
أسفار.. في ذاكرة الجمر
تشكّلات الوعي المعرفي بمعماريات النص الشعري
إياد خضير
إنّ الصيرورة البنائية لأي تجربة تنفرد عن السائد لا بدّ من أنها تتشاكل مع تجارب ثرية سابقة لتمثِّل لاحقاً أصيلاً في ثنايا التجربة الجديدة فهذا التأصيل المتجذر القاعدة ينتج امتدادات متعددة الاتجاهات في فضاءات التكوين الشكلي والناتج الدلالي والحصيلة المعرفية المختزنة في البنية الشكلية والمعنوية للمنتوج المتجذر والمتأصل في النص من هذه الإضاءة نتلمس ونستشف شفرة التكوين الجينية لكائنية النص الشعري لدى الشاعر عدنان حسين السعيني المجايلة والتاريخاني الملحمي في الامتداد فهو الخمسيني السيابي الهوى والكلاسيكي المعريِّ التركيب والحداثوي في معمارياته النصية والمنصهر مع واقعه المعاش في كل ارتجاعاته وأوجاعه فالشاعر ينتمي الى جيل ما يعرف بجيل التسعينات في مسيرته الحافلة بالإبداع هذا الجيل المغاير في تراكيبه الإبداعية والناتج عن كل هدرجات المسيرة الإبداعية والإنسانية السابقة له والمهيأة لولادته جيلٌ طفولة وفتوة فاعليه تخضبت بلهب الحرب وتعفرت بغبار الفقدان والمواجع وانبثق شبابها في خضم حصارات الروح والتنكيل بالمعاني الإنسانية ليكون في مرحلة كهولته أمام استباحات الليل القادم من وراء المحيط هكذا جيل أنتج أسماء تنفرد عن جيلها وتنتمي جذرياً له في مجال السرد والشعر كأحمد سعداوي وعارف الساعدي وغيرهم من المبدعين في الشعر والسرد العراقي الحديث .
إن تأخر الشاعر في إصدار مجموعتيه الشعريتين يحيلنا إلى وعي الشاعر العميق في استغراقاته المعرفية التي كانت تهيء لاختمار التجربة ونضج المشروع وتأسيس خط بياني شعري يحمل في تشكلاته أصوات من سبقوه ورؤية مجايليه فقد وضع الشاعر في مقدمة عمله الشعري الأول المطولة الشعرية ( خطبة العربي الأحمر ) اقتباساً من الشاعر والمفكر الإنكليزي تي سي أليوت عندما يقول :(( أنا لا أؤمنُ بشعرٍ جديدٍ مطلقاً ، لأنّه سيكونُ رديئاً … الشاعرُ العظيمُ هو الذي يذكّركَ بسابقيه))1
لذلك يعد هذا الامتداد هو فاعل في تجربة الشاعر الغنية التجريبية فنجد في أسفار قصيدة السرد الحديثة ضمن تشكلاتها البنائية وأنماطها النوعية يقول الناقد الكبير د. حاتم الصكر عن هكذا قصائد ( في عملية قراءة الشعر السردي يجب مراعاة ضمائر السرد لأنها تساعد في تعيين موقع الراوي … والراوي ليس مجرد شاهد دائماً وإنما هو ” ذو رؤية لما يرى أو يروي ” )2 فلقد تجلى هذا الاشتغال والحداثوي في أغلب قصائد ديوان ( أسفار في ذاكرة الجمر ) نذكر منها قصيدة غرانيق الفجيعة :
من يا ترى يختارُهُ الموتُ المخبّأ بالسقوف وبالفوانيسِ التي لو تسعلُ النيرانُ فيها تخبرُ الأصداءُ قطعانَ القنابلِ عن أماكنِ ظلِّنا .
تتجمّدُ الأرواحُ خِشيةَ فضحها في هجدةِ الليلِ على جمرِ السواترِ
والنجومُ يحيطها غيمُ الدخانِ المعتمِ الإيقاع في صُلبِ السماءْ .
لا شيءَ يحدثُ للذينَ تجرّدُوا من خوفهم لكنّهم في سرّهِم خافوا كثيراً
ثقب اسود
من رياحِ الصَرصرِ المنسابِ من عمقِ ثقبٍ أسودٍ يغزو مدائنهم ويلتهمَ النخيل …صص8
إنّ هذه التجربة الغنية في قصيدة التفعيلة السردية تحيلنا إلى تطويرية المشروع الشعري لدى الشاعر وقصيدة التفعيلة التي بنى أساسها الشاعر السياب وجيل الشاعر عدنان حسين السعيني هو امتدادٌ أصيلٌ في بعض تجاربه لجيل الخمسينيات الرواد والجيل الستيني و كذلك امتداد السبعينيات و الثمانينيات الشعري مثل الشاعر سعدي يوسف وسامي مهدي ومحمود درويش و منذر عبد الحر وغيرهم من المبدعين .
فلقد بنى شاعرنا قصائد شعرية بمعمارية تعبيرية وحداثيةفي مجموعته الشعرية ( أسفار في ذاكرة الجمر ) وكان أكثر فاعلية والأكثر تمرساً وحضوراً وقد لاقت قصائده أعجاب النقاد وكتب عنه الكثير، فقصائده الشعرية لا يمكن للقارئ المنصف ان يتجاوزها او أن يغفل عنها حيث ترك بصمة واضحة في مسيرة الشعر العراقي .
قصيدة (عنقاء القيامة)
بغدادُ غاليتا بها الشعرُ احترقْ
بغدادُ ليستْ من ورقْ
في ليلِ جنكيزَ المكلّل بالدمار.
بغدادُ لا تخشى الغرقْ
بغدادُ فينيقٌ على مرِّ الزمانِ المحترق
من تحتِ أكوام الرماد
تنقضُّ فجراً من سديم
عنقاءَ في أفقِ الشهودِ على جناحيها بفجر الانبعاثْ
ليلٌ تهاوى في قيامتها وغازٍ ينسحقْ .ص37
إنّ ما أمتاز به الشاعر هو غزارة نصوصه وذلك بدمج الواقع مع المتخيل في رصد حركة المجتمع العراقي والعربي، والأحداث اليومية الى فضاءات معبرة عن معاناة ومآسي الحصار والحرب الضروس التي أحرقت الأخضر واليابس وسحقت الإنسان روحاً وجسداً والتي سببها الرئيس هو الدكتاتورية البغيضة والاستبداد الأحمق لبعض البشر الغارقين في غيهم وجبروتهم وهم تجار الحروب وصناعو المآسي فقصائده كانت بحق تمثل حياة العراقيين وآلامهم ومعاناتهم في إبعادها الإنسانية وهمومها المغروسة في الأجساد لتشمل أيضاً الإنسان العربي وأي إنسان في كل بقاع الأرض .
قصيدة (كولاج قاتم .. لمدائن المومياء )
شوكٌ وأنقاضُ بيوتٍ خاوية …
وجذعُ نخلةَ يحتضرْ
وعناكبُ العدمِ المريعةِ تنتظرْ
من أيِّ ثقبٍ سوفَ تلتهمُ المدينة .
أشجارُ سروٍ مزّقتْ أجسادَها فوضى الشظايا
مبتورةُ الأغصانِ تنزفُ دمعها القاني وفيها ينهمرْ
مجازُ الموتِ في وضحِ الخراب ْ.
أطلالُ أطفالٍ تدلُّ بلا غموضْ
هاهنا كانتْ تربّى الأمنياتْ
ها هنا كانتْ بأوجِ بهائها روحُ الطبيعة .
شواهدٌ تترى تبوحُ لمن رأى
كانتْ هنا فيما مضى
أشياءُ تنبضُ في ثناياها الحياة.
كلُّ الزوايا في الدروبِ الموحلة
قد مسّها عطبُ الدمار
فيها عقاربُ هذه الأكذوبة الكبرى [ ر.بـ. يـ. ع ]صص43
لقد كانت قصائد الشاعر عدنان حسين تعج بالألم ووجع القلب تعج بالملاحم وأسفار الكتب المقدسة والأسطورة فلقد احتوت أغلب القصائد على الإشارات الدلالية في الأساطير وأستخدم دلالتها في مطابقة الحياة والقضايا الإنسانية ( أما الأسطورة فهي رحم قصصي زاخر وممتلئ ، ما إن يقتربُ منه الشاعر حتى تنفجرَ عناصره ، وتنسحب إلى النص الشعري كرصيدٍ معنوي وبنائي في عملية ( تناصٍّ ) بين الأسطورة والقصيدة )3 .
ابعاد اللغة
(سفر المزامير)
في ظلِّ أبعادِ اللغة ، فيما وراءَ معاجمِ الروحِ القديمة ، أقصى امتدادِ مسافةِ المعنى في ظلِّ ما رسمتْ أناشيدُ الملاحمِ من حياةٍ في تفاصيلِ الأساطيرِ العتيقة …
– يا شجرةَ التوتِ العظيمة ، مُذْ كنتِ شاهدةً على وقعِ الجريمة ، مُذْ صارَ بيرامُ النقي ، قربانَ عشقٍ للهزيمة ، من قبلِ طوفانِ الإله ، الحربُ في أوروكَ ما زالتْ مقيمة يا شجرةَ التوتِ العظيمة ، آتونُ هذي الحربِ دوماً لم يكنْ يوماً رمادْ ،
لم يُطفِئِ النهرانِ نهرَ النار في جسدِ الوهادْ ، لم يُوقِفْ النخلُ الحشودْ ،
حينَ استباحَ القادمونْ ، أرضَ أوروكَ الطهورْ …
يا شجرةَ التوتِ العظيمة ، مُذْ كنتِ شاهدةً على وقعِ الجريمة ، خُوَذُ الجنودِ على الحدودْ ، أعشاشُ دوريٍّ وبيتٌ للحجلْ ، وعلى ركامِ حديدِ أسلحةِ الدمار ، تتسلّقُ الأدغالُ أشلاءَ الجنود … والعوسجُ البريُّ يحتضنُ الركامْ ، وفصيلُ نملٍ مسرعٍ بينَ الجماجمِ والعظامْ ، فوقَ أقفاصِ الصدورِ بلامبالاةٍ تسيرُ في مهلٍ عناكب ، والطيونُ زهرُ العزلةِ الأبدي ينمو فوقَ أقحافِ الجماجم ….ص30
اللافت للقارئ النصي الواعي إن عدنان حسين عندما يكتب قصيدة التفعيلة ذات إيقاع شعري وبحر شعري متداول كما كان نتاج السياب ونازك الملائكة لكنّه بذات الوقت يقدم لنا شكلاً متجذر المنبت متجدد الأسلوب في الشكل والمضمون ، فقد كان أول إصدار شعري له على الرغم من نشره لنصوصه من عام 1997هو المطولة الشعرية خطبة العربي الأحمر ( ديوانه الأول ) والتي تعد من قصائد المطولات الشعرية أو ما يطلق عليه النقاد بـ(القصيدة الديوان) وقد تعددت اللوحات الشعرية كما تعددت فيها الهموم حيث يمنح هذا التعدد الشعري فضاءات أرحب وحرية في اختيار المفردات الملائمة التي تنوع الإيقاعات الشعرية في القصيدة، وهذا التنوع والغنى الموسيقي والإيقاعي والشكلي انتقل إلى مجموعة الشاعر الثانية من حيث الصدور أسفار فلقد أدان الشاعر عدنان حسين الحرب والحصار والفعل الاستبدادي ومحاولة مصادرة حرية الإنسان وهي موضوعات كلنا نعيشها في عالم كثرت فيه الخيبات وهي إدانة لما حصل في الماضي من بؤس وشقاء .
قصيدة غرانيق الفجيعة
فوقَ دمائِنا حطّتْ غرانيقُ الفجيعةِ في عجافِ التيهِ
وامتصّتْ جذورُ العوسجِ الوحشيِّ ألوانَ الفراشة .
لم يبقَ معنىً أنْ نحبَّ الوردَ في زمنِ الحصارِ
ونتركَ القمحَ المعتّقِ بالعفونةِ والمرارةِ للحمام .
عندَ الحصارِ تحاصرتْ خطواتُ أمنيتي الأخيرة ِ
حينما حاطتْ بها أشواكُ ملحِ اليأسِ في قبوِ الخضوع .
وتفاقمَ العلّيقُ فوقَ نشيدِ أحلامي الكسيرة …..صص10
أن تمظهرات عمق الجدل الوجودي بين الذات والموضوع داخل عوالم النصوص كانت تهيئ الانفتاح على الحضور والغياب بعوامل زمنية داخل النص لتنتج الابتعاد عن انفعالات الشاعر وهذا يتطلب ثقافة عالية في الإدراك والشعور في القصيدة الشعرية لدى الشاعر عدنان حسين فأسئلة الوجود والكينونة والرؤية الفلسفية الشعرية المتماهية مع سارتر وهيدغر كانت تستوقف القارئ الفاعل ليتفاعل معها ويمتصه النص إلى عوالمه المتعددة المستويات .
قصيدة فوضى كثيفة العتمة
كيفَ لي أنْ أكونَ بلا أكونْ !؟
كيفَ لي أنْ أروّض َ
خيلَ الجنونِ الجامحة
أو أرمّمَ ، ما أصابَ القلبَ من عطبْ
أسحبُ الروحَ ، من شوكِ صبّارِ التعبْ !؟
لستُ محتاجاً إلى أسئلة …
فعندي من وصايا التيهِ ما يكفي لرِيِّ الهواجس
في شراكِ التداخلْ
بمأساةِ الوجودِ الساخرة …
من أنا حتّى أبوحْ … بالذي مزقَّ الروحَ
من عوسجِ المسألةْ / المعضلة .
ورقة كنتُ أنا في كتابِ الغيبِ … سطرٌ خطّهُ كفُّ العدمْ
قطرةٌ من أعالي الغيمِ تهبط ْ
نحوَ أدنى مِقْصلة .صص55
وهذه الأسئلة تمظهرت في الكثير من القصائد بمستويات متعددة ومنحنيات دلالية ثرية منها قصيدة ( شرانق الصلصال ) و قصيدة ( اغتراباتٌ على باب المتاه ) والتي أضمن منها قول الشاعر :
لو كنتَ يوماً ما أريدْ
لاخترتُ حتماً أن أكون
صخرةً في ظلِّ نبعٍ وسطَ غاباتٍ بتول
لم تصلْهَا خطوةُ العبثِ الموشّى بالحديد …
صخرةً تمرُّ عليها خطى الزمان
تمرُّ عليها الليالي بلا موتٍ جديد
تمنحُ الموج سرَّ التشكّل حتّى يكون
نهراً به يخضرّ معنى الحياة .ص 52
الديوان صادر عن دار الجواهري للنشر 2016بواقع 116 صفحة
1- من كتاب (الأصابع في موقد الشعر ) للناقد الدكتور حاتم الصكر (ص100)
2- مرايا نرسيس الدكتور حاتم الصكر ص 63
3- المصدر نفسه ص 105
























