه التشرد والقمع والقتل بأنواعه الفردي والجماعي ، سواء كان عن طريق محاكمات شكلية أو بدونها ، وكان يستخدم في قمع المعارضة والمقاومة أنواعا من الأسلحة بما فيها المبيدات الكيميائية ، ليترك خلفه آلاف من القتلى على ثرى ترابه الطاهر ، واختتمت مسرحية الجور بالاحتلال الغاشم على البلاد وتماديه بوسائله الإجرامية من تفجير وعبوات وأحزمة ناسفة وتأجير مرتزقة متمرسين بقطع الرؤوس بحجة الدين والعقيدة. وكما كان للهيمنة سلاحها تأبط الشعب سلاحه المضاد وراح يدافع بكل ما أوتي من قوة ، فهو ابن العرب و الإسلام الأبي أعلن رفضه لكل سلوكيات الاستبداد ومنحرفات الاضطهاد.
اسمك وعنوانك ومحل عملك
ـ أسمي رمضان راشد .. عنواني منطقة الفضل.. أعمل ميكانيكي سيارات فيتر
ـ هل تعرف فلانا.. فلانا.. فلانا ؟
ـ لا أعرف أحدا منهم.
ـ أن التقارير التي بحوزتنا تثبت أنك تتآمر على أمن الدولة وسيادتها.
ومن نوادر الوصف ما لفت نظري هو الوصف المعكوس ، حيث أننا نلاحظ دائما أن الرواة اعتادوا على الوصف التقليدي ـ الوصف من الأعلى إلى الأسفل ـ في وصف عناصر وشخصيات الرواية ، غير إننا نجده يستخدم الوصف المعكوس أي من الأسفل إلى الأعلى كما فعل في وصف الجد حيث بدا من الأقدام وتسلسل حتى الرأس
تتراءى من خلف السكة قدمان ، حافيتان تخطوان بخطى ثابتة نحو الأمام وتتهشم كتل التراب من تحتهما ، تشدهما ساقان عاريتان كأوتاد قاسية رفع عنهما الثوب إلى خصر نحيف ، اتصلت الأكف بساعدين منحوتين وذراعين مفتولين تنحدر عن منكبين عريضين….
كما انه استشهد بدلالتين مهمتين اختارهما بذكاء ليؤطر روايته بإحكام ويدعمها بقوة ويمكن أن نعتبرهما أساس الرواية.
الأولى سرقة المتحف العراقي ، وهي دلالة رمزية يظهر الراوي من خلالها مدى بشاعة المحتل ومحاولاته في طمس تأريخ امة عاشت منذ آلاف من السنين على ربى دفتي النهرين الخالدين ، وإبراز مدى الحقد والكراهية لشعب أصيل صانع الحضارة الأولى في التأريخ ، حضارة عريقة غطت بظلالها الأمم وأنارت بشعاعها الحضارات الأخرى ، وأثرت فيها فكريا وعلميا فلسفيا. وكان من المفروض وحسب ما يدعون أنهم قادمون للتحرير أن يحافظوا على أمواله وممتلكاته ، وبالخصوص الرموز القومية والتاريخية لهذا البلد وصونها من الخراب والسرقة. أشار لهما على موضع في الباب علقا السلك فيه ، ثم ربطا الطرف الثاني من السلك في مؤخرة الدبابة ، أشار الضابط بإصبعه إلى السائق ، فتقدمت الدبابة إلى الأمام ساحبة الباب معها ، دخل الضابط والجنود المتحف…. أما الدلالة الأخرى لعبة المحيبس وهي لا تقل أهمية عن سابقتها كونها توحي إلى الامتداد والبقاء والتحرر مهما حاولت الهيمنة من تغييبه وتهميشه لإلغاء دوره في حركة التغيير والبناء ولكنه سيظل بعاداته وتقاليده متمسكا للنهوض من جديد لإتمام مسيرته التاريخية. ثم اخرج من جيبه منديلا اخضر اللون وضعه على فخذه ودعا عادل الذيب و فواز العبيدي رئيسي الفريقين…. ثم نظر إليهما وقال ـ من منكما يشتري هذا المحبس.. وأخيرا لا يسعنا إلا أن نشد على يدي الفنان والقاص والروائي عبدالرضا صالح كواحد من أدبائنا الأفذاذ في روايته أضغاث مدينة التي اقتطفت من وقته أو من عمرة أكثر من أربع سنوات وفاء منه لأمته العظيمة ولبلده البار وللأوطان حقوق علينا
/7/2012 24 Issue 4259 – Date Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4259 التاريخ 24»7»2012
AZP09