الأردن يرشح الشاعر العراقي حميد سعيد والكُتاب العرب يمنحونه جائزة القدس

الأردن يرشح الشاعر العراقي حميد سعيد والكُتاب العرب يمنحونه جائزة القدس
الإبداع يزيح مطرقة السياسيين
زيد الحلي
تغلب الأدب على السياسة مثلما تغلب المضمون المبدع على القشرة الملونة بزيف النفاق والاستسهال.. فهل نحن على اعتاب انقلاب فكري، عربي، يعيدنا الى قاعدة، يكون الغلبة فيها الى الابداع الحقيقي بدل الركض واللهاث وراء المنافع الشخصية التي تحط من قيمة الانسان على حساب الاصالة المتجذرة في الوجدان الانساني بمختلف قيمه..
وربما يؤسس فوز الشاعر الكبير حميد سعيد بجائزة القدس الشعرية، التي منحتها له الاحد الماضي في القاهرة، لجنة ثقافية، متخصصة، مشهود لها بالحيادية والأتزان والعمق الثقافي، تمثل الادباء والشعراء العرب بعد أستقصاء ودراسة لأعمال عدد من الشعراء العرب، استمرت أكثر من شهرين، بداية صحيحة على طريق ابعاد الوازع السياسي أيا كان، عن الابداع الشخصي ايا كان.. فالثقافة الحقيقية، والمثقف الحقيقي لم يكن في عصر الازدهار الانساني، تحت مطرقة السياسة والسياسيين، بل كانا منارة للجميع، لأنهما نبع صاف من رحم أصيل، هو رحم الامة ووهجها عبر تاريخها الضارب في عمق الانسانية..
ان الإبداع لا يتأثر بالنبع الذي ينبثق منه وحسب، بل يتأثر أيضا بالمصب الذي يتوجه اليه، أعني المجتمع الذي يتلقى عمل المبدع ويعنيني من المجتمع، البيئة التي ينتمي اليها المبدع ويتأثر بها فيما يبدع ويستوحي منها موضوعاته، كما يعنيني من المجتمع جمهرة المتلقين الذين يلعبون دورا هاما حينا وهامشيا حينا اخر في توجيه الابداع..
وكان أعلان فوز الشاعر حميد سعيد بجائزة القدس التي يمنحها اتحاد الأدباء والكتاب العرب سنويا لـ أعمال فنية أو نقدية أو فكرية عالية المستوى في خدمة الثقافة العربية وقضية فلسطين، لمبدع له مكانة متميزة في الإنتاج الإبداعي العربي في مجالي الفكر والأدب، بحيث يعد إنتاج هذا المبدع إضافة جديدة إلى ثقافتنا العربية وانتمائنا الإنساني حافزا كبيراً، لأن نعيد النظر في تقيماتنا، فليس من المنطق ان يتقدم بلد عربي هو الاردن بأسم شاعر عراقي كبير لنيل جائزة مهمة هي جائزة القدس بما تحمله من مضامين ورؤى في وجدان المواطن العربي قافزا على اسماء مهمة من مبدعيه، فيما لم يلتفت وطنه الى تقديم اسمه لهذه الجائزة الابداعية، وكان حرياً بنا تجاوز الموانع مهما كان اصلها ومنبعها، ونضع نصب أعيننا اسم العراق قبل كل شئ، فهاهي وكالات الأنباء وصحف العالم تشير الى فوزالشاعر العراقي بجائزة القدس وهي ارفع جائزة عربية حالياً لكنها ترفقها بالقول ان الذي رشحه لنيل الجائزة بلد غير بلده.
وكانت رابطة الكتاب الأردنيين قد رشحت سعيد لهذه الجائزة. وعن مبررات هذا الترشيح قال رئيس الرابطة د.موفق محادين ان رابطة الكتاب وهي تتقدم بترشيح الشاعر العراقي حميد سعيد لهذه الجائزة، انما تقدم قامة شعرية عربية كبيرة له انجازاته المتميزة في المشهد الشعري.
واضاف د.محادين ان هذا الترشيح يمثل من زاوية اخرى ترجمة لموقف الرابطة وهويتها، التي هي دائماً هوية قومية عروبية، ونعتقد جازمين ان الشاعر سعيد يستحق مثل هذه الجائزة التي تحمل اسم القدس، لأن الشاعر حميد سعيد هو واحد من ابرز اسماء جيل الستينيات في القصيدة العربية، وصدر له حتى الآن ما يزيد على عشرين كتابا، من بينها اربعة عشر ديوانا شعريا، وتناولت قصائده عشرات الدراسات النقدية والاطروحات الاكاديمية، وترأس اتحاد الكتاب والادباء العرب لدورتين في ثمانينيات القرن الماضي، وكان اول مثقف عربي يحصل على وسام القدس للابداع التي قدمته منظمة التحرير الفلسطينية لعدد من المثقفين والمبدعين العرب والفلسطينيين.
لقد رأيت في حياتي العديد من الاشخاص، يدّعون إنهم كـ زجاج النافذة، بالإمكان رؤية حقيقتهم من خلالها، لكنهم نسوا إن زجاج نافذتهم يفصل حقيقتهم عن الواقع، فظل الإدعاء ديدنهم، مبتعدين عن رؤية من كانوا بالامس منارات يحاول الزمن الرديء أن يدرسها بمعاول التهميش، لكنها ظلت عصية..
فمتى نتعلم من حقيقة كوننا اذا عشنا لذاتنا الضيقة، الآمارة بالسوء، فأن الحياة تبدو قصيرة وضئيلة، أما اذا عشنا لغيرنا فسوف تـصبح الحياة طويلة وعميقة، ومتى يصبح الواحد منا مثل صابونة في نكران الذات… انها تذيب نفسها لتزيل اوساخ الآخرين… لقد أضاع الأخوة الذين لم يقترحوا اسم الشاعرالكبير حميد سعيد لنيل هذه الجائزة العربية ضمن الأسماء التي رشحوها، فرصة لتصحيح صورة التهميش والانتقائية التي تسود المشهد الثقافي العراقي، ولو فعلوا وتركوا الأمر الى لجنة التحكيم المسؤولة عن الجائزة، لكانوا محط اعجاب الجميع لأنهم بذلك دللوا على ان الابداع ليس تابعا لهذه الجهة او تلك مهما كانت.
والشعر عند حميد سعيد وجد ليكون خارقا للأشباح والأطياف الى ما لانهاية.. ويقول احد دارسي شعره ان الشاعر حميد سعيد يعد من ابرز شعراء جيل الستينيات من القرن الماضي، وهو من اهم الشعراء العراقيين الذين اضافوا الى الساحة الشعرية صوتا شعريا جديدا مضخما بعبير السرد الجمالي الذي يعبق بأريج النخيل والواحات والتراث العراقي الشعبي من حكايا وقصص واساطير وانه شاعر بانورامي الرؤية يرصد حياة العراقيين وعاداتهم وطقوسهم وولعهم بالاساطير والتراث البابلي القديم، لذا نلحظ في قصائده سموقا فنيا وتحليقا في الرموز الاسطورية الى افاق دلالية رحبة لا تطالها التاويلات ولا تستنفذها القراءات والمطالعات والاستنتاجات الكثيرة، اذ انها كل يوم تفتح افقا جديدا ورؤية جديدة في حيز التلقي والتاويل..والشعر عند حميد سعيد وجد ليكون خارقا للأشباح والاطياف الى ما لا نهاية..
مبروك للعراق هذه الجائزة ومبروك للشاعر الكبير حميد سعيد اختياره لجائزة القدس.. أمل العرب.
/6/2012 Issue 4237 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4237 التاريخ 28»6»2012
AZP09