قراءة في العقل الشعري (الكتاب الثاني)
مهند صلاح
(انني لن اصبح في يوم ما فيلسوفا عظيما او اكون مدرسة، ولكنني استطيع ان اخذ كل فرد منكم الى النافذة فاطوق بيسراي وسطه و اشير له بيمناي الى الطريق الذي لا بداية ولا نهاية له) .. هكذا ابتدأ الماجدي الجزء الثاني من كتابه الموسوم (العقل الشعري) بمقولة فلسفية لهرمان ملفل، و راح يكمل ما ابتدأه في الجزء الاول بالاتجاه نحو العقل الشعري العلمي، حيث يتجول بمخيلة المتلقي بين اروقة (الشعر الشرقي)، و هو المصطلح الذي اطلقه الكاتب ليجعل منه نافذة يطل من خلالها عبر مجاميعه الشعرية، و هو بهذا ينتهج ما جاء به على سبيل المثال لا الحصر -ادونيس- عبر خلق نظريات نقدية تمهد الطريق للمتلقي الذي سيحتاج و بكل تاكيد الى ادوات خاصة لسبر اغوار الشعر الحديث، و هنا يلج الماجدي نحو بدايات الشعر الاولى .. متنقلا بين السحري و الايروسي (كيمياء اللغة و الجسد) حيث يقسمه بين، الشعر المقدس / و الشعر المدنس / و الشعر و الجسد / و اخرها كيمياء السحر و الجسد، والتي يبرز فيها سمات مجموعاته السبع .. و بانتقالة مدروسة يدخل الكتاب في تيار الشعر الغنوصي، حيث يشكل هذا الموضوع مقدمة المجلد الثالث من الاعمال الشعرية للشاعر، والذي يحتوي بين طياته على (خزائيل) و هو نص مفتوح، ويؤكد هنا بأن الغنوص مفهوم شرقي، بدأ مع حضارتي العراق القديم و مصر القديمة، ثم ظهر في اديان الشرق الاقصى و بقية اديان الشرق الادنى، ثم رحل الى الاغريق وعاد معهم الى الشرق في العصر الهيلنسي، و كأنه عاد لاصوله، ليظهر تيار من العقائد و الاديان و الفلسفات اسمه (الغنوصية) .. كما يتحول بهذا الغنوص من القدم و تنقله من الاديان و الفلسفة نحو الشعر، و ثنائية في الروح و الجسد .. كما يحتوي الجزء الثاني من العقل الشعري على تقسيمات جدولية منظمة كان منها (الشعراء و انواع الشعر) حيث يقول هنا :- (الشعراء ثلاثة انواع : الاول هم شعراء العامة و هم شعراء الجماهير الذين يمثلون ذائقة و مشاعر الناس واحاسيسهم البسيطة، ومنهم الشعراء النجوم والشعراء الشعبيون وشعراء الاغاني و شعراء الملوك و شعراء القبائل و الانظمة السياسية (السلطة و المعارضة) وشعراء التسلية .. اما النوع الثاني فهم (شعراء الادب) اي شعراء الحرفة الادبية و المهارات الحاذقة، الذين ينتمون الى صنف الادباء، ويتزينون بادوات واساليب الادب، و هم عادة بارعون و موهوبون، و يطورون ادواتهم البلاغية و اساليبهم وصناعة لغتهم و هم المؤثرون في حركات الادب و اتجاهاته .. اما النوع الثالث من الشعراء فنم : (شعراء الخاصة)، و هم شعراء الذوق الخاص الذين لا يأبهون كثيرا بمطالب الجماهير و لا مطالب الادباء، بل ينحنون على مشاريعهم الشعرية بالكثير من الصبر و العفة و الاخلاص و التبتل و الوجدانية، و لا يهم ان اعتبرهم البعض شعراء او لم يعتبرهم، و لا يهمهم ان هم عبروا عن عصرهم او لم يعبروا، و ليس لهم من الشعر مصلحة مطلقا، لا الجاه و لا المال، بل انهم في تصالح تام مع مشروعهم الجواني العميق) .. و يعتبر شعراء الغنوص هم الاقدر على الوصول الى جوهر الشعر و حقيقته، ثم يدخل الكتاب في معترك جديد، الا و هو (النص المفتوح) و الذي يرمز له الناص خزعل الماجدي (سينوغرافيا الفضاء الشعري) و هو يبين انجاز الشعرية العربية في ربع قرن .. ثلاثة اجناس شعرية استطاعت ان تستوعب الحاجة الفنية و الروحية للشاعر العربي المعاصر، اضافة لنقلها للشعر العربي الى افاق جديدة لم تكن في الحسبان ابدا .. ثم يضع جدولا يبين فيه الفرق بين قصيدة النثر و النص المفتوح، و يوضح فتح النص الشعري عموديا و افقيا، و بالتدريج يتطرق الى ما اسماه (النص المركب) و يبرز ان الشعر نص مفتوح بين الكلام و التأويل وهو يتفرع الى انواع ذكر منها : (نص السيرة، نص اللعبة، نص الجاندر، نص المخطوطة، نص الريبورتاج، النص الباطني) اضافة الى نصوص مفتوحة في اتجاهات مختلفة .. اما الفصل الخامس للكتاب الثاني من (العقل الشعري) و هو (العقل البشري الظاهر)، و هنا يزيل الماجدي الابهام عن اشياء كثيرة كان من اهمها (سؤال الشعر) و اعتبارات اخرى اوضح فيها ان الشعر (استعارة، مخيلة، تبديل المفهوم، القطيعة و الامتداد، زمن الشعر، كيمياء الشعر، وظيفة الشعر، النص المجاور، الشعر و الجسد، طبقات النص الشعري، جمال الشعر و ذروته) و بعد طرحه و ايضاحه سؤال الشعر، ينتقل الى سؤال الشاعر و بطرق و معايير جديدة عبر الاسئلة والمفاهيم التالية : (هل الشاعر واندي ام بوهيمي ؟، امبراطورية الخيال، الشعراء و كتبة الشعر، بحر الشاعر، الحدائق الداخلية للشاعر، عقل الشاعر، الشاعر يتعدد)، وينتهي بهذا الانجاز الرائع و المهم عند الفصل السادس والاخير (العقل الشعري الباطن) حيث احتوى في كنفه / كنوز الله، اين ذهب الشعراء، اكباد متفسخة اسمها نصوص، عيون الشاعر الكثيرة / حيث ان الاساليب المهجورة البائدة يمكن ان تنبثق مثل النبضات في النص الشعري الحديث و تجعله متوترا، بينما قصائد الشاعر و جسده مشبعة لا تسقط، بل تتسرب من خلالها الروح بين الشعر و الجسد، يوم يموت الشاعر و يذهب جسده تسقط المشيمة معه، لكن الروح تبقى في شعره تتقلب بين العصور …
























