

مناسبة رحيل الأميرة بديعة (2-2)
بغداد تحتفي بالعائلة المالكة منذ مصرعها عام 1958
صلاح عبد الرزاق
في 9 ايار الماضي توفيت الأميرة بديعة بنت الملك علي بن الحسين آخر ملوك المملكة الحجازية الهاشمية، عن عمر بلغ مائة عام. ولدت في دمشق ، وعاشت طفولتها في مكة المكرمة ثم انتقلت مع أسرتها إلى العراق. في عام 2012 أشرفت على إقامة معرض للعائلة المالكة العراقية في المركز الثقافي البغدادي. وفي تلك المناسبة التقيت ولدها الشريف علي بن الحسين .
أثناء مراسم المعرض سلمني الشريف رسالة قصيرة من الأميرة بديعة موجهة لي شخصياً تشكرني فيها على الاحتفاء بالعائلة المالكة في العراق. كما تلقيت رسالة أخرى من الأمير رعد بن زيد كبير أمناء الديوان الملكي الهاشمي الأردني لنفس الغرض.
ضمن المخطط الذي أعددته لاقامة معارض نوعية لتعريف الجمهور العراقي بأحداث تاريخية لا تعتمد السرد والصور فحسب بل عرض مقتنيات وحضور شخصيات ذات علاقة بالحدث. كانت الإستعدادت جارية لمعرض العائلة المالكة منذ أشهر قبل إقامته، وكان من المقرر أن يكون في تموز ذكرى مصرع العائلة المالكة، لكن أفراد العائلة المالكة أبلغوني بعدم رغبتهم بهذا الموعد لأن هناك من يحتفل بتموز وبانتصار عبد الكريم قاسم على الملكية. وكان هذا رأي الشريف علي بن الحسين الباقي الوحيد من السلالة الهاشمية في العراق، فهو الابن البكر للأميرة بديعة .
استقبلت الشريف علي في مكتبي وأوضحت له رغبتي في إقامة معرض للعائلة المالكة العراقية ، وأننا بصدد جمع مقتنيات ومواد تعود للعائلة. كان الرجل متواضعاً في كلامه وسلوكه، فأبدى سروره وشكره لهذه المبادرة ، وأننا تذكرنا هذه العائلة المظلومة التي لم يتذكرها أحد سوى أعدائها الذين أبادوها ووصفوها بأبشع الصفات. وعندما سألته إذا كانت لديه أية مقتنيات اعتذر بأن ما تركته العائلة المالكة تم نهبه من قبل الجنود والناس الذين دخلوا قصر الرحاب يوم مصرعهم، وما تم إنقاذه محفوظ في المتحف العراقي. وأضاف: ربما هناك رسائل وصور أو هدايا بقيت لدى والدتي. وحول موعد إقامة المعرض أبدى رغبته أن يقام في تشرين الأول، وهذا ما حدث.
المقبرة الملكية
قبل المعرض بيومين أي في 3 تشرين الأول 2012 دعوت الشريف علي بن الحسين لمرافقتي لزيارة المقبرة الملكية في الأعظمية. وضعنا إكليلاً من الزهور على قبر الملك فيصل الأول مؤسس الدولة العراقية الحديثة، ثم زرنا قبور الملك غازي 1912-1939 والملك فيصل الثاني 1935-1958 وقرأنا لهم الفاتحة.
بنيت المقبرة بين عامي 1934 و 1936 من قبل المعماري البريطاني جي بي كوبر حيث راعى فيها تصميم العمارة الاسلامية واستخدام الطابوق جفقيم. تعلو المقبرة ثلاث قباب جميلة مكسية بالكاشي الأزرق. تضم المقبرة أيضاً قبور الملكة عالية والأمير عبد الإله والملك علي بن الحسين 1879-1935 والأميرة حزيمة زوجة الملك فيصل الأول، وأمراء وأميرات وأقارب العائلة، وبعض الوزراء وكبار رجال المملكة العراقية. وفي حديقة المقبرة يوجد قبران أحدهما لجعفر العسكري وزير الدفاع الذي قتله بكر صدقي عام 1936. والآخر لرستم حيدر رئيس التشريفات الملكية.
افتتاح معرض
في يوم الجمعة 5 تشرين الأول 2012 2 تم افتتاح أول معرض للعائلة المالكة بعد انقضاء أكثر من نصف قرن على مصرعها. كان يوماً تاريخياً شهده جمهور غفير ومثقفون وإعلاميون ومسؤولون حكوميون ومؤرخون ومحبون للملكية . كان حدثاً لم تشهده بغداد من قبل غطته وسائل الإعلام وشاهده الناس بشغف وحب. في الكلمة التي ألقيتها تناولت مظلومية العائلة المالكة وأنها أبيدت بشكل همجي وحشي دون ذنب. قتلت بلا تهمة ، بلا محاكمة ، بلا قاضٍ ، بلا قانون . حُكم عليها بالاعدام دون أن تعلم ماذا اقترفت، قتل الكبير والصغير ، الرجل والمرأة، العجوز والطفل. إنها جريمة وحشية لا تقل عما اقترفه الشيوعيون عندما قتلوا عائلة القيصر نيكولاي الثاني قيصر روسيا عام 1917 . وطالبت برد الاعتبار لهذه العائلة التي ساهمت في بناء العراق الحديث. بعد ذلك ألقى الشريف علي بن الحسين كلمة شكرني فيها ورحب بإقامة المعرض وتذكّر العائلة العريقة. ثم قرأ رسالة بعثتها والدته الأميرة بديعة بخط يدها تشكرني فيها على هذه المبادرة. جاء فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
سعادة الدكتور صلاح عبد الرزاق المحترم
– محافظ بغداد
تحية شكر وتقدير …
باسمي وباسم العائلة الهاشمية المالكة في العراق أتقدم لسعادتكم بأسمى آيات الشكر والامتنان لمبادرتكم القيمة التي تذكِّر أبناء شعبنا العراقي بصفحة مشرقة من تاريخ العراق الحديث.
أدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ العراق أرضاَ وشعباً ، وأن ينصره لاستعادة مكانته اللائقة بين الأمم ، وأن يسدد خطاكم لما فيه خير العراق والعراقيين.
التوقيع الأميرة
بديعة بنت علي بن الحسين
كما تلقيت رسالة شكر من الأمير رعد بن زيد جاء فيها:
مكتب صاحب السمو الملكي الأمير رعد بن زيد / عمان- الأردن
سيادة الأخ الدكتور صلاح عبد الرزاق الأكرم
محافظ بغداد
تحية طيبة وبعد ،
يطيب لي أن أبعث لسيادتكم بأحر التهاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك، راجياً أن يعيده عليكم وأنتم ترفلون بثوب الصحة والعافية.
كما يطيب لي أن أعرب عن عظيم شكري وبالغ امتناني لتفضلكم بترتيب ورعاية المعرض النوعي للعائلة المالكة العراقية استذكاراً لدورها في تأسيس الدولة الحديثة وتاريخ العراق والذي عبّر عن مآثرهم وسعيهم الحقيقي نحو نصرة ووحدة العراق الحبيب في تلك الحقبة الهامة من تاريخه.
مكرراً لكم شكري وأمنياتي لكم بالتوفيق والفلاح بإذنه تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم
الأمير رعد بن زيد توقيع
كبير أمناء جلالة الملك
الديوان الملكي الهاشمي- عمان
في 30 تشرين أول 2012
أول ما يلفت انتباه الزائر هي السيارات الملكية التي عرضت في باحة المركز الثقافي البغدادي ، وهي سيارة رولز رويس عائدة للملك فيصل الأول، وسيارة مرسيدس عائدة للملك غازي. وهي سيارة فريدة من نوعها لا يوجد لها نظير. وكان الزعيم النازي هتلر أهداها للملك غازي. كما عرضت عربة ملكية ، ودراجة هوائية تعود للملك فيصل الثاني.
ضمت خزانات المعرض الزجاجية مقتنيات كثيرة عليها الشعار الملكي وصور الملوك الثلاثة. كانت هناك صحون وصواني ولوحات وأواني زجاجية محفور عليها صور العائلة المالكة، وسيوف وأوسمة وميداليات تعود لمناسبات وطنية، وكتب تحدثت عن تاريخ العائلة المالكة، وصحف ومواد أرشيفية منها شهادة الملك فيصل الثاني في الابتدائية، ولوحة رسمها عندما كان تلميذا صغيراً ، وصولات باستلام راتب إحدى الأميرات ، وغيرها من المصروفات. كانت مشاعر الزائرين لا توصف، بعضهم بكى عندما رأى المقتنيات الملكية . وآخرون عبروا عن امتنانهم لهذا المعرض الذي ذكّرهم بالزمن الجميل، وأيقظ ذكرياتهم البعيدة. استمر المعرض أسبوعاً . وعندما سمع الناس بالعرض أخذوا يتوافدون حتى من المحافظات البعيدة كي لا تفوتهم فرصة زيارته. وكنت قد وضعت مفرزة من الشرطة لحماية مقتنياته ليلاً ونهاراً. وقد أخشى أن يحدث أي حادث يحدث ضرراً بالسيارات الملكية أو فقدان أية مادة معروضة. لقد تعاون معنا المتحف العراقي ودار الكتب الوطنية وأمانة بغداد ومجموعة من باعة المقتنيات والأنتيكات في سوق الهرج الذين كرمتهم لتعاونهم وعرض ما يقــــتنون في المعرض.
























