حكم وأقوال مأثورة من المبدع أسعد الجبوري

حكم وأقوال مأثورة من المبدع أسعد الجبوري

كتابة تغور عميقاً بعناء البحث والمشاريع

   حسين سرمك حسن

مقدّمة

تُظلم عبقرية اللغة العربية العظيمة من قبل أبنائها ، بفعل عجزهم عن الغوص في بحرها اللُّجي ، والخوض في عُباب محيطها ، والنزول عميقا ، وعميقا جدا ، لاصطياد لآلئها المكنونة . وواحد من أسباب هذا العجز المهمة – بالإضافة إلى حالة الكآبة القومية ، والياس ، واللاإكتراث ، حيث يلهث المكتئب اليائس خلف أقرب الحلول وأسهلها من جانب ، ويُسقط – projected نقائصه ومكامن عجزه على الأشياء الخارجية من جانب ثان مكمّل – هي حالة التبعية للآخر الغربي المتفوّق ، والإنبهار العصابي به .

وفي مشروع نظريّتي عن نشوء اللغة التي طرحت نواها الأولية في كتابي عن الراحل الكبير “جوزف حرب” : “الناي يبكي أمّه القصبة” (دار أمل الجديدة – دمشق – 2012  )قلت أن معاني المفردة اللغوية (الجذر اللغوي تحديداً) تأتي كـ “حزمة” واحدة ، تجمع الدلالات النفسية والإجتماعية والمادية والوجودية ، مرّة واحدة ، اعتماداً على الخصائص المادية للشيء ، منعكسة في الخصائص الفيزيائية للحروف في تشكلها أصلا من أعماق الإنفعال اللاشعوري (الدهشة البدائية) التي تشغّل مكوّنات جهاز النطق بمكوّناته العشرة من رئتين وحنجرة وحلق ولسان وبلعوم وخيشوم وأنف وغيرها .

ومن الجذر (حَكَمَ) تأتي الحَكَمَة ، وهي – قاموسيّاً – اللِّجام ، أي الحديدة التي توضع في فم الفرس لإحكام جماحه . وما يقوم به أسعد الجبوري من فعل حكيم ، هو التخلص – كخطوة أولى – من أي قيد على ضميره الشخصي والإبداعي الحي . لا يوجد أي لِجام يمنع فم روحه من الصراخ ، وإطلاق صيحة الحق مدوّية عارمة . لكن لابدّ من وجود قيد معنوي مقابل يضعه أناه الأعلى ، الراصد المعاقب ، على الزوغانات والإنحرافات التي يبرع بها بهلوانات الثقافة الأشاوس الذين منّت عليهم الحياة بأعتى سلاح للتبرير والتمنطق والتمرير ، وهو : اللغة ، يصرّفونها في سوق النخاسة كيف شاءوا ، ويتلاعبون عبرها بعقول البسطاء المُذلّين المهانين حسب وصف العزيز دستويفسكي .

هنا نُمسك لدى أسعد بحكمة الموازنة في فعل الضمير : نبذ القيود الداخلية الجبانة والخارجية القامعة من ناحية ، والتمسك الصارم بلجام الرقابة المنحاز إلى مصلحة الناس المعذّبين ، الذين نشأ وسطهم ، وأطعموا روحه المادة الأولية في الولاء الشجاع . والثاني ، في الواقع ، مهماز إيجابي يلتقي بفعل الأول ، فيشحنه بطاقته ، ويجعله مضاعفا متحفّزاً .

والحِكْمَةُ هي العلَّةُ  .يُقال : وما الحكمة في ذلك ؟

إنها حكمة الكتابة الكاشفة الجسور ، التي لا تسعى متراخية كسولاً ، نحو النتائج المخادعة ، بل تغور عميقاً – وبعناء مثقل بالبحث والمخاطر – للإمساك بالعلل ؛ بالأسباب التي تجعل الجمال يُسحق ويُعذّب في بلادنا ، والشراسة السافلة تشيع وتخنق الأرواح في عالمنا . أسعد ببحثه عن العلل – خصوصاً العلل السود التي صخّمت حياتنا – وفلاحه في كشفها ، وإخراجها إلى النور ، يصبح رائياً ؛ من النوع الذي “يرى كلّ شيء” .. يصبح حكيماً حقيقياً . والحِكْمَةُ الكلام الذي يَقِلُّ لفظُه ويَجِلُّ معناه . وأسعد ، كما عرفته ، وتبحرتُ في شؤون إبداعه ، يموت من التطويل المغثي ، والترهلات اللغوية الشحمية ، لهذا تأتي أقواله رشيقة بديعة كثياب المانيكان . وأليس (ما قلّ لفظه وجلّ معناه) هو الشعر من مقترب التكثيف ، ورصّ الخبرة الموصل إلى الإندهاش ؟!

والحكمة هي ، أيضاً ، ضبط النفس والطبع عند الغضب ، ومهما كانت درجة الإحتدام الإنفعالي التي تجيش في صدر أسعد ، وفي أعماق نصوصه ، لن تجد علامات نزق أو انسعار أو تحامل . تأتي الأحكام هادئة تتوّج حوارات دون كيشوت وتابعه ، أو لحظة الذروة من القصيدة . حتى مع الأمريكان – خنازير الحداثة وما بعدها – الذين دمّروا وطنه ، تجد الأحكام هادئة لكنها شديدة المرارة وصاعقة الإدانة .

وحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ” : قَوْلَةٌ تَتَضَمَّنُ رَأْياً حَكِيماً مُوَافِقاً لِلْحَقِّ وَالصَّوَابِ . إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ( حديث ) . وبالرغم من أن هذا التعريف يأتي على طريقة (كأننا والماء من حولنا) الشهيرة ، إلّا أن الحديث يكشف جوانب من خيبة شعراء اساءوا فهم الحداثة وما بعدها ، فاستهانوا بآلام البشر من حولهم ، واعتبروا صرخات المظلومين الجياع والمجلودين في الأقبية المظلمة موضوعات ليست شعرية . فانهمّوا بالنحاس المصبوب من السماء على طريقة أدونيس الكبير برغم كل شيء ، فعزلوا الشعر المسكين عن حكمة العذاب ، وصعدوا بالشعر إلى الأبراج العاجية . ولكن أسعد يعيد الشعر خصوصاً ، والشاعرية عموماً ، إلى تراب الواقع الجائر .. تراب النفوس الممزقة ، ويحمّله بحكمتها البليغة ليصبح (الشعر حكمة) .

 أسعد تخرّج من مدرسة الرمال ، حسب وصف تابعه سانشو ، ولذلك عرف حقيقة العدم ، كمدرسةٍ للفراغ ، ومحلول وجودٍ أشد فعلا من التيزاب ، ولم يتعرّف عليه في مجلدات سارتر .

والحَكَم هو القاضي الذي يفصل بين المتنازعين . وأسعد يقدّم القول الفصل في نصوصه في القضايا الخلافية التي جعلت الشعراء ، من كثرة جدلهم وثرثرتهم ، يتّبعهم الغاوون ، وفي كل وادٍ يهيمون حسب وصف الله ، (الحكم) ، وهو من أسمائه الحسنى جلّ وعلا . وتعود رهاوة اسعد في إصدار الأحكام – كاحتمال أكبر – إلى استقلاليته الشخصية ، وعصيان إرادته الفردية والإبداعية على التجنيس والتبعية . إنه يؤمن بأن (الشعر الآن .. خرج من تحت جميع أنقاض المدارس السلفية : الدادائية السوريالية الواقعية الرمزية الرومانسية الانحطاطية البوهيمية ، بعد أن وجد نفسه مُحرراً من كل الذنوب والعقوبات التي فُرضت عليه من كبار المعلمين في العالم الغربي والشرقي على حد سواء) .. فكيف يعيد ذاته ، لتُجلد بسياط المعلمين الذين يريدون له المشي على سراط اللغة المستطيل ؟! الإبداع مشروع فردي توحّدي لا جمعي قطيعي . وليس كل من امتهن (لاحظ أنها من المهنة والمهانة!) الإبداع صار حكيما يفصل .. الإبداع (يؤتي الحكمة من يشاء) .

ومن الأمثال الأجنبية : (الصَّمت يورث الحكمةَ ، والكلام يورث الندامةَ) ، يماثله في المعنى قول الشاعر :

ما إن ندمتُ على سكوتيَ مرّةً … ولقد ندمتُ على الكلامِ مرارا

وهو شعار المثقفين الجبناء البوّالين على أعقابهم ؛ مثقفي السلاطين أخوان وعّاظ السلاطين . فبالنسبة لأسعد الصمت يورث الجبن والعار والمذلّة . و(الحكمة ضالّة المبدع) تأسيّاً بالحديث : (الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ( .

كانت الحكمة بالنسبة للعرب نعمة (أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ) ، فصارت على أيدي الأصوليين المعصوبين نقمة حتى صاروا يتبرّكون بالبول في القرن الحادي والعشرين . وفي حكم أسعد دعة شعرية حارقة لفضحهم وتعرية زيفهم .

أخيراً وليس آخراً يُقال : رفع الله حَكَمَتَهُ : رفع شأنَه وقدْرَه . فرفع الله شأنك يا أسعد الجبوري .. وقدرك .. والسلام .

حكم وأقوال مأثورة من المبدع أسعد الجبوري :

# الشعر دائماً..  رافضيٌ محنكٌ لشروط أهل سقيفة الآداب الرملية.

# الشعر الآن ..خرج من تحت جميع أنقاض المدارس السلفية :الدادائية السوريالية الواقعية الرمزية الرومانسية الانحطاطية البوهمية،بعد أن وجد نفسه مُحرراً من كل الذنوب والعقوبات التي فرضت عليه من كبار المعلمين في العالم الغربي والشرقي على حد سواء.

# كل المدارس الأدبية استعملت العصا والسوط ،عندما أرادت للنصوص أن تمشي على صراط اللغة المستطيل،حتى وأن حاولت التمويه على عدم الالتزام بالقواعد والقوانين الفنية التي كانت تُرسم للمؤلف.

# في كل كتابٍ أوردةٌ..

ولكن ليس بالضرورة وجود دم يجري هناك.

# دون كيشوت : لم تعد لدينا رؤوس لتثمل بالكحول يا سانشو. رؤوسنا دواليب كاو تشوك مشتعلة. وما تحت جماجمنا مستودعات أسلحة للفتك فقط !

# سانشو: ولكن هناك الكثير من الخيام يا سيدي الدون . وهناك بلدان الحلفاء في أوروبا التي تضخنا أسلحة وأموالاً وبمخلوقات البلاك وتر  .

دون كيشوت: تُضخ الأسلحة .نعم . ولكن ما من بلد أوروبي إلا وأغلق أبوابه أمام اللاجئين، لئلا تفرغ بلدان (الربيع) من الحطب، فتفقد الصواريخ والمعدات والراجمات أرضها الخصبة، ولا تبقى للنيران من معنى .

سانشو: لا أعرف لمَ  يحدث هذا، علماً بأن الحلفاء هم أول من ورّطوا الثورات برفع وتيرة العنف حتى بلغ مراتب الجنون من القتل المفتوح !

دون كيشوت: من لم يكتشف ذلك بعد،سيعيش في التيه للأبد.

# سانشو: ليس أفظع من تكتيك الغرب واستراتيجياته.إنه يمنحنا الضلال ويحرمنا من الظلال .

دون كيشوت: لذلك فأنا أريد لرأسي أن تتحول إلى صندوق أغانٍ فقط.

سانشو: يا له من تيه مروّع. فمسرحنا لم يعد تراجيدياً وحسب، بل جيو دراماتيكيا، ويستحق أكثر من صوت المطرب العراقي (المنكوب) عندما يتعمق بمآسي العاشقين إلى حد فتح بوابات جهنم.

# الشعر كائنٌ لغوي، كلما اقترب من الحرب، أو كلما حربٌ تقترب منه، سرعان ما يجد نفسه على نقالة إسعاف أمام باب طوارئ هذا العالم السفلي القاني، فإما يموت هلاكاً في أثناء كتابة النص من شدّة القتل، وبالتالي لتبرّر الحربُ مفاعيل نيرانها. أو يمرض ، فلا يكتب شيئاً إلا عن الحرب ، لعل محركات رعبها تتعطل من هول ما تنتجهُ من صور ذلك الموت بمختلف توحشه ووحوشه .

لذلك لا تحبُ الحربُ الشعرَ، لأنه يفضحها.

# ليس كمثل تلك البلاد

جسداً لنا

# الليالي..

لحومٌ فاسدةٌ من كثرة الغياب

# دون كيشوت: وأخيراً سقط الجدار يا سانشو!

سانشو: وهل علمت بسقوطه الآن يا سيدي الدون؟

دونكيشوت: أين ذهب بك عقك ؟

سانشو:إلى جدار برلين. أليس ذاك ما تقصده يا سيدي الدون؟

دونكيشوت:لا يا سانشو، فإنما أنا أتحدث عن جدار الأخوان الأسود في  الرأس.

سانشو: ومتى كانوا جداراً . كل ما أعرفه عنهم إنهم رمال متحركة تحت كل قدم.

دونكيشوت: هكذا هم. دمٌ أسودٌ يجري في عروق الصحراء.

# إنها الليلةُ العموديةُ.

تلك التي لشاطئها كمانٌ

يُدخنُ الأيامَ المقدّسة.

# في الشعر ، يمكن أن نستخدم الريح ممحاة لمسح العبارات التالفة أو الضعيفة من طريق الصاعدين نحو التأليف الأعظم، مثلما يمكن استخدام تلك الريح كقوة للتحليق بعيداً عن مخلوقات الطوابق السفلية من النصوص المصابة بالدوار أو تلك المعاقة أو النصوص التي تعاني من الإصابات ، بحكم فقدان المناعة.

# دون كيشوت: أحب فيك إرادة الاعتراف يا سانشو. ولولا وجود تلك الخصلة، لكنت بلا معنى.

# سانشو: ربما . فنحن في طور تجريب الكثير من الأمراض في حياتنا المعاصرة.

دون كيشوت :ها أنت قلتها بعظمة لسانك. لذلك فلا تشك بأن الشعراء وحدهم ، هم من يطورون حركاتهم لوحدهم . هناك من يجرّب نفسه بمختبرات أمراض الأسلحة وأمراض المذاهب وأمراض الهجرات وأمراض الألسنة.

سانشو: كف عن الاستطراد يا سيدي الدون، فقد بلغ بي الجرادُ موضع العدم.

# سانشو: ما بين الباطن والظاهر خطُ الحرب.

دون كيشوت: وما معنى ذلك يا سانشو؟

سانشو: معنى ذلك يا سيدي الدون أن باطنَ الموت مثل ظاهر الحياة . كلاهما لعبٌ على حبل العدم.

دون كيشوت: أصبحت مضحكاً يا سانشو. كأنك قد وقعت بقعر المونليكس ،وهُرس دماغك حقاً.

# تلك هي نيويورك ..

اللا فاصل التاريخي ما بين جثة المتنبي والـ C.I.A .

# لم أذهب إلى الحرب يوماً. التحقت بالجيش جندياً إجبارياً، وعندما أكملت الـ 18 شهراً في خدمة العلَم ،سُرحت بختم من حكومتي. ومع ذلك، كنت اشعر منذ بدايات كتاباتي بثقل ينتابُ نصوصي ، لأنها كانت تذهب إلى الحرب دون قرار مني، تلبية لنداء لغوي خالص، ربما كان يسيطر عليّ الشاعر الآخر الذي كان يمثلني في باطن تلك النصوص .

# حذارِ يا عقلُ

إن ذهبتَ إلى صالون حلاقةٍ

وعلى رأسكَ شعرةُ معاوية

# دون كيشوت: ألا تحب البطولة ؟

سانشو: لا أريد أن أكون حشرة نافعة ولا حشرة ضارة . يكفيني ما أنا فيه يا سيدي الدون.

# دون كيشوت : لا أريد إعادة تخيل ذلك الطوفان يا سانشو.

سانشو: أنت لو فعلت ذلك يا سيدي الدون، لأغضبت سيدنا نوح!

دون كيشوت: لأنني لست من حيواناته أم ماذا؟!!

سانشو: كلا، ولكنهم استولوا على سفينته، لنقل الأسلحة !

# الشعر بجغرافيته الخاصة والاستثنائية، هو مكان الزمن العابر لساعة اليد وساعة الجدار وساعة الرمل المعلقة على حبال الريح.

لذلك فإن السفر إلى الشعر ، عادة ما يقتضي تذكرة ( (one way

-الرأسُ سفينةٌ تمشي بطاقة الغرقى

# نريدُ أن ننام قليلاً ..

ودون أن يسقط على الوسادة (كروزٌ)

فيعدمُ الليلَ باللحمِ بفتافيت الحلمِ

وبالنهار الذي برزت من جسمه أضلعُ السُلِ

# احتكاك النص الشعري الجيد بقارئ سيء ، ربما يحطم قدرة الاثنين على التعايش السلمي،

# لا أعتقد بأن الرواية استولت على زمن الشعر. فالثرثرة ولادة السرد والتفاصيل ، لم تتمكن من أن تزيح أو تمحو الشعر عن التراب العاطفي لبنية العرب، نحن أرضٌ شعرية قبل أن يزرعها الإنسان قمحاً ونخلاً .

# لم ينشغل الغربيون بحريات التعبير عند العرب ولا بحقوقهم ولا بدساتيرهم ولا بالديكتاتوريات التي ساهموا بدعمها، ولكنهم يدفعون اليوم بكل بلدان العالم العربي نحو الهاوية، من أجل رؤية كل تلك الأقطار أطلالاً نازفة، وكذلك لإدخال شعوب الشرق الأوسط إلي أفران الغاز، وفي مقدمة الدول الواجب إشعالها مصر وسوريا والعراق، باعتبار أن هذا الثلاثي يمثل الرأس والأحشاء والقدمين للجسد العربي المفترض العمل علي محوه خطوة خطوة.

# كل قصورٍ في التَّخَيُّل

توسيعٌ لحلقاتِ العدمِ في النصّ.

أي قبر يتسع نيويورك.

الزهرة.. أم القصيدة.

القبائل.. أم جبهة مارلين مونرو.

الديسكو.. أم حبة منع الحمل.

المصباح.. أم فوهة المسدس.

رعاة البقر.. أم الأمم الرعاع.

أبني النداءات..

لكن بلادي كعكة طازجة بالجثث.

سانشو: لماذا ينتابنا هذا الإحساس بالعدم في كل مرة يا سيدي الدون؟

دون كيشوت: لأننا على وشك الذوبان فيه.

سانشو: وهل العدم تيزاب يا سيدي الدون لنذوب به؟

دون كيشوت: واشدّ من ذلك السائل الكيميائي المروع. العدمُ مدرسةُ الفراغ يا سانشو ؛ ألا تعرف ذلك؟

سانشو: ومن أين لي أن أعرف ذلك ، وأنا لم أتخرج من مدرسة الرمال بعد!

# دون كيشوت: الفورّة التي قام بها أبو عزيزي على الفقر ، لم تقلب موازين القوى لتغنى الشعوب بثرواتها .فقد احترق هو والثروات ، ولم يحترق معه الفقر.

سانشو: وهكذا فلم تمطر السموات ذهباً ولا دراهم من فضة ولا براميل نفط.

دون كيشوت: أتعرف يا سانشو.. لو كان زين العابدين بن علي يعرف بأن نهايته على يدي ذلك الفقير المعدم، لكان أعطاه نصف خزائن مجوهرات ليلى الطرابلسي.

# دونكيشوت:الآن يمكن أن نأخذ نفساً.

 سانشو:ومن ترى الذي قطع الهواء علينا،لنختنق يا سيدي الدون؟!

دونكيشوت:ما من أحد يأخذ حصة أحد من الهواء، سوى أولئك الذين اعتقدوا بأن وجود الأوكسجين في الاسطوانات الحديدية.

 سانشو:ستتحطم نظرتهم تلك مع النظريات الخاصة بالاختناق.

# سانشو:وهل يفهم حصانك وبغلتي عن الأوكسجين شيئاً يا سيدي؟

دونكيشوت:لا تظنن أن البهائم لا تفقه بعلوم العصر شيئاً.فلكل مخلوق مخ يخزنُ المعلومات،ثم يقوم بالتحليل والتحريم.

 سانشو:وهل الأوكسجين مادة حلال أم حرام ؟

دونكيشوت:لن أذهب صوب ما تريد أن تأخذني إليه أنت أيها الكهين.

 سانشو:ولمَ لا يا سيدي الدون .فقد نجد عند أهل الفتاوى للمعضلة حلاً، وننتهي من حالة القلق والتكرار الغريزي للخوف؟

دونكيشوت:نحن لا نعرف حتى الآن،إن كان الأوكسجين مذكراً أم مؤنثاً ،ليتم لنا الفصل ما بين الحلال والحرام!!

# لكلّ كلمةٍ صوتٌ يدعي الطربَ.