الشاعر محمد راضي جعفر يتحدث لـ (الزمان): منطقة غياب الوعي تبعدني عن المؤثّرات

الشاعر محمد راضي جعفر يتحدث لـ (الزمان): منطقة غياب الوعي تبعدني عن المؤثّرات

حوار: رزاق ابراهيم حسن

يقف الشاعر محمد راضي جعفر على منجزات ابداعية كثيرة في الشعر والنقد، فلقد اصدر مجموعات شعرية تحمل العناوين الاتية: من الاعماق، نافذة على الحب الاخر، انه الحب سيدتي، احزان النهر، قصائد للوطن الحب، اوراق مقاتل، كل ما بقي الان منا دمشق، تحولات الروح، نجلاء، دجلة.

وفي النثر اصدر: الرؤى الصوفية في الشعر العراقي الحديث، والاغتراب في الشعر العراقي المعاصر: مرحلة الرواد.

ومع كثرة هذه المنجزات فان محمد راضي جعفر لم يحصل على ما يستحقه من النقاد  والدارسين فهل يصح بذلك؟

ويقول: اختلف معك في هذا الجانب، وارى ان النقاد الجدد امثال الدكتور حسين غازي وعلوان السلمان قد قدما متابعة مفصلة لمجاميعي الشعرية الاخيرة، امثال: كل ما بقي الان منا دمشق، وتحولات الروح، ونجلاء ودجلة، وكتاب الاغتراب في الشعر العراقي المعاصر- مرحلة الرواد، وهناك ثلاث رسائل ماجستير كتبت عني في بغداد، وهي تتناول التصوف، وتحولات الروح، ونازك الملائكة بين نقادها وهناك رسالة كتبت عني في  جامعة حلب بعنوان (الحس القومي في شعر محمد راضي جعفر، ومعروف ان الرسائل الجامعية تكون معززة بالاختيار المدروس والجاد، وعمق التحليل).

رسم الوجوه

{  ولكنك غائب عن الصحافة الثقافية في العراق؟

– ربما كنت غائبا، ولكنني واضبت على عمود شعري في جريدة الشرق بعنوان (وجوه) وهو في الحقيقة رسم للشخصية كتبت بطريقة التفرد اي انني ارسم الوجه والروح في شخصيتين واعبر عنهما شعرا.

{  كان الافضل ان تكتب عن هذه الاستذكارات نثرا؟

– ملاحظتك صائبة ولكن كسلي وإنشغالي بالتدريس في كلية دجلة الأهلية اضافة الى انشغالي بعائلتي الصغيرة الجديدة حالا بيني وبين كتابة الذكريات نثرا، ومع ذلك فأن الفرصة لم تفت بعد لكتابة الاستذكارات.

{  بماذا تتميز هذه الاستذكارات؟

– ربما لا يكون هناك تميز ملحوظ بها ولكن اسلوب التعبير هو الذي يكسبها نكهة خاصة ربما تقربها الى اذواق القراء والمتلقين واعتقد ان اسلوبي المتميز في الكتابة النثرية سيكون عاملا لاستلهامها بالنكهة الخاصة، والتعبير المؤثر.

{  هذه الاستذكارات هل اخذت شيئا مما كنت تطرحه في دوادوينك السابقة؟

– ان تحولي من كتابة القصيدة التقليدية بقالبها الكلاسيكي ومعانيها الواضحة، الى كتابة القصيدة الحداثية سيؤثران او اثرا على طريقة الاستذكارات وكما تعرف بأن الشعر الحداثي الان يقوم على بينات شعرية اسلوبية عدة ، مثل تقنيع التجربة السياسية، واستثمار طاقات الفعل في الجملة، والعبور من الظاهر الى الباطن، وتبني الرؤية الكونية، وهو ما دفع شعري الان الى الواجهة، واعتقد ان لكل شاعر مراحل، كما ان لكل شعر مراحل ايضا. وهذه المراحل تتصل ببعضها لتشكل بنية كلية واحدة لا تقتل التجزئة.

مراحل ومحطات

{  اذن فأنت لديك مراحل او محطات شعرية. هل انت بذات هذه المحطات والتخطيط لها منذ بداياتك ام انها طرحت نفسها عليك لاحقا؟

– المراحل تشكل بشكل لا ارادي، اي ان مستوى تجربة الشاعر، وخزينه المعرفي، وتطور علاقاته مع الموجودات والمرئيات يؤثر في انتقال الشاعر من مرحلة الى اخرى. فمثلا كنت سابقا اسفه الشعر الحديث وقصيدة النثر وكنت اراجع ملفي الصحفي، فأضحك كثيرا من سذاجتي آنذاك. اما الآن وبعد اجتيازي مرحلتي الماجستير والدكتوراه، تفتحت مواهبي واحاسيسي على تقنيات فنية جديدة، جعلتني اساير العصر وبناه الفنية والثقافية، ويضاف الى ذلك ان التجربة الانفعالية لابد وان تفرض نفسها على الشاعر، وان تستلهم ظروف العصر ومعطياته وتقنياته الثقافية والاجتماعية فأذا اراد الشاعر او المبدع ان يتواصل مع جذوره ومع تراثه فما عليه الا ان يتشبث بالماضي وتقاليده.

{  ما هو الشيء الجديد في هذه التقنيات؟ وفي اية مجموعة من مجاميعك الشعرية تكون اكثر ظهورا؟

– تحدثت في اجاباتي عن احد الاسئلة وقلت ان التجربة الشعرية الحداثية تقوم على تقنيات فنية عدة مثل استلهام الرموز الشعرية وخاصة منها الشعرية، وتغليب الخيال على الوقائع، فالشعر لا يعنى بالحقائق، اضافة الى تبني الرؤية الكونية واقصد منها انك حين تكتب قصيدة رثاء لاحد الاصدقاء او الشعراء فأن هذه القصيدة تكون رثاء للعصر كله، وليس لذلك الراحل فقط.

{  كيف تكون متميزا وحداثيا في هذه الرموز التي استخدمت بكثرة في الشعر العربي؟

– هناك في النقد الحديث ما يسمى (التسامي بالانفعال) ويقصدون به انك تستخدم الرمز استخداما جديدا قد لا يكون له علاقة بالرموز له. فقد ترمز الى الحلاج مثلا بأنه شاعر او انه فنان تشكيلي وليس متصوفا صلب في آخر ايامه او تجعل من رمز الشاعر السياب سمة لصديق له معاصر، او لحالة نفسية انت تخلقها وتبني عليها قناعتك الشعرية وليس قناعتك البشرية.

{  هل تأثرت بالشعراء الآخرين بأستخدام هذه الرموز؟

– لا اعتقد ذلك لأنني حين أكتب اغيب عن الوعي تماما واغض طرفي وقلبي وسمعي عن كل ما قرأت سابقا. لذلك فهي نتاج الوعي الحاضر فقط الذي ينتجها انتاجا جديدا، يكتنفه الغموض والابهام والإيحاء.

{  اذن كيف يستطيع الشاعر ان يتجنب التأثيرات السابقة من قراءاته ومسموعاته؟

– ذلك يعتمد على قدرة الشاعر على تمثيل القراءات السابقة واختزانها في الباطن اما للاستثمار الجديد او للحفظ فقط. واعتقد انني استطعت ان انتج ثغرا جديدا تركت عليه بصماتي كما تركت فيه روحي الشعرية الجديدة.

{  وانت ما هي اقرب المجاميع الشعرية الجديدة الى شخصيتك؟

– اقرب المجاميع الجديدة هي انجلاء لان فيها اسقاطات تجربتي الوجدانية القائمة على توهج القلب، وتوبث الروح وتأتي بعدها تحولات الروح، وهي شعر صوفي مثل خلاصة قراءاتي للتصوف وسيرة شيوخه، وطرق تصرفهم. فأنا متصوف ولكن تصوفي ليس دينيا.

{  الا يعني انك اكثرت من استخدام التراث في قصيدتك بعد ان استخدمه شعراء آخرون؟

– كما اسلفت فأن استخدامي لرموز التراث هو استخدام جديد وبرؤية جديدة تشكل تحت تأثير عصرنا واشكالاته الحضارية وقد استطعــــــت – كما اعتقد – ان انهض بالقصيدة الجديدة نهوضا فنـــــــــيا تميز به معجمي الشعري تميزا واضحا. فالإبهام والإيحاء هما ابرز سمات لغتي الشــــــعرية وهي لغة اطلق عليها اسم (لغة اللادلالة).

{  ومشاريعك الجديدة هل لديك عناوينها؟

– لدي اكثر من مجموعة شعرية جاهزة للطبع، وهناك دراسات عدة ادبية ونقدية تناولت فيها اكثر من ستين شاعرا عراقيا بالدراسة والتحليل على وفق الرؤية النقدية الحداثية.

واعتقد ان عملي الآن في التدريس الجامعي شكل عنصرا ايجابيا سواء في كتابة القصيدة الجديدة ام في كتابة الدراسات النقدية والادبية.