أبوّةٌ متأرجحة على أعتاب الكويت.. الرقيب العربي يستنفر

أبوّةٌ متأرجحة على أعتاب الكويت.. الرقيب العربي يستنفر

نورس كوجر

لو كنت مثل نبتة البامبو .. لا انتماء لها .. نقتطع جزءاً من ساقها.. نغرسه ، بلا جذور، في أي أرض .. لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة .. تنمو من جديد .. في أرض جديدة .. بلا ماض .. بلا ذاكرة..!

هكذا بدا السنعوسي محركا المشاعر صوب هوية الانسان ومعاتبتها باسى جاحف ، وهو يتحدث الى الوطن الذي لفض ابنائة كما لفظ الحوت سيدنا يونس !!

كان يحتاج الكاتب الكويتي سعود السنعوسي صاحب الرواية الى الجرائة الكافية حتى يتسنى له الاقتراب من المحظور مستفزا بذلك الرقيب الكويتي لما تحمله من رمزية للاحداث وواقعيتها ، لتتفوق بذلك على المسكوت خصوصا في المجتمع العربي والكويتي تحديدا .. قد ينبئ محور الرواية للوهلة الاولى لدى البعض بأنها رواية فاضحة تتحدث عن طفل مولود من اب كويتي وخادمة فلبينية ، ولكن سرعان ما تزول هذه النظرة وتكتشف بدلا عنها موقف انساني سامي من قبل الكاتب وهو يحاول تطويع كل ما فيها من الاحداث لهؤلاء فاقدوا الهوية والوطن ليضرب بها اوتار حساسة وليقطع اخرى ! .

تجول أحداث الرواية حول طفل مولود من أب كويتي وخادمة فلبينية نتيجة الزواج العرفي بين الاثنين ومن دون علم احد سوا الاصدقاء المقربين لــ راشد عيسى الطاروف ، ولتستمر العلاقة بينهما حتى ظهور اعراض الحمل لدى جوزافين ولتبدأ ذروة الاحداث والمتاعب ، ويبدأ الصراع بين تمسك راشد بمولوده الذي في احشاء جوزافين(الخادمة الفلبينية) وأسم عائلته الذي تحرص (ماما غنيمة ) أم راشد للحفاظ عليه من اي سوء كما يقال في الكويت “الصيت ولا الغنى ” يستمر رفض العائلة لهذا المولود منذ يوم ولادته وحتى 18 عاما بعد ذلك ..

*جاءت الرواية ببناء فني محكم ، التجريب في الشكل لافت وممتع جدا ، اللغة سلسة ولا تدخلك في تعقيدات بلاغية كثيرة ، غنية ومعباة بالمعلومات حتى تكاد ترى كم تجشم الكاتب للحصول عليها وجمعها .. وتيرة الاحداث مشوقة ومنظمة جدا ، فضلا عن المفاجئات الصغيرة بين الفينة والاخرى أضفت نكهة مكملة لأحداث الرواية كـــ ( أن تكتشف لاحقا أن المدققة خولة راشد المذكور اسمها على الغلاف الداخلي “للترجمة” هي أخت عيسى / هوزيه ( بطل الرواية ) وكذلك مترجم الرواية هو( ابراهيم سلام ) صديق عيسى الملتزم في قلب الرواية ، أو كافشاء سر وحقيقة العجوز اينانغ تشولينغ ، والكشف معنى حرفي MM الموجود على ساعد ميرلا ) .

على الرغم من عدم تقبل ما جاء فيها من صياغة واحداث الا وهي قضايا عدة ابرزها ضياع الهوية والبحث عنها من جديد الا انها لاقت استحسان القراء والنقاد وحتى جائزة البوكر للعام 2013 وبهذا تصبح الرواية الفائزة لذلك العام ، تجسدت الحبكة بـــ عيسى راشد الطاروف الكويتي المسلم أو هوزية ميندوزا الفلبيني المسيحي ..!!

الأديان أعظم من معتنقيه ، هذا ما خلصت اليه ، البحث عن شيء ملموس لم يعد يشكل هاجساً بالنسبة لي . لا أريد ان اكون مثل أمي التي لا تستطيع الصلاة الا امام الصليب وكأن الله يسكنه. لا أريد ان أكون فرداً من قبائل ال إيفوغارو، لا أخطو خطوة الا برعاية تماثيل ال أنيتو، تبارك عملي وترعى محاصيلي الزراعية وتحرسني من الأرواح الشريرة ليلاً. لا أريد أن اكون مثل تشانغ أرهن علاقتي مع الله بواسطة تمثال بوذا الذي أحببت ، لا أريد أن أستجلب البركة من مجسّم يصوّر جسد حصان أبيض مجنّح له رأس امرأة ، كما يفعل بعض المسلمين في جنوب الفلبين ،” (اقتباس من الرواية ) ، نجد في هذا المقطع يطرح الكاتب علاقة الفرد بالأديان ومدى أدراكه ووعيه فيما يختار ليؤمن به وما تفرضه عليه المواريث ، وهكذا هو عيسى الذي تاه بين أسلامه الموروث ومسيحيته المكتسبة وبوذيته المختارة !! ما كل هذا التيه وما كل هذا التعدد .. بالطبع فحين يلفظ الوطن ابنائه سيحدث هكذا !

تناولت الرواية فضلا عن ذلك اشكالية “البدون ” لتعالج التابوهات الاجتماعية فيما يخص ذلك ، يشير معنى الاسم الىــــ (بدون جنسية ) ولربما هو ما زاد استياء الرقابة سوءا بعد سوء حول الرواية .. “البدون” وهم غير محددو الجنسية او المقيمون في الكويت بصورة غير قانونية ، ويعود السبب الرئيسي في تسمية فئة البدون بهذا الاسم إلى الفترة التاريخية ما بين 1950 حتى عام 1979 حيث تدرج مسماهم في الوثائق الرسمية من ” غير كويتي ” ثم ” بدون جنسية ” ثم ” مقيم بصورة غير شرعية ” ونسبة من البدون تعود لأصول بدو رحل من بادية الكويت سكنوا شبه الجزيرة العربية منذ الاف السنين و نسبة أخرى قدمو من بلدان أخرى و يخفون وثائقهم و مسنتداتهم الأصلية . وكذلك تحدث عن تسلط طبقة على اخرى “كل طبقة اجتماعية تبحث عن طبقة أدنى تمتطيها، تحتقرها وتتخفف بواسطتها من الضغط الذي تسببه الطبقة الأعلى فوق أكتافها هي” ، نكران الوطن لابنائه “من أين لي أن أقترب من الوطن وهو يملك وجوهاً عديدة.. كلما اقتــــــــربتُ من أحدها أشاح بنظره بعيداً” انمــوذجا على ذلك . قدم لنا سعود السنعوسي الرواية بطـــــــــــــريقة مغايرة ومثيرة في قالب البناء وذلك من خلال استخدام تقنية الترجمة لكي يوحي بانها سيرة ذاتية مكتوبة بقلم فلبيني وكذلك ليراعي ويحترم عقلية القارئ بقدر من المصداقية والمنطقية لانها احداث عن لسان عيسى المتحدث بالفلبينية ، فهذة الطريقة ما هي الا دهاء روائي تشد القارئ وتجعله مصرا للا مساك بكل خيوط الرواية .. نهاية الرواية على غير المتوقع ولكن هذا ما كان يجب ان يحدث “اليد الواحدة لا تصفق انما تصفع ! ، فالبعض ليس بحاجة الى يد تصفق بقدر حاجته ليد تصفعه ليستفيق ! واتصور هذا ما حدث مع عيسى وما عايشه من احداث جعلته قويا قادرا على اتخاذ قرار العودة وطي الماضي خلفه ليتبقى منه الذكرى ليس الا .. وليعطي ما فقده هو الى ولده راشد عيسى راشــــــد الطاروف .

*الرواية تحولت الى مسلسل كويتي بمشاركة نخبة من نجوم الكويت على راسهم سعاد العبدالله التي شغلت دور الام المتسلطة “ماما غنيمة ” يعرض في رمضان اليوم وقد لاقى استحسان الجمهور كما الرواية ..