

مروان ياسين الدليمي
1:
في الحادي والعشرين من حزيران،
تتخضّبُ صفحاتُ الفيسبوك بابتساماتٍ مجفّفة،
وأذرعٍ رقميّةٍ تحتضنُ آباءً محفوظينَ في ذاكرةِ الكاميرا،
أقرأُ الكلماتِ وأشعرُ بأنَّ الهواءَ يعبرُ صدري بتأنيبٍ غير مبرّر،
كأنَّ الريحَ تعرفُ أنني وحدي،
أقلبُ الصورَ التي لا أملكها.
أجلسُ قبالةَ الجدار،
أراقبُ ظلّي يتمدد على البلاطِ .
أبحثُ عنك،
في ملامحِ ابني،
في عروقِ يدي،
في الصوتِ حين أرفعُه على أحدهم،
في الغضبِ الذي لا يشبهني
لكنّه ينحني أمامَ ضعفِ الآخرين… كما قالوا إنك كنتَ تفعل.

تقولُ جدّتي إنك أطولُ من أشقّائك،
وأنّ قامَتَك كانت تقرأُ في الريحِ نوايا السماء،
وأنّك حين تصمتُ،
تصيرُ الجبالُ أقلّ صلابةً مما تبدو.
أحاول أن أراك…
أزرعُ ملامحك في وجهِ الزمن،
أخلطُ الغلظةَ بالحكمة،
وأرسمُك واقفًا عند فمِ القافلة،
عيناكَ تضيقان من شمس ماردين،
وصوتك يُقايضُ تمرَ الموصلِ بأقمشةِ حلب،
ثم تختفي.
لا صورة.
ولا شاهدٌ من زمنِ التحميض،
ولا خطٌّ على ظهرِ صورةٍ باهتةٍ يشيرُ إلى تاريخك.
أنتَ مجرّدُ فراغٍ معتَّق،
ورقٌ أصفرُ في ملفٍ رسميٍّ بلا ملامح.
حين بحثتُ عنك في دائرةِ الأحوال،
أصدرتِ النافذةُ صوتَ تنهيدةٍ حزينة،
ورفرفَتِ الورقةُ كأنّها عصفورٌ نسيَ طيرانَه.

أبي،
كيف أشرحُ للعالمِ أنّني أنتمي لظلٍّ لا وجهَ له؟
وأنني، في كلِّ حزيران،
أستقبلُ صدى الصورِ الأخرى كطعنةٍ مؤجّلة؟
كيف أقولُ إنني رأيتُك أكثر من مرّة،
لكن في حلمٍ مصنوعٍ من بخار القهوة،
ومن بقايا الحكاياتِ المكسورةِ بين ضلوع جدّتي؟
أراك…
حين يمرّ ابني أمامي،
يحدثني بلهجةٍ قديمةٍ،
ويصمتُ بعمقِ رجلٍ عاش أكثر مما عاش.
أراك في شكلِ نظراته حين يسهو،
وفي طريقته في فكِّ أزرار قميصه كما يفعل المسافرون.
أنظرُ إليه،
وأشعرُ أنني أتحدّثُ معكَ…
أو مع ذكراك التي لم تحدث.
2:
أجلسُ كل مساء،
وأمدّ أمامي خرائط المدن التي مررتَ بها،
موصلٌ،
حلبٌ،
ماردين…
أسماؤها تفوحُ من الورقِ كبخورٍ قديم،
يحرّك ذاكرة الطين في جدران الطفولة،
وأنا أتتبعُ خطوكَ كما تتبعُ النارُ رائحةَ الخشب.
أبي،
أيُّ الطرقِ اختارتكَ كي تغيب؟
أيُّ كثبانٍ دفنتَ فيها صورتكَ قبل أن تلدني الحياة؟
الجِمال التي قُدتها،
ما زالت تسيرُ في مخيلتي،
بخطى هادئةٍ كأنها تعرفُ أن الحنينَ
لا يصلُ أبداً متأخراً،
لكنّه لا يُشفى.

قافلتك،
لا تزالُ تقرعُ أبوابَ الصمتِ في رأسي،
تنفخُ غبارَ الأسواقِ في حنجرتي،
ويتهادى وقعُ خطوكَ كطبولٍ خفيّة
في دهاليز نومي.
كلّ ليلة،
تعودُ لي،
من شقوقِ الوقت،
وأراك،
لا في صورة،
بل في رعشةِ الهواء،
حين يمرُّ الليلُ على نافذتي،
ويوقظُ وردةً كنتُ قد نسيتُ سقيَها.
لا أحد يشبهك.
قالوا ذلك،
لكنهم لم يروا ما رأيته أنا،
حين دخلتَ إلى أحلامي لأول مرّة
مرتديًا عباءةً بلون الرمل،
تتركُ على الأرضِ ظلاً يشبهُ سقيفةً لا يسكنها أحد،
وتبتسمُ لي…
كأنّك عرفتَ اسمي مذ كنتَ تمشي وحيداً
في دروبِ التجارة
بحثاً عن زمنٍ لم ينكسر بعد.
الأبناء يكتبون:
“فخورٌ بكَ يا أبي”
“اشتقتُ لحضنكَ الدافئ”
“كنتَ بطلي”…
وأنا أقرأ،
ثم أكتبُ:
“هو لم يكن لي، لكنّه ما زال يسكنني”،
أو:
“بحثتُ عنه في ملامحي،
في صفحة ماء،
في وجعِ الركبة،
في الليل حين يتأخّر،
وفي نهارٍ لا يكتمل”…
ثم أمسحُ ما كتبت،
كأنني أرتكبُ خيانةً تجاه غيابك.
3:
كما لو أنّ المطر
كتب على الرمل سيرة رجل لم تُحفظ صورته…
كنتَ المسافةَ بين مدينتين،
والصمتَ بين جملتين في كتابِ العائلة،
حين يهبطُ المساء،
أسمعُ نعليكَ القديمتين تدوسان الرملَ بتروٍ،
كأنّ الطريقَ لا تكتملُ دون موسيقاك،
كأنّ القافلة تنتظرُ همستك كي تتحرّك.
يا أبي،
هل كنتَ تحبُّ الظلَّ أكثر من الضوء؟
أم كنتَ تمشي أسرع من الكاميرات؟
ربما الصورةُ لم تلحقْ بك،
ربما العدسةُ خافتْ من نظرتك،
واختبأتْ خلفَ العتمةِ.

في عيدِ الآباء،
أضعُ كوبًا من الشاي على حافةِ النافذة،
وأنتظر.
لا شيء يأتي.
فقط نسمةٌ تمرّ،
تحملُ معها رائحةَ تمرٍ ناشفٍ من سوقِ الموصل،
أغمضُ عينيّ،
وأراك،
تُقايضُ تمرَنا بقماشٍ من ماردين،
وتلوّحُ لحلب،
كأنك تقولُ لها: “لا تنتظريني طويلاً، سأعودُ حين أكبرُ”.
جدتي قالت إنك كنتَ غليظَ الملامح،
لكنك تذوبُ حين يبكي صغير،
وأنك حين تُجرَح لا تشتم،
تسكتُ،
وتكسرُ الصخرَ بعينيك.
أنا ورثتُ ذلك الصمت،
ذلك الشكَّ،
تلك الدموعَ المؤجَّلة التي لا تسقط،
لكنها تحترقُ خلف الجفنِ كقصبٍ يابسٍ في الريح.
كلُّ ما تبقى منك،
أثرُ حذاءٍ في ذاكرة الرمال،
حكاياتٌ شفويّةٌ من أفواهٍ نَسِيَتْ نِصفَ الحقيقة،
وشبهُ وجهٍ في طفلٍ لا يعرفُ لماذا كلما تحدّث،
صارتْ كلماتُه أثقل من عمره.
لا تُشبهك الصور.
الصورةُ، يا أبي، ليستْ كافيةً لك،
أنتَ تفيضُ من المعنى،
وتعجزُ عن التجمّد في مربّعٍ صغيرٍ مع إطار.
أنتَ حركةُ الجِمال،
ونَفَسُ التجارة،
وطولُ الطريق،
وتفاصيلُ العرقِ حين يسيلُ من الجبينِ إلى الرُكبة.
4:
في السادسة من عمري،
بدأتُ أشتبهُ بظلٍّ يتبعني،
ليس لي…
ولا يشبه أحدًا في الحي،
كان يمشي معي إلى المدرسة،
يجلسُ قرب حذائي المهترئ،
ويغفو حين أنام،
لكنّه، حين أبكي،
ينهضُ فجأةً من الجدار،
ويمسحُ دموعي بأصابعَ من رياح الشمال.
أبي،
هل كنتَ أنت؟
ذلك الذي لا يُرى،
ولا يُلتقط،
ولا يُصفَّفُ على جدارٍ خلفَ زجاجٍ بارد،
بل يظلُّ يهمسُ من بعيد:
“أنتَ ابني… أنا هنا، وإن كنتُ ماضياً”.

في الشتاء،
تعود قافلتك من ذاكرتي
مثقلةً بجلودِ الغياب،
وأحاول أن أخلعها كما تُخلع المعاطف بعد المطر،
لكن البردَ لا يتركني.
الريحُ تصيرُ لسانك،
ترتّبُ جُملاً غير مكتملة في أذني،
فأكتبها على الورق،
ثم أشطبها،
ثم أعود فأكتبها ثانية
كما يفعل العاجزون عن النسيان.
كنتُ أراك في كل مدينةٍ لا أعرفها،
في كل تاجرٍ يعقدُ صفقةً بنظرة،
وفي كل رجلٍ طويلٍ
يعبرُ الشارع وهو صامتٌ كالنُدبة.
حتى حين أعدُّ النقود في راحة يدي
أشعر أن أصابعك هي من تتفقدها،
وتقول لي بصوتٍ لا يأتي من فمي:
“احذر من الفائض… الفائضُ يسرقُ القلب”.
كلّما كبِرتُ،
ضاقتْ المسافةُ بيننا،
أنا صرتُ في عمرك حين متَّ،
وأنتَ صرتَ في عمر طفلي…
وأحيانًا،
أشعرُ أنكما تتبادلان الأدوار،
هو ينظرُ إليّ بنضجك،
وأنا أرتجفُ فيه كما كنتَ سترتجف
لو رأيتني الآن،
أُفتّش عنكَ في وجوهٍ عابرة
لا تسكنها أنت.
5:
في الحادي والعشرين من حزيران،
حين تتزيّن صفحات العالم بصورِ آباءٍ ممسكينَ بالوقت،
أقفُ أمام شاشةٍ بلا وجهٍ،
ولا اسم،
ولا ظلّ.
ولدي يشبهك،
أراه يتحدثُ بصمتك،
يُعيدُ الحِكَمَ التي لم تسمعها آذاننا،
لكنه لا يحملُ صورتكَ،
ولا يحملُ غبارَ الجِمال التي مرّت بين الموصل وحلب وماردين،
بل يحملُ دفءَ حضورٍ لم يفقده،
حتى حين غبتَ.
أحتفي بكَ في سرّي،
في صورةٍ ترسمها ذاكرتي،
ولا يراها أحد،
لا في الفيسبوك،
ولا في صفحات الزمن.

صورةُ الأب ليست فقط ما يُعلّق على الجدار،
هي ما يُزرع في الصدر،
في دمعةٍ لا تسقط،
في ظلٍّ لا ينطفئ،
في حلمٍ ما زال يُولدُ كل يوم.
أنا،
من لا صورة له،
أحملُ أبي في كلّ شيء:
في الصوتِ الذي لا يسمع،
في الخطوةِ التي لا تنتهي،
في الذكرى التي لا تموت.
























