
أحمد سعداوي يضيّع قارئه في باب الطباشير
رواية الأحداث المتشعبة تستقرئ زمناً مكثفاً
سامر الياس سعيد
يستدرك قارئ رواية الكاتب العراقي احمد سعداوي الجديدة والموسومة بـ(باب الطباشير ) والصادرة هذا العام عن منشورات دار الجمل ليلتقط انفاسه وليهييء لنفسه فسحة من قراءة اخرى مناسبة للاحداث التي حفلت بها تلك الرواية بتشعباتها وشخصياتها التي عادة ما تترك قالبها القديم لترتدي اخر في متاهات تتيحها ابواب متعددة يلجها بطل الرواية الرئيسي وهو علي الذي عادة ما يحاول اقحام نفسه في كل المتغيرات التي تشهدها احداث الرواية بحثا عن شخوص موازية فيجد انها كانت غير ما كانت عليه في فصول سابقة لذلك يترك سعداوي قارئ تلك الرواية وهو يعيش المتغيرات المتشعبة وكانها متاهات لينئ بنفسه متخلصا منها تماما مثلما انحى الروائي بمنعطفات احداث الرواية وترك القارئ متاملا بتلك الاحداث التي لو تطابقت مع الواقع فستنشا حتما جماعة يرمون القيام بعمليات انتحار جماعية مثلما حدا ذلك علي واصحابه .. واذا كانت رواية سعداوي التي قطفت له قبل ثلاثة اعوام جائزة البوكر وهي رواية فرانكشتاين في بغداد والتي تاسس سردها على الخيال العلمي فان روايته الجديدة تاسست ايضا على مرتكزات من الخيال السردي الذي انشاته فوضى البلد السياسية مما دفع الكاتب لتوظيفه في لجة انقلابات عسكرية تتيح للبطل من ان يكون محورا رئيسيا في تلك الفوضى العارمة التي يشهدها البلد لاسيما حينما ينوه في سياق الرواية ان فوضى الاعلام هي التي دفعت الى جعل الامور تنقلب راسا على عقب لتباشر بابراز ثورات وانقلابات ما دام البطل الرئيسي للرواية وظف برنامجه الاذاعي في احد الاذاعات لتلاوة بعض الاحجية والالغاز الماخوذة من كتب قديمة اتاحها له صديقه الدكتور .. ومثلما نجح سعداوي في حياكة الرواية الفائزة بالبوكر بنـــاء على ما كانت تشهده بغداد من صورة بانورامية للقتل ما زال مستمرا ليومنا هذا فان تلك الصورة مازالت قائمة في السرد الروائي للكاتب ليعقد بناء عليه اتفاقية ضمنية مع القارئ الذي يبغي اجوبة شافية عن الاسئلة التي يتركها الروائي مفتوحة على كل الاحتمالات مثلما يتيه ذلك القاري مع الاشكال التي تتغير ما بين باب واخر من ضمن الابواب التي ارتكزت عليه الرواية ومن بينها باب الله وباب الحب والتي تشكل فصولا تضاف للفصول التي نسج منها روايته والتي تجاوزت عشرين فصلا ليوظف التعاويذ السومرية في بناء احجية تناسب الخلاص من هذا العالم وربما يستثمرها مثلما شهد احد الفصول قيامه بتريدها في برنامجه الذي يذاع بعد منتصف الليل ليثير المقربين ويجعلهم يتاملون بتلك الاحجية الغريبة التي تكون ابوابا زمنية تغير الشخصيات وتلبسها مع كل باب اراءا وافكارا لاتشابه سابقاتها .. ويثير الروائي احمد سعداوي الكثير من الافكار ضمن سياق روايته ففكرة الانتحار الجماعي والتي يتبناها في سياق جماعته التي يلم شتاتها من الشباب اليائس تطابق في بعض فصولها حياة شباب امريكا الصاخبة التي تقود شبابها الى متاهات التماهي مع امور غريبة عن تقاليد المجتمعات الاخرى فتجد ان من بين تلك التسشعبات الانخراط في الجماعات الارهابية ليكون ذلك نوعا من الانتحار القائم على الايدلوجيات المتطرفة والتي تؤدي بمرتكبها الى الانسحاق تحت ثورة الحياة الواقعية التي لاتترك فاعلها يغوص بتاثير تلك العمليات فحسب بل يصطحب معه اكبر عدد ممكن من الابرياء ليكونوا ادوات الانتحار الجماعي بلا طائل وربما تقدم تلك الحالة جوابا عن الاسئلة المثارة عن الواقع العراقي المبتلى بتلك الحالة الاليمة التي لم تتوقف لبرهة لتتيح لهذا الشعب المسكين من ان يلتقط انفاسه في لجة التفجيرات التي تضرب البلاد بين حين واخر وعبر اكثر من عقد كامل .. وقد افلح سعداوي في ان يوظف الصوت من خلال الاذاعة لبطله الرئيسي علي وكانه يفلح في ان يترك للقارئ المجال من اجل ان ينفذ ذلك الصوت المردد للاحجية والاغاز السومرية من ان تنفذ في عمق كل مستمع لتهدف لاثارة الوعي وتكشف بشكل موارب عن الكيان النفسي للشخصية الروائية التي تتشعب اطلالاتها تبعا لتفاصيل الرواية الحافلة والشخصيات التي يصفها الروائي بانها مثقلة بتراكماتها النفسية لتجدها لاحقا وقد اقترفت اعمالا لاتنم عن تلك الرتراكمات المثقلة والتي تزيدها ضيقا كما في حالة الضابط عبد العظيم الذي يترك دراسته الجامعية بكلية الفنون وليتحول ببوصلته للكلية العسكرية ومنتهيا به الى قيادة انقلاب عسكري مفاجئ لايجد من بد في ان يستعين بصديقه علي ليكون مستشارا يمنحه بعض الافكار التي تتيح له من ان يوصل بسفينة البلد الموجوع الى بر الخلاص .. والاحداث التي يستعين بها الكاتب لاضفاء الواقعية على مجريات روايته تبدو اهم ملامح الرواية العراقية ما بعد عام 2003 ومن ابرزها اجواء الانقلاب التي سيطرت على مخيلة الروائيين وتركتهم يستحضرون اجواء تلك الثورة المحتملة لابل اقحام البطل في لعب دورا رئيسيا مثلما فعل علي الذي يتحول من عنصر هامشي في اذاعة منسية الى مستشار له حظوته في زعيم الثورة او في الاشارات التي تجدها ما بين السطور في مراكز القرار الموزعة ما بين (تكريت) و(الحلة )و(كويسنجق) في مغازلة للمكونات الثلاث(سنة وشيعة وكرد ) التي يتوجب عليها صنع القرار السياسي في البلد كما لاتغيب الاحداث التي شهدها البلد في اعقاب احتلال الامريكان له عن توظيفها بالشكل الملائم لاسيما تلك الجرة الاثارية التي توصف بجرة التعاويذ والتي عثر عليها في منطقة تدعى (ابو صلابيخ ) واودعت المتحف العراقي لتتم سرقتها جراء عمليات النهب والسلب التي جرت في اعقاب حرب التغيير .. وثمة ملاحظات وهوامش على سياق الرواية ومن بينها العلاقات النسائية التي يرتبط بها بطل الرواية والتي تجعله انسانا غير مستقر كانه يبحث عما ضاع منه عنوة وهو ما يقارب الكشف عن الكيان النفسي للشخصية الروائية وهو تماما ما وصفه الناقد الانكليزي روبرت همفري بانه سياق يدخل في اطار رواية تيار الوعي ويصفها بالسرد الروائي الذي يركز من خلاله الكاتب لمستويات ما قبل الكلام من الوعي بهدف الكشف عن ذلك المستوى النفسي لتلك الشخصية او بين استخدام العامية في مواقع من سياق الرواية وعبر حوارات تتيح للقاريء ان يكون بمواجهة حوار واقعي وهذه هي ميزة تحسب للرواية بتفوقها المرتبط على ميدان الشعر اذ ان الرواية في الوقت الراهن تمثل الفسحة التي يلجا اليها القارئ من اجل الحصول على التخيل اللازم والبطولة والمرتبطة حتما بالدور الذي استلهمته الرواية كجنس ادبي عن الاسطورة القديمة بدورها الذي كانت تلعبه في المجتمعات الغابرة ..
























