اختر‭ ‬نصيبك‭ ‬من‭ ‬القمة‭ ‬أو‭ ‬القاع؟

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

هناك‭ ‬طبقة‭ ‬متكّلسة‭ ‬ومعشعشة‭ ‬من‭ ‬وكيلي‭ ‬الوزارات‭ ‬والمديرين‭ ‬العامين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يخضعون‭ ‬للتغيير‭ ‬مهما‭ ‬تغيّر‭ ‬من‭ ‬وزراء‭. ‬هؤلاء‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد،‭ ‬بل‭ ‬أغلبهم‭ ‬عامل‭ ‬مساعد‭ ‬في‭ ‬تفشيه،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬انّهم‭ ‬سبب‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬تطوير‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭. ‬اذ‭ ‬انهم‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬يجهلون‭ ‬ألف‭ ‬باء‭ ‬الإدارة،‭ ‬صعدوا‭ ‬لمناصبهم‭ ‬مع‭ ‬فيضانات‭ ‬المياه‭ ‬الحزبية‭ ‬الآسنة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكي‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬أغلبهم‭ ‬في‭ ‬مناصبهم‭.‬

هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬المتفسخة‭ ‬المتردية‭ ‬المشوّهة‭ ‬العرجاء‭ ‬ذات‭ ‬البطانات‭ ‬والأغطية‭ ‬والحشوات‭ ‬الفاسدة،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستقود‭ ‬الحقائب‭ ‬الوزارية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬مهما‭ ‬جئنا‭ ‬من‭ ‬طواقم‭ ‬وزارية‭ ‬جديدة‭. ‬انّهم‭ ‬يعرفون‭ ‬اللعبة‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬ولهم‭ ‬تجارب‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الوزراء‭ ‬الجدد‭ ‬الصاعدين‭ ‬من‭ ‬أنابيب‭ ‬المحاصصة،‭ ‬ليست‭ ‬لديهم‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الإدارة،‭ ‬وعيونهم‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬اقتصاديات‭ ‬الوزارة‭ ‬وقلوبهم‭ ‬راجفة‭ ‬واجفة‭ ‬زاحفة‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الدورة‭ ‬الزمنية‭ ‬ذات‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬والسلال‭ ‬فارغة‭.‬

الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬غير‭ ‬معني‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬وزير‭ ‬صالح‭ ‬أو‭ ‬وزير‭ ‬طالح‭ ‬وطايح‭ ‬حظه،‭ ‬فهو‭ ‬راض‭ ‬أو‭ ‬ساخط‭ ‬عن‭ ‬أساسيات‭ ‬الخط‭ ‬العام‭ ‬لتوجهات‭ ‬الدولة‭ ‬بما‭ ‬يخص‭ ‬إيران‭ ‬والنفط،‭ ‬وسوى‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ ‬مشاكلنا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬حلّ‭ ‬لها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬شؤونا‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬نتمنى‭ ‬أن‭ ‬يتدخل‭ ‬أحد‭ ‬لحلها‭ ‬لأنّها‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حل‭. ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬النوادر‭ ‬أن‭ ‬يشار‭ ‬كل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬الى‭ ‬وزير‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬مديحه‭ ‬بالقول‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬الأقل‭ ‬فساداً،‭ ‬وانه‭ ‬أكل‭ ‬وأطعم‭ ‬غيره،وانّ‭ ‬رائحته‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تزكم‭ ‬الأنوف‭. ‬هذا‭ ‬التقييم‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬الملايين‭ ‬الستة‭ ‬والأربعين‭ ‬للوزراء،‭ ‬ومَن‭ ‬يقول‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬هم‭ ‬ألف‭ ‬وخمسمائة‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬حلقة‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬التردي‭ ‬والتخلف‭ ‬والمخاض‭ ‬العفن‭.‬

‭ ‬حين‭ ‬أكون‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مجلس‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬اخر،‭ ‬أواجه‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬المستحق‭ ‬والاجباري،‭ ‬لماذا‭ ‬بلدكم‭ ‬يعيش‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬الفساد؟

ليس‭ ‬لدي‭ ‬جواب،‭ ‬اذ‭ ‬أكون‭ ‬مرعوباً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أبدو‭ ‬مُضطلعاً‭ ‬بدور‭ ‬مخز‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬تسود‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أدري،‭ ‬فأقول‭ ‬لهم،‭ ‬إنهم‭ ‬مجرد‭ ‬ألف‭ ‬وخمسمائة‭ ‬شخص‭ ‬فاسد،‭ ‬ليس‭ ‬أكثر،‮»‬‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬قلبي‭ ‬لا‭ ‬يطاوعني‭ ‬ان‭ ‬أزيد‭ ‬العدد‮»‬،‭ ‬وانّ‭ ‬بلاد‭ ‬الرافدين‭ ‬صالحة‭ ‬ونقية،‭ ‬وسيتم‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬تطهيرها‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬مسؤول‭ ‬له‭ ‬ضمير‭ ‬يخبره‭ ‬انّه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬القمة‭ ‬وعليه‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬شيئا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬الغد‭ ‬وسيكون‭ ‬في‭ ‬القاع‭ ‬وسيحمل‭ ‬وزر‭ ‬أشياء،‭ ‬فليختر‭ ‬نصيبه‭ ‬بنفسه‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتلقى‭ ‬نصيبه‭ ‬من‭ ‬لعنة‭ ‬التاريخ،‭ ‬وليس‭ ‬أي‭ ‬تاريخ،‭ ‬انّه‭ ‬التاريخ‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يسامح‭ ‬أحداً‭.‬

إنّها‭ ‬رسالة،‭ ‬مكررة‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬لمَن‭ ‬لا‭ ‬يسمع‭ ‬ولا‭ ‬يقرأ‭ ‬ولا‭ ‬يرى‭.‬‭ ‬

[email protected]

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية