
أخاديد في ذاكرة البغدادي كتاب جديد: الوردي برغماتي يفتقر للمصداقية
عبد الحسن علي الغرابي
عندما تكون بغداد هي المكان الذي يختزن في أخاديد ذاكرة البغدادي ، حفظها ونقلها المؤلف لتكن مشروعا لأسطرة الواقع المؤلم في منجز مهم قيم ممتع وقدم جهدا طيبا سعى فيه لإعادة قراءة تاريخ المكان وأزمنته ، فكان منصفاً ومحللاً لرؤية الاحداث وتسلسل تواريخها ووقائعها ، هذا ما وثقه ابن بغداد المغترب عنها مكرهاَ ، واستقر اخيرا في دوحة قطر ، بعد أن دارت به الأيام في أرض الله الواسعة ، حيث أكمل دراسته الاكاديمية ونال شهادة الدكتوراه في فرنسا ، أن الانتماء الى بغداد وإصالتها هو الانتماء الى الروح المتأصلة في الكفاح الثقافي ومحبة الناس والسعي لخدمتهم استوجب السير في دروب النضال، ليكون شمعة ضوء تتوهج في التاريخ الحضاري لوادي الرافدين بكل العمق العربي والإسلامي ولحتمية المكان والزمان فكان كغيره من أبناء الأعظمية التي شهدت مرابع صباه وشبابه ، والهبت فيه روح الحماس القومي العربي ، فكان الولاء والانتماء الى الحزب العربي الاشتراكي ، ارتبط كشخصية مؤمنة نالت مواقع قيادية تفاعل فيها ليتسع أفقه بحلم تحقيق الهدف الذي بات مستحيلا بعد أن رهن حياته وتعرض الى الاعتقال والتعذيب والمطاردة والإبعاد ، قد لا يفي هذا الايجاز القصير عن هذه القامة الباسقة كنخلة مثمرة طاب عطاؤها بمنجز طيب على مائدة المعرفة ، كتابه الموسوم ” أخاديد في الذاكرة ـ مقامات البغدادي ” الصادر في عمان من دار أمجد للنشر والتوزيع سنة 2015 بطبعة أنيقة تحتوي على 303 صفحة ، قبل تصفح الكتاب لابد من الاشارة الى صورة الغلاف لشخصية المؤلف التي توحي ببهاء الهيبة والوقار ، الصورة بالأسود والأبيض تدل على أنه شيخ ربما يكون في العقد الثامن من العمر ، هذه أول مرة أرى فيها صورة البغدادي ولم يحصل لي الشرف بمعرفة او لقاء معه ، إلا إنني أعرف أنه ينتمي الى بيت عريق بالوجاهة والكرم والإصالة ، كان شقيقه المهندس مقداد البغدادي صديقي وابن أخيه أياد صادق صديق حميم وجار العمر وهو من أعارني الكتاب .. تضمن المطبوع ثلاثة كتب ، الكتاب الاول ـ مقامات متنوعة ـ افرد لها سبعة ابواب تضمنت عهود العنف في تاريخ العراق الحديث وختمها أخيرا بالعهد الدموي بعد الغزو الامريكي واحتلال العراق وما حل فيه من دمار وخراب وصفه بالغزو المغولي … بعدها توالت صفحات الكتاب في مضمار العمل السياسي ودوره الفاعل في التعبئة وتحريك الشارع كمعارض مؤدلج بالفكر القومي العربي ، ولا ريب من أن الانسان ابن الواقع فمن ولد في كرخ بغداد ونشأ وترعرع في الاعظمية التي قد تكون هي الدافع الاساس بهذا التأثير والتوجه كونها الوعاء الحاضن للنهوض العربي منذ بدء الحكم الوطني في العراق …..
طرح سياسي
سأبتعد عن الطرح السياسي وتنوعه ومراميه وأتناول ما تناوله الكاتب عن جوانب أخرى اجتماعية وثقافية واهتماماته الاخرى والبداية من الصفحة ( 51 ) المقامة الوردية .. ” الدكتور علي الوردي بين البقالة ونادي العلوية ” ( يتبع الدكتور علي الوردي أسلوباً براغماتياً في الكتابة ويستخدم البساطة في التعبير ويستعين دائما بأمثلة لحوادث أو فعاليات معروفة لدى الجميع ممتطياً إياها للولوج في تلافيف أدمغة قرائه … ويستخدم الوردي بأسلوبه البراغماتي أي وسيلة تستطيع أن توجهه الى المتلقي حتى وأن كانت هذه الوسيلة لها تأثير سلبي على شخصيته او انها قد تودي الى ظهور تناقضات في آرائه ، كما يشير المؤلف الى أن الوردي في محاضرة له في نادي العلوية يقول : هو الإنسان البسيط ابن البقال كما ادعى واستمر في محاضرته وهو يصب هجوما شرسا على الحوزة الدينية في النجف الأشرف … وقد كانت محاضرة لطيفة ووافية … لكن المستهجن فيها أنه ادعى مسائل عديدة يشوبها الكذب والابتعاد عن المصداقية … لم يكن علي الوردي ابن بقال ولم يكن هناك حتى بقال واحد في عائلة الوردي العائلة الكاظمية المعروفة وهي عائلة أدب وعلم ، والى جانب شهرتها في ذلك اشتهرت العائلة بمهنتها الرفيعة وهي تجارة المجوهرات والذهب … ثم جرى نقاش بعد المحاضرة بين الحضور وبينه لكن ما جرى بيني وبينه أثار اهتمام الجميع حيث كشفت لهم وله أسلوبه البراغماتي وأوضحت حقيقة ما يدعيه ، وبالرغم من أنه حاول إثارتي واستفزازي لكنني حافظت على موضوعية نقاشي وموضوعية المواضيع التي طرحتها في مناقشتي له واستطعت أن أفند معظم آرائه بأسلوب هادىء ومقنع .) ــ ما اوردته عن ما تناوله المؤلف عن الوردي مختصر قد يكون غير واف كون الموضوع أتسع وافرد له ثلاث صفحات عرض فيها الجانب المضيء والمعتم فكان منصفاً في نظرته الى هذه الشخصية التي تعد من أبرز علماء الاجتماع العرب واغنى المكتبة العربية بمؤلفات عديدة لها رواج في سوق الكتب ونال شهرة واسعة مهمة على المستوى المحلي والدولي . في الصفحة 65 المقامة الكلثومية ـ أم كلثوم في بغداد ” عام 1933 صعدت أم كلثوم الى مسرح كازينو الهلال في منطقة الميدان في بغداد لتلتقي بمئات من مثقفي بغداد بأناقة متميزة يرتدي اغلبهم البدلات الحديثة ويزينون روؤسهم بالسدارة (الفيصلية ) …
سيدة معمرة
حدثتني السيدة بلقيس الداغستاني أرملة المرحوم حزمي سليمان وهي سيدة معمرة من سيدات المجتمع الأرستقراطي البغدادي انها حضرت الحفلة مع مجموعة من السيدات البغداديات وهن يرتدين العباءة والبوشيّة حيث هيأت لهن الواج خاصة بالسيدات تمتلىء في كل امسية غنائية . وأن السيدة تحرص على اللقاء بهنّ والتحدث اليهن في فترات الاستراحة بين الوصلات الغنائية ، وقد اشادت السيدة بلقيس برزانة وأخلاق وثقافة السيدة أم كلثوم وأبدت اعجابها الفائق لا بغنائها فقط بل بشخصيتها الجذابة اللامعة …. كان شعراء بغداد البارزون وكبار الفنانين يرتادون مجلسها الذي أقامته في مقر سكنها ويلقون بحضرتها أجمل القصائد التي نظمت ترحيبا بها واعجابا بإعجاز صوتها وألحان أغانيها وقد جمعتها السيدة كريمة الشيخ العلامة محمد رضا الشبيبي في ديوان خاص قامت بطبعه ونشره ، وارتبطت هذه السيدة الفاضلة بصداقة متينة مع كوكب الشرق امتدت لحين وداعها الابدي لعشاق فنها ومحبيها …. لقد غنت السيدة أم كلثوم اغنيتين شهيرتين لبغــداد : الأولى في فلم دنانير وهي ( بغداد يا بلد الرشيد ) والثانية غنتها في تحية الثورة 14 تموز 1958 وقد غنتها مباشرة بعد ثورة وتأسيس الجمهورية ….) . المؤلف وفق في تغطية أهمية تلك الزيارة واتسع الموضوع ليفرد له أربع صفحات وثق خلالها في أخاديد الذاكرة بحروف المودة وتبادل العواطف بين بغداد التي تعد من أجمل العواصم العربية التي تمنح دف المحبة والكرم لضيوفها لذا كان لكوكب الشرق وزيارتها حدث أطر مباهج ذاك الزمن بصدى الحنين لتك الايام وعزز روح التواصل بين الاشقاء ليكن صوت السيدة شريان رابط بين قلوب عشاق العراق ومصر فكانت أغنية ( هـّو صحيح الهوى غلاب ) البغدادي لم يتناول في مقاماته الزيارة الثانية للسيدة أم كلثوم سنة 1946 وهي الاقرب بتاريخها حيث غنت في عيد ميلاد الملك فيصل الثاني 2 / مايس في قصر الرحاب حضرها كبار الدولة ورجال السلك السياسي وكانت الاغنية ( يا ليلة العيد ) في الصفحة 115 المقامة اليوسفية جوانب من حياة يوسف عمر .. سأتناول بعض الجوانب التي بوبها المؤلف بثمانية ابواب والتي سلط الضوء عليها من خلال علاقته الوطيدة بالفنان يوسف عمر ويطلب العذر من القراء ومحبوه اذا ما كانت بعض هذه الإضاءات تقع في الجانب السلبي ويشير البغدادي الى الحقائق الموضوعية بعد مقدمة طويلة أخت الصفحة الاولى لينتهي بالقول : ( يوسف عمر هو احد العظماء الذين يفتخر بهم العراق ، وموضوعية التاريخ تفرض علينا أن نبين كل الجوانب التي تحيط بمثل هؤلاء العظماء حتى أن اعتبر بعضها سلبياَ ومثل هذا التوثيق يزيد من الشعور بالاحترام تجاه هذه الشخصية التي أحبها البغداديون … يشاع عن يوسف عمر أنه لا يقرأ إلا وهو شارب للخمور وخصوصاً العرق البغدادي .. والحقيقة الأكيدة أن يوسف عمر لم يكن يتعاطى شرب الخمر على الاطلاق إذ أنه أقسم باليمين الصادق أنه لن يمس الخمر بعد أن دخل السجن المركزي حين حكم عليه جنائياً لجناية اقترفها وهو في حالة سكر … وعلى عكس موقفه من الخمور كان محباً للمراهنات ومولعاً بالميسر والمعروف عنه أنه كان محظوظا على الدوام في مراهناته وممارساته حتى أن بيته الذي سكنه في جوار مجلس النواب القديم في محلة البقجة اشتراه بمبلغ كان قد ربحه في احدى المراهنات… ينتمي يوسف أبن عمر أفندي الى العائلة البغدادية العريقة المشهورة بعائلة عارف أغا .. وهي عائلة من أصل جورجي اختطف أحد أجدادها وجيء به الى بغداد كمملوك لدى أحد ولاة بغــداد .. والعائلة تنتمي في الأصل الى الطبقة الأرستقراطية في جورجيا ..
موسوعية الموضوع
ويطلق البغداديون على العوائل المملوكية في بغداد أسم الكوله مند.. ) تناولت بشكل موجز وقصير نتفا مما فاض به من غزارة في موسوعية الموضوع كي لا تفوت القراء أهمية ما هو ممتع ومشوق في طيات اخاديد الذاكرة .. يتضح أن هناك مفردات غريبة وبعيدة عن العربية في اللفظ والمعني قد تكن محدودة في تداولها ومعرفتها على أهل بغداد الأصلين حصراً ، وقد يجد القراء أيضاً غرابة في هذه المفردة (الكوله مند ) وأتضح لي من خلال الاستفسار من الاستاذ أياد صادق البغدادي أن العوائل العربية قديماً لا تتصاهر مع من تمتد جذوره الى ( الكوله مند ) ..اتوقف بهذا القدر في عرض منجز البغدادي وبشكل موجز كما اسلفت حيث أن الكتاب تضمن ثلاثة كتب الاول مقامات متنوعة احتوى 26 موضوعا والكتاب الثاني مقامات ومداخلات سياسية احتوى على 14 موضوعا اما الكتاب الثالث احتوى على 6 مواضيع .. المطبوع مهم وقيم جدير بالقراءة فهو موسوعة تناولت جوانب سياسية واجتماعية وثقافية في التاريخ الحديث شملت شخوص وأماكن في بغداد التي تلتهب معها الذكرى والوجدان ، كما عرفها لنا البغدادي ايقونة الزمان والمكان ، واغلب الظن أن المطبوع سيتكرر طبعه ليكن مادة دسمة ومرجعا مهما لمعرفة واقع الحياة في بغــــداد العريقة.
























