أحمر حانة لحميد الربيعي أنموذجاً

أحمر حانة لحميد الربيعي أنموذجاً

الإنغلاق السردي والبنى الفاعلة

محمد جبير

سعى الروائي حميد الربيعي إلى صياغة حبكته السردية في روايته ” أحمر حانة ” من المعادلة الاتية  ” المدينة  التي انغلقت على حاضرها الماضي، عاشت لحظات انهيارها مثلما انهارت المدينة “الحاضر التي انغلقت على إرثها التاريخي ولم تتقدم خطوة إلى الأمام، فقد تشرنقت في الماضي، وخنقت حاضرها”  تلك الصياغة التي قامت على عنصر المخالفة، فقد جاء نص الإهداء على الشكل الاتي “إلى…مدينة، إن لم تدخلها، كأنك لم تر الدنيا ” “ص5   فيما كانت جملة الختام كالآتي “أي المدن كانت مثل هذه المدينة العظيمة؟!” “ص 200 وبين الجملتين نقرأ الاستهلال لمدخل رقم 1 الذي نص على “أعطوني برهة لأقرأ ما تبقى من أسرارها اللاهبة، اللاهثة في التيه،دعوني أروي بقية النبوءات” “ص7” فيما تقدم لدينا ثلاث صيغ “المخاطب في الإهداء، والحاضر في الاستهلال والماضي في الخاتمة.

“مدينة إن لم تدخلها، كأنك لم تر الدنيا” من خلال هذه الجملة التحفيزية التي تخاطب متلقيا لا يعرف هذه المدينة ولم يختبر دهاليزها، أزقتها وحواريها، ناسها وأسواقها وحماماتها وخاناتها، مساجدها وجوامعها، كنائسها ومزاراتها، هذا التحفيز مؤسس مسبقا على نصوص ومرجعيات لدى المتلقي، لذلك كان خطاب الإهداء موجها بشكل مباشر إليه، بغية استنهاض تلك الرموز والشواخص والدلالات المخبوءة في ذاكرته من أجل تفاعلها مع النص في مستواه الأفقي والعمودي، فالكاتب يسعى من خلال جملة الإهداء التخاطبية إلى تشارك المتلقي في صياغة الحكاية في حبكتها وثيماتها الموضوعية على مستوى التفاعل مع ما موجود على السطح الظاهر للصفحات،أو على ما هو تفاعلي ابتكاري في مخيلة المتلقي الذي يأخذ في إنتاج حكاياته عن المدينة، سواء في استنطاق من عاش فيها،أو من سمع عنها،أو من زارها ودوّن حكاياتها، لتنهض تلك المصادر بما تحمله من أخبار وحكايات في تشكيل الصورة المفترضة عن المدينة الحلم بما تم ترويجه من أساطير في الشرق والغرب.إلا أن الكاتب لا يرضى في استفزاز ذاكرة المتلقي من جملة المخاطب تلك،وإنما يطمح إلىأبعد من ذلك في رسم الصورة التي يراها عن المدينة، لذلك فهو يطمح إلى منحه “البرهة” ليقرأ ما تبقى من أسرارها،لكن السؤال الذي يثار، هل بقي هناك أسرار لمدينة مستباحة؟ هذا السؤال قد لا يكون سؤالا منطقيا أثناء القراءة الأولى لعدم معرفته بما يحتوي عليه هذا النص من ثيمات موضوعاتية وحبكات سردية، إلا أنه قد يكون منطقيا أيضا من باب التوقعات التي يفترضها المتلقي الفاعل لاسيما وإن الكاتب “السارد” يريد أن يروي لنا ما تبقى من نبوءاته .السارد يريد أن يروي، والكاتب مصمم على تقديم رؤية سردية للأحداث،فهو في “الآن” راءٍ وراصد للمتغيرات التي تحدث أمامه بشكل متسارع، وهو يسعى إلى ملاحقة تلك الأحداث بما يمتلكه من بصريات  صورية أو متخيلات بصرية مسموعة أو مقروءة أو مفترضة “مبتكرة” في مسعى سردي للملمة الوقائع وإعادة ترتيبها وفق سلاسل موضوعاتية، محددة بوظائف، هذه الوظائف لا تخرج عن الإطار العام للمسميات “العتبات” في معطاها الظاهري وقد تختلف أو تتقاطع أو تتواصل مع المعطى الخفي لدلالة تلك العتبات.

وحدة سردية

إن كل “عتبة” من هذه العتبات تشكل وحدة سردية قائمة بذاتها، لما تمتلكه من موقع في النص وزمان ومكان في الواقعة “الحدث”،وتضم بين جنباتها الخطاب الذي لا تفصح عنه إلا بعد الدخول إلى “الحانة” الحمراء حيث مواقع البوح المختلفة بين التلميح والتصريح، والكلمة والإشارة والحوار الهامس والحوار المفضوح، بين بوح داخلي وآخر خارجي، للإمساك بشيء من أطراف واقعة سردية تمرّ من أمام “إدريس” العاشق،أو يساهم في صناعتها، وأخرى يرصدها “ابن الأثير” من مرتفعات المدينة، إلا أنهما في النهاية يقفان على “أثر درس”، وهو ما تفصح عنه خاتمة النص “أي المدن كانت”،إذ يشكل النص في إطاره العام مرثية لمدينة من أحب المدن إلى النفس، لكن الأقدار كانت لها بالمرصاد،ولعبت بها على مرّ العصور والعهود.ترسم جمل التمهيد والاستهلال والخاتمة الخارطة العامة التي تشكل في ضوئها النص السردي والذي قدم بصيغة سردية مختلفة مع  ما هو شائع من سرديات الرواية، فإنها بالرغم من الشكل الدائري بوصفه “بنية سردية” غير مستخدمة  في سرديات عربية سابقة، وأضفى على تلك البنية الدائرية إطارا خارجيا آخر من المداخل والمخارج، ليؤكد عمق الدائرة السردية للنص والتي حافظت على المدينة من موتها،منتظرا نهوضها من جديد مثل العنقاء من بين الرماد، وهو الأمر الذي أشاعه من امتداد الحكايات من “خار اكس، إلى المدينة المدورة، إلى بغداد”، حيث أدى الانغلاق الشكلي، إلى تحفيز البني الفاعلة لتظهر على السطح وفي عمق النص أو بصيغة أخرى أذاب الكاتب إثر انغلاق الحلقات السردية السطح في العمق مانحا للإطار سطحا جديدا لحماية حكايات النص من الاندثار، فالمدينة قائمة على حكاياتها في زمن الروي الماضوي أو السرد الآني، على الرغم من إصرار السارد على أن “يروي بقية النبوءات”، ما هي تلك النبوءات “البقية” المتبقية من أصل نبوءات سابقة ؟ هل السارد ينبش في ذاكرتنا عن النبوءات الغائبة عن ذاكرته والحاضرة في ذاكرة المتلقي؟ أم إنه يريد أن يوقظ نبوءات ذاكرة المتلقي بما لديه من نبوءات؟

هذه الأسئلة التي تثيرها جملة الاستهلال تحفز المتلقي على مواصلة فعل القراءة باعتباره فعلا لاحقا لفعل كتابة النص، وبهذا الاستباق “فعل الكتابة” و”فعل القراءة” يكون السارد قد روى بقية نبوءاته، وتمتع بـ”البرهة” الزمنية، التي طالب المتلقي بمنحه إياه “من فك الرموز” ما تبقى في أصل العملية الإبداعية للنص بشكل عام هو توقعات المتلقي التي قد تتطابق مع نبوءات السارد أو تختلف معها، وهذا كمن  يرد إلى حجم القاموس المعرفي للمتلقي.إذ يسعى الكاتب إلى ترسيخ بنية الحبكة السردية من خلال صياغة التوقعات، هذه الصياغة التي تستقرئ توقعات السارد في نبش ذاكرته وإثرائها بما يمكن من إطارية حدثية، وأيضا تسعى إلى إثارة توقعات المتلقي الذي يسعى إلى استباق الحدث الذي يعايشه بصريا من خلال الكلمات والأسطر في النص إلى الصورة الافتراضية في الذاكرة الثقافية، لذلك نرى المتلقي أثناء فعل القراءة يأخذ في القفز على الحالات، أو البنيات المتحركة في النص من بنية إلى أخرى بغية الوصول إلى القيمة النهائية والتي أشرنا لها فيما سبق، في أن البنية الانغلاقية هي للحفاظ على ما تبقى من حكايات مدينة أمست “أثر درس”.

أولا: بنية التوازي

كان لابد للكاتب من التفكير في “الشكل” لأنه الوعاء الذي يصب فيه ما يترشح من المخيلة والذاكرة الصورية والرؤيوية، إلا أن هذا الشكل لا يمكن له أن يكون جاهزا “وصفة فنية” قابلة التطبيق في أي وقت كان، وإنما لابد من إعادة تركيب شكل من مجموعة أشكال يتلاءم مع مسار الحكاية السردية ومع تنويعات الحدث اليومي الذي يفترض صيرورته حكاية في زمن لاحق تروى من قبل رواة  آخرين، حيث تصبح حكاية اليوم، حكاية ما سبق، إذ تخلي حكايات ” الآن” زمنها إلى الآتي من الحكايات “لاحقا”، إذا تمكنت تلك الحكايات الصمود أمام متغيرات الزمن في حركته إلى الأمام، وهذا ما نراه واقعا في نص “أحمر حانة”، فقد شكّلت حكايات “بغداد المدورة” التي حفظت في بطون الكتب مرجعا حكائيا سابقا لنص الحكاية الآن “الواقع”،إلا أن الكاتب لم يأخذ من النصوص السابقة وإن عدّها مرجعيات في آخر صفحة من كتابه هذا “تنويه”،ولكن التفاصيل اليومية هي التي ارتقت بنفسها إلى مستوى خراب الحكايات السابقة لتشكل حكاية “الحاضر – الماضي ” أو ” الماضي – الحاضر”.

بنية شكلية

هذا التقابل في الحدث يتطلب بنية شكلية تتناسب ونسق الأحداث في ماضيها وحاضرها، إذ لابد من وجود بنية رئيسة وهامش، لكن من سيكون البنية الرئيسة؟ ومن سيكون الهامش؟. المدينة في ماضيها تاريخ يحمل حكاياته وأساطيره، وحكاياته هاجرت إلى بلدان العالم كلها، وشكلت أحلام المغامرين في العودة لها والتعرف على علاء الدين ومصباحه السحري أو حكايات شهرزاد، وأن يلتقوا بعلي بابا والأربعين حرامي، حيث أصبحت تلك الحكايات المتداولة هي التاريخ، واندرست المدينة تحت كمّ تلك الحكايات، واستلم الكاتب ذلك وفهمه وهضمه واستوعبه، لذا لن يقبل أن يكون التاريخ الحكائي للمدينة المدورة هامشا لنص واقعي سردي معني بيوميات المدينة في زمن “الآن”، ولا يمكن أن يكون الحاضر هامشا ملحقا في الماضي، أمام هذه الإشكالية الفكرية الفنية لابد من وجود مخرج ما لحل هذه الإشكالية، إذ إن الشكل هنا ليس “وعاء فنيا” فقط وإنما إطارا فكريا يشكل في وجه من وجوه مستوى متقدم من الخطاب السردي للنص. أوجد الكاتب ثيمة ومكانا وشخصيات، وأخذ يتلاعب بها من أجل إنتاج حكاية سردية يمكن أن تقرأ اليوم أو لاحقا مثلما نقرأ اليوم حكايات الأمس السردية من مختلف بلدان العالم، إلا أن المشتركات التي ترشحت من العناصر الثلاثة التي أوجدها الكاتب تفرض هيمنتها على بنية مشتركة لابد لها أن تسير في طريق واحد، لذلك كان اختيار بنية التوازي في سرد الأحداث، لما وجد من مشتركات في “الخراب” كثيمة رئيسة في نص الماضي ونص الحاضر وأيضا في “المدينة –بغداد” المكان “الحاضر- الماضي”، وكذلك “ابن الأثير – إدريس الصغير” بوصفهما شخصيات “الحاضر – الماضي”. هذا التعشيق السردي بين حاضر المدينة وماضيها فرض البنية المقطعية للنص بشكلها العام تحقيقا لبنية التوازي “الحركية” للأحداث السردية في تفاعلها أو تسابقها في الظهور على سطح المشهد العام للنص، فقد أتى على كتابة نصوص “الآن الحكائية” في مقطع موازٍ لمقطع آخر، يكتب فيه نص “الحركة ” الخاصة بأيقونة التاريخ “الماضي”  ابن الأثير في كتابه الكامل ،إلا أن الكاتب لم يستنسخ كتاب ابن الأثير ذاك في تدوين كتاب “الكامل” اللاحق، وإنما كتب كتابه “الكامل” السردي الآن ليلحقه بـ”الكامل “لابن الأثير حيث يكون للمدينة كتابها السابق الذي كتبه المدوّن التاريخي ابن الأثير، وكتابها اللاحق “أحمر حانة” الذي كتبها السارد حميد الربيعي.تتجسد هذه البنية “التوازي” بشكل مكثف في المجموعة السردية الأولى “المدخل” بمقاطعه الأربعة، ويلحق بها بدرجة أقل حضورا “المخرج” في مقاطعه الثلاث، هذا الحضور المكثف في المداخل أمر طبيعي في تشكيل النص، للطبيعية الوظيفية التي تقوم بتأديتها هذه الوحدات الأربعة، وهي “التمهيد” وتهيئة المتلقي نفسيا وفكريا وثقافيا للدخول في عالم النص، المجموعة الثانية “المدينة” التي تشهد الحركة المتنامية للأحداث في تناميها على المستويين الأفقي والعمودي، فالمداخل هي العنصر التحويلي أو المعبر من السكونية التمهيدية إلى التفاعلية النصية، فيما نلمس في المجموعة الثالثة “المخارج”خفوت نسبي لهذا التوازي، وذلك لاختلاف الوظيفة السردية، فقد أدت  هذه المخارج  وظيفة متداخلة تكشف عن مهارة سردية للكاتب ألا وهي الانتقال من حال إلى حال أخرى مغايرة، فقد كانت وظيفة “مخرج 1” الذي احتل الصفحات من “26- 23” الخروج بالنص من المجموعة الأولى “المداخل” إلى المجموعة الثانية” المدينة.جاء موقع “مخرج 1” بعد مقطع “مدخل 4” ليكون مقطعا فاصلا بين المقطع “المدخل 4” ومقطع “المدينة المدورة 1”? وهو مقطع تحويلي بين مجموعتين لربطهما مع بعض من أجل تفعيل حركية النص وتنشيط الحركة الفاعلية لليومي الآني، وهي الوظيفة الأولى التي تقوم بها المجموعة الثالثة “المخارج”،أما الوظيفة الثانية، فهي وظيفة الخروج بالنص من “المجموعة الثانية، وهو ما يتحقق في مقطعَي “2 3” اللذين احتلا  الصفحات من “193 إلى 200″ونهض كل مخرج من هذه المخارج بوظيفة خاصة أنيطت به، فمثلما كانت وظيفة مخرج “1” هو تحويل المسار السردي من سكونية المداخل إلى حركية المدينة، فإن وظيفة المخرج “2” هي الخروج من تلك الحركية للمدينة التي عاشت خرابها وخراب أبنائها إلى فضاء الانغلاق النصي، الذي سيقوم به المخرج “3”.

ثانيا: بنية التداخل

تتمظهر هذه البنية في المقاطع السردية التحويلية من حال إلى حال، إذ يقف الحاضر في مواجهة الماضي ليخلق جدله الخاص في تحريك الوقائع باتجاهين إما “ماضٍ” أو” آني”، لاسيما في اللقاءات المباشرة التي تتم بين “إدريس العاشق” و”ابن الأثير” كما نرى ذلك على سبيل المثال لا الحصر في مقطع “ألعاب نارية 2”.هذه البنية لازمة الوجود في النص وليست ترفا شكليا، فهي بنية من البنيات الأساسية التي ارتكز عليها قيام هذا النص ليتجسد كتابا مفتوحا للقراءة، إذ لا يمكن للكاتب أن يبقى متمسكا ببنية التوازي وحدها في تحريك الشخصيات والأحداث، وإنما لابد أن تكون هناك بنية مجاورة لتلك البنية، لاسيما وأن النص السردي يتحرك في زمنين مختلفين، زمن الماضي وزمن الحاضر، لذلك كان لابد من إيجاد هذه البنية “بنية التداخل” التي ستقوم بوظيفة التعايش أو الاندماج بين زمنين أو فكرتين أو تصورين عن مدينة واحدة، وإذا كان العلم يقر بعدم تلاقي الخطين المتوازيين فإن السرد يتجاوز هذه النظرية ويفرض تلاقي بنية التوازي مع بنية “التداخل” لخلق الفاعلية الحركية في الفضاء الزمكاني للسرد.تنهض هذه البنية بالتقريب الزماني بين الحكايتين، ولا أعني بالحكايتين هنا حكاية المدينة المدوّرة في الماضي، وحكاية بغداد في الحاضر،وإنما أعني الحكاية المفترضة أو الغائبة عن النص “المدينة المدورة ” والحكاية التي تدور في فضاء سردية “أحمر حانة”، حيث يراهن الكاتب في تفعيل حكايته “الآن” على ما توفر من حكايات في ذاكرة المتلقي ليخلق التواصل النفسي والفكري بين الزمنين، حيث لا يشكل غياب الماضي الحكائي عن النص فراغا ذهنيا لدى المتلقي،وإنما هو حالة حركية تجسد التفاعل النفسي مع نص “الواقع” الممتد على سنوات الخراب والنص السردي الذي ينفــــتح أمامه عبر صفحات الكتاب. هذه المزاوجة بين الحالين والمراهنة على ذاكرة المتلقي تترك الفرصة لإضافة حكايات على حكايات النص، مما يعمّق المشاركة بين المتلقي والسارد من جهة من حيث استباق التوقعات وبناء حبكة خاصة به تختلف عما يريد أن يقدمه السارد من حبكات سردية، وبين المتلقي والكاتب من حيث الاتفاق أو الاختلاف على مستوى الخطاب السردي.فقد كشفت بنية التداخل الخطاب السردي في النص في انتقال “الفرهود” من الخاص “الفردي –الشعبوي ” إلى العام “الحكومي – المؤسساتي “، وهو آس الخراب وانهيار المدينة، إلا أن المتلقي وإن اتفق مع الكاتب في هذا الخطاب على مستوى الحكاية التي قدمها النص، فإنه يتوسع في مديات الخطاب السردي على مستوى حكايات الواقع الأخرى التي تتفاعل أو تتعالق مع النص، فإن خطاب الانهيار هو انهيار القيم الإنسانية في بنية المجتمع وانهيار النفوس وشعورها بالحزن والإحباط وانهيار المنظومات الاجتماعية كلها، وليس أدلّ على ذلك من تحول الأخت إلى “حدأة” تنذر بالشر أينما حلت.

ثالثا: بنية الوحدات الثنائية

تتجسد هذه البنية في المقاطع التالية “المدينة المنورة ، 2  خار اكس 1، 2 سوق الجيف 1،2 القاع 1،2 الحمامات 1،2 لقاء 1،2 ألعاب نارية 1،2 هذه المقاطع الثنائية صممت تصميما دقيقا لتكشف واقع المدينة في حالين، فهي بنية تركيبية مزدوجة، تنوع المسرودات النصية، وتثري الخطاب السردي بتفاصيل جديدة تعمق من رؤى النص وتكشف دلالته وإيحاءاته في آن واحد، لذلك تكون القراءة لهذه الثنائيات إبحار في دهاليز الحكاية التي هي دهاليز المدينة، إذ إن الكاتب جمع هذه الثنائيات كلها في المجموعة الثانية “المدينة”، وكانت بمثابة إضاءات لما سبق نص المجموعة الثانية،واستبصار لما سيأتي من حوادث وتفصيلات.نرى في مقطع “لقاء 1، 2” ما لم يتضح لنا من ضفاف الحكاية التي وردت في المجموعة الأولى وفي “مدخل 1” بالذات، في هذا المدخل يرد ذكر “أهل الكهف” وهو أشبه برؤيا استباقية لما سيحدث، إذ ينفتح ” لقاء 1″ بجملته الاستهلالية على الحكاية بالشكل الآتي” عاد دانيال الخامس بخُفَّي حنين، أصغر أخوة الكهف طلب مناما، يبدو من هيئته أنه قد جُنّ””ص163″.

سياق الحكاية

يختلف سياق الحكاية المتداولة عن منطوق النص الاستهلالي، إذ لا تأتي حكاية “أهل الكهف” على ذكر الجنون،وإنما على اختلاف العصور، فإنهم لم يدركوا كم مكثوا في الكهف، ولمسوا يقينا أن ما يملكونه من نقود لم تعد صالحة في الزمن الذي استيقظوا فيه، الكاتب في هذا المقطع أو في المدخل رقم “1” لا يعيد سرد الحكاية كما هي،وإنما يذهب إلى استثمارها بما يخدم تنامي الحكاية ودلالات خطابها،والسؤال الذي يقدمه النص، متى خرج الأخ الخامس”دانيال”؟ يتضح من خلال العودة إلى المدخل رقم “1” أن الكاتب اتخذ من هذه الحكاية مفتاحا للدخول إلى عالم النص الذي يأخذ في التشكل لاحقا أمام عين المتلقي، وهو يتقدم في عمق القراءة لهذا النص، ليقف عند التفصيلات المضيئة للحدث “الكلب يلوي ذيله، ينظر إلى الإخوة المنهمكين بضرب الصنادل فوق رأس الفتى، نبح في البدء حالما أبصر الفتى يتجول منفردا في الشارع، بالضبط بعد الجسر” ص7 أو “أحس بفراغ في جمجمته، ثم سرت شرارة كأنها اتقاد أسلاك الكهرباء””ص8”. ما بين العودة إلى النوم، والجسر والكهرباء، فواصل زمنية تمتد إلى سنوات وسنوات، تحكي قصصا وتروي حكايات، وإن كانت تلك المفردات التي نثرها بين الأسطر لا تلفت انتباه القارئ في لحظة استكشاف النص الأولى، إلا أنه بعد تلك الرحلة الاستكشافية، سوف يتوقف عند الكثير من نقاط الاستفهام، ويقف على مفردات قد تبدو خارج سياقها في الجملة السردية التي تتحرك في فضاء الزمن التاريخي أو الزمن الحالي، لكن حتى تلك التوقفات أو الاستفهامات، رسمت بعناية فائقة من قبل الكاتب وتكشف عن مدلولات خطاب خاص لم يفصح عنه الكاتب بشكله المباشر،وإنما عرض إيحاءات وتلميحات لذلك الخطاب والذي سبق أن وصفناه بالخطاب المتعدد.فقد أخرج من حكاية أهل الكهف، الكشف عن مأساوية وبؤس هذا الواقع “اليوم” الذي خرج فيه “دانيال” مستطلعا ليُجَنَّ من هول ما شاهده  من دمار وخراب وقتل، لذا فضّل العودة إلى الكهف من البقاء في المدينة، التي كانت حلما ولم تزل وستبقى على مر العصور، ومثلها حكاية الأدارسة في مقطع ” لقاء2″ التي كانت علامة واضحة على فساد واقع اليوم،إذ ينطلق  إدريس العاشق، وإدريس العريف ، وإدريس الخراز، وإدريس العاشق هو الذي يصغر الجميع بعد المباركة في شعاب المدينة ليعيثوا بها فسادا ودمارا، وهو الأمر الذي سيتوج لاحقا بمقطعَي ألعاب نارية  “1، 2”.لم تكن تلك البنيات بنيات شكلية، الغرض منها تنويع مصادرها،وإنما هي بنيات ذات دلالة فكرية تتجسد في النصوص التي حملتها تلك المقاطع السردية، ورسمت تعددية الخطاب السردي، فنصّ مثل “أحمر حانه” لا يقوم على خطاب معلن فقط “لقد انتهى النهب والسلب الفردي ودخلنا في العام” ” ص185 وإنما يذهب إلى إنتاج خطابات مضمرة  تنبع من بين الأسطر وتختفي وراء كلمات وجمل يبثها الكاتب هنا وهناك، ومثلما تعدد خطاب تلك البنيات تعددت الوظائف أيضا ومن بين تلك الوظائف:

أولا: الوظيفة الإخبارية

تقوم هذه الوظيفة بالإخبار عن الوقائع والأحداث في مسارها اليومي التقليدي أو في المتخيل منها والذي يتجسد في الكثير من استهلالات المقاطع الداخلية،التي تسهم في انفتاح النص وتهيئة ذهنية المتلقي إلى استقبال تحولات ومتغيرات النص في تطابقه أو اختلافه مع توقعات المتلقي “أعيد تمثال أبي نواس إلى الشارع بعدما انتهت الحرب الثالثة بسنوات” “المدخل 1 ص23”. في هذا أخبار على اختفاء التمثال وعودته لكن الاسم في هذه الجملة يحمل دلالاته لاسيما وإنه تم ترهين الفعل بالزمن الحالي “بعدما انتهت الحرب الثالثة بسنوات”، وهي إشارة ضمنية لاختفاء الحالة التي كان يحتويها المكان من مساحات للبوح الليلي.إن من جاء مع الحرب الثالثة أشاع الظلام في المكان، وخنق مساحات البوح، إلا أن الريح التي كانت عاتية وانحنت لها الرؤوس لم تعد عاتية وعادت الرؤوس إلى وضعها الطبيعي فوق الأكتاف، وأعادت “أبا نؤاس” إلى مكانه “افتراضا” مثلما أعيد تمثال “عبد المحسن السعدون” بعدما فارق قاعدته على أيدي لصوص الحرب الثالثة “واقعة حقيقية”، لذا لم يذهب إلى الواقعة الفعلية،لأنها متداولة ولا تملك تلك الجاذبية السردية من حيث الدلالة،وإنما ذهب بخياله إلى افتراض اختفاء وعودة تمثال “أبي نؤاس”،لأنه يشاكس ويخالف المنظومة الفكرية للآخر الذي يرى في نفسه السلطة والقدرة على فرض إرادته على الآخر حتى لو كان ذلك الآخر تمثال “أبي نؤاس”. لأن ” أبا نؤاس” لم يعد في هذا النص “نصبا حجريا”، أو اسم علم مجرد،وإنما شاهد ودلالة وأيقونة عصر يختلف اختلافا كليا عن واقع اللحظة “لآن” التي تريد أن تشكل عصرها بجملة حوادث، ترسم خطوط تاريخ من العتمة وخنق المساحات المتبقية للعشاق حتى يلونوا مصادر البوح ويجددوا نغمات الفرح، في زمن أريد له أن يغيِّب تلك المظاهر بشتى الوسائل وبمختلف الآراء والتوجهات، لذا نرى في “أعيد” الفعل تحريكا وتنشيطا لذاكرة المتلقي في إعادة قراءة المرحلة من جديد وفق المعطيات الجديدة والمتغيرات التي تحدث على أرض الواقع الناتج عن الحراك المجتمعي لخطاب التخلق والظلام.

ثانيا: الوظيفة الوصفية

يوظف الكاتب الفعل السردي في الوصف وهو ما يضفي على هذه الوظيفة جمالية تفاعلية لا ترضخ لطبيعة الوصف التقليدي أو الإنشائي الذي يمهد للفعل السردي،وإنما يكون التمهيد فعلا متداخلا وحركيا من خلال الفعل الذائب أو المذوَّب في الوصف، وهو وصف لا يخلو من  إشارية للمعنى العام والخاص “من سوء الطالع أن لا تجد مكانا بحافلة متجهة إلى العاصمة، مئات الجنود العائدين من الحرب الثانية يتطافرون خلف السيارات، مثل كور الزنابير، يلتئمون ثم ينطلقون صوب أي حافلة تدخل المرأب العام”.

المدينة المدورة 1-ص27″ هذه الجملة الوصفية الموجزة الدالة، هي في حد ذاتها نصٌّ قائم بذاته، يدل على زمان ومكان وواقعة وفعل إنساني طافح بالخيبة والبؤس، إلا أنه لا ينغلق  على بؤسه وإنما يفتح على الأمل بصيص ضوء في الحصول على مقعد في سيارة ينقله من هذا المكان إلى المكان الأخر الأكثر أمانا، إذ الكاتب لم يوقف اللحظة عند زمن الفعل السردي وإنما أضفى عليه فعلا حركيا “ينطلقون”، وهو بمثابة إشارة واضحة على عدم سكونية الفعل وتصلبه على فقدان الأمل،وإنما دفع به إلى شاطئ الأمل ليبقى محافظا على حيوية السرد.

ثالثا: الوظيفة الحوارية

تنهض الوظيفة الحوارية بمهمتين، تقرير الحال، وخطوات الحل، لتجاوز ولو بشكل مؤقت للحال التي سبق إقرارها، وهي مهمة حصرية إذ يمكن أن تلعب هذه الوظيفة عدة أدوار في العملية السردية، إلا أن الحوار الظاهري في النص محدد بالمهمتين، وكأنه مناط به تقديم الحلول وتجاوز الحالات مما يدفع بالسرد إلى التنوع بالحركة إلى اتجاهات مختلفة خارج توقعات المتلقي،إلا أنها لا تخرج عن إطار النص في مجمل حركته العامة في تفاصيل المدينة.

” –  الجوع مذلة.

أنا توسمت فيك النباهة، تعال معي بُنَي العاشق، رزقنا أنا وأنت على باب الكلجية بهذا الزمن” “كرخ2- ص67”.لا يريد أن يفصح السارد بشكل مباشر على عهرية هذا الزمن الخرف، وما آلت إليها الأمور،وإنما قدّم ما يريده في الحوار المختزل، ليضيف تنويعه جديدة لخطابات النص الفرعية.

رابعا : وظيفة التسكين

يقف مقطع “كرخ 2” على هذه الخاتمة “أشارت علي زوجتي ،بعد أستلم الجائزة، بتوزيع لحم حمارنا على الجياع، أنا عَزَّ عليّ ذلك، لكنها لكزتني بمرفقها.

-هل نسيت أنه نفق صباحا؟!

– كيف نهق إذن؟

– إنه صوت صاحبك الشيطان.

ثم بغنج وضحكة داعرة قالت:

هل عرفت الآن، سبب خلوته مع الحمار؟!” “ص78”.

قد تكون جملة الختام في المقطع السردي جملة صمت السرد، أو فسحة التأمل في السرد السابق وما سيأتي  في المقطع اللاحق، أو تكون تلك الجملة مساحة بياض نصي بين مقطعين، قابلة للصمت والتأويل في آن واحد، مثلما تقبل أن تكون جملة ربط افتراضية من ابتكار المتلقي. في نص “أحمر حانة” تكون جملة الختام في المقطع السردي وظيفتها تسكين الحركة السردية في النص بما يفتح إلى تفعيل سرد المتلقي لاستباق الأحداث عبر تفكيك جملة الختام إلى وحدات نصية، ترسم له آفاق الحكاية اللاحقة، فإن هذا التسكين هو نقطة تأمل ذاتي لدى المتلقي فيما يكون عنصر ترحيل للحكاية السردية إلى المقطع اللاحق.

أولا: أشارت عليه زوجته بتوزيع لحم الحمار على الفقراء لفوزه بالجائزة.

ثانيا: عَزَّ عليه أن يفعل ذلك.

ثالثا: التذكير بنفوق الحمار صباحا.

رابعا: يشكك أنه نهق.

خامسا: الزوجة تؤكد  “بغنج”  أنه صوت صاحبه الشيطان، وجاء جراء خلوته معه.

قد لا يكون المتلقي معنيا بالأفعال السردية الأربعة من تسلسل “1” حتى تسلسل “4”   ويتوقف عند مفردتَي “غنج ” و”خلوة”، وهما الأكثر تحفيزا في تفعيل التسكين السردي للترحيل باتجاه استهلال المقطع اللاحق، حيث يستهل المقطع بـ”أغنج من مقنعة” “ص79″إذ يقوم بتشبيك السلسلة السردية من تسكين تأملي إلى ترحيل واستلام وصفي، ليعود بالحدث السردي إلى دائرة التسكين من أبواب وصفية متعددة، وهذا هو سرّ اللعبة أو المهارة في البناء والتنظيم السردي للفعل الحكائي في متن النص الروائي.

خامسا: وظيفة البوح الذاتي

تأخذ هذه الوظيفة دورها في الفعل السردي بعد انتهاء فعل الاستلام الاستهلالي مباشرة بحيث لا تترك مجالا للقطع أو الانقطاع أو تعثر التدفق السردي في النص، وإنما تنتشل النص من حال التسكين في مرحلة الترحيل إلى مرحلة الاستلام الاستهلالي، لتأخذ في تهيئة المتلقي ووضعه في فرن الانصهار ليذوب مع التفاصيل، فالكم المعلوماتي في مقطع البوح، وهو كمّ في التدفق الإخباري، يؤطر حال الانفعال والتجلي والانشراح لما بعد الفعل “الحسي، الجسدي” ليرتقي بالنص إلى التأملي الذاتي وهو ما يشكل الانتشاء السردي، الذي يتطابق مع توقعات المتلقي. “سر من رأى في النهار، بنت عبس في الليل، هكذا يناديني زوجي إدريس العريف ، أنا لا أحمل غضاضة وهو يعيب عليّ تحولاتي، لقد عشت في كنفه بضع سنوات مرتاحة البال برغم سفره الطويل، البنت تريد الستر، وكما يقال ظل رجل ولا ظل حائط، يغدق هدايا متنوعة في كل سفرة يعود منها، ومنها أعرف في أي جهة كان، فالكرزات تأتي من الموصل، الجبن الجاف من السليمانية، والتين المجفف من بعقوبة، مرة جلب لي فستانا مطرزا بمهارة يدوية بديعة، رفضت استلامه، لقد خمنت أنه مسلوب من زين القوس”” كرخ 3- ص79″.لن يختفي خطاب النص “المقطع”، وإن طبع بالطابع الذاتي، إذ إنه يشير إلى الحرب الأولى، ورفض الزوجة لما هو مسلوب من الطرف الآخر، وهي وإن كانت إشارة واقعية حقيقية لما جرى في تلك الحرب، إلا أنها في الوقت ذاته تحمل دلالات كبيرة في الوقت الحالي” زمن سرد الوقائع “إذ لم يعد السلب أو السرقة أو القتل من المحرمات،وإنما هي أفعال يومية طبيعية، مما يشكل اختلالا في معيارية القيم الاجتماعية.