في وداع شاكر الناصري

وداعاً أيها العراقي الأصيل شاكر الناصري (1963-2026)


 

د زهير ياسين شليبه

 

 

 

 

 

كتاب الراحل العراقي شاكر الناصري، “مجرد وقت وسيمضي، يوميات السرطان” بحد ذاته مكرس لموضوعةٍ قاهرةٍ، إنها تجربة حياتية قاسية جدّا يصعب تصوّرها تمر هكذا ببساطةٍ. ويعرف أغلب أصدقاء المؤلف وقرّائه حماسَتَه ككاتب وإنسان عانى ما عاناه في حياته الشخصية كأي مثقف عراقي خاض معترك الحياة بشجاعةٍ، وقام بالأمر ذاته عند تصوير معاناته الصحية والنفسية في أثناء كتابة “اعترافاته اليومية” على جبهة المرض الخبيث منذ اللحظة الأولى حتى نهاية الطريق!

‏ويكفي هنا الاطلاع على فهرست كتابه المليء بالتجارب الغنيّة والمفاهيم والآراء الثريّة ليشعر المتلقي بقيمة هذه التجربة الإنسانية وصعوبتها. ولا بدّ لنا هنا من نقل بعض العناوين المهمة ليشعر القارئ بشجاعة هذا الكاتب وهو يكتب عن جسامة الحرب مع السرطان ومواجهة آلامه في 164 صفحة من الحجم المتوسط من إصدار دار الرافدين 2025.
يبدأ الكاتب الراحل شاكر الناصري سرديتَه بإهدائها إلى عائلته الكريمة: زوجته وابنتهما وولدهما: “إلى ابتهال وديار وطيف معكم كنتُ قويّاً، ومعكم تجاوزتُ محنة الرعب الأولى، على أمل أن نجتاز معاً محنتنا القادمة” ص 7.
منذ البداية يعبّر الكاتب شاكر الناصري عن محبّته لعائلته وتعلّقه بها، أسرته التي صاحبته أوّلاً باوّل منذ الخطوة الأولى في مسيرته النضالية الصعبة حتى الرمق الأخير، كذلك لا ينسى التعبير عن شكره وامتنانه لأصحابه وزملائه الكتّاب: قحطان جاسم، سليمان جوني، صلاح حسن وعلي حاكم، الذين وقفوا جنباً إلى جنب معه لإنجاز كتابه المكرّس لهذا المرض الخطير منذ بداياته حتى نهايته.
في فصل “رعب الاحتمالات” يعيش في دوامة إثر الأخرى في زحمة الاحتمالات، ومع ذلك يتحدث عن الأمل ويصف السرطان في معدته “لغم في المعدة”!


أقول بكل صراحة: لم يكن من السهل عليّ الاستمرار في قراءة هذه السردية دون توقف واستراحات، وكنت أشعر بين الفينة والأخرى بالمرارة والحاجة الماسّة للتواصل مع المؤلف شاكر الناصري من خلال رسائل نصيّة قصيرة معينة عن نصوصه وحالته النفسية كنوع من الدعم والمساندة، والتنفيس أيضاً عن وضعي والألم الذي كنت أعاني منه شخصيّا رغم أني لم أكن قريباً منه كأصدقائه الآخرين. لا أزال أتذكر استجابة الراحل شاكر الناصري لكتابتي عن رحيل صديقنا الكاتب الراحل عدنان المبارك في الفيس بوك قبل أكثر من عقد بقليل حيث أبدى الاهتمام بالأمر وعرضَ تقديم المساعدة.
يبدأ الكاتب بوصف “اليوم الكيمياوي الأول الثلاثاء 28 تشرين الثاني 2023 وموقف الأصدقاء منه وتعاضدهم وتعاونهم معه وتشجيعهم له ومساندتهم له! نص جميل مليء بتجربته عن الصداقة وانطباعاته عن أهميتها في مثل هذه الأوقات الصعبة وعن اليوم الكيمياوي.
ويعيدنا شاكر الناصري إلى طفولتنا من خلال السخرية أحيانا باستخدام مفردة قد نكون نسيناها، إنها “المحجارة” التي كنّا ننظف أقدامنا بها في الحمّام، هذا ما ذكره للقارئ في فصل “اليوم الكيمياوي الثاني”!
ورغم قساوة الحدث وصعوبته، لكن الكاتب، مع ذلك يعرف كيف يصل إلى أحاسيس القارئ العراقي من خلال استخدام مفردات تثير النوستالجيا: “المحجارة”، “نمره صفر” حيث يتعرض لحلاقة شعره “نمره صفر”.
ويأخذنا الكاتب إلى طفولته الجميلة في “قرية فرحان” رغم صعوبات الظروف! أو يقول ساخراً من الذين يخفون إصابتهم بهذا المرض الخبيث: “… صايره موديل، هوايه ناس تشيل المعدة من أجل الرشاقة والتخلص من متاعب السمنة والكرش|” ص 42
ويناقش الكاتب في فصل “تجارب: كل يوم نعيشه هو بمثابة هدية! تجارب الحياة التي مر بها أثناء علاج “إمبراطور الرعب”، حيث يعيش “حالة الرعب و”الصداع” الذي تعرض له، كذلك “نوبات الصمت”، ويصوّر معاناته في “اليوم الكيمياوي الثالث”، ومع ذلك رغم حالته الإنسانية المرضية القاسية لا يتوانى عن التطرق إلى قضية “فلسطين ومجازر غزة وسرطان الاحتلال”.
وأتذكر أننا عندما تحدثنا في مكالمات تليفونية لم ينسَ أن يذكر لي قلقه بسبب القضايا السياسية، رغم محاولة تهدئته، لكنه كان يعاني. ومع ذلك فكرتُ في هذا الأمر المهم جدّا، وحتى بعد إزالة المعدة، بقي يعاني من القلق ليس بسبب المرض فحسب، بل أيضاً الأوضاع السياسية، ويذكر هنا في كتابه الذي نحن بصدده صديقَه الأكاديمي والروائي سنان أنطوان المقيم في أميركا وتعرضه للمشاكل بسبب تضامنه مع الشعب الفلسطيني!

لا يكتفي الراحل شاكر بتجربته مع مرض السرطان الشخصية فحسب، بل وتجارب شخصيات أخرى كبيرة، مثل الشاعر المصري أمل دنقل وأخرين.
ومهم هنا أن تكون قراءتنا لهذا العمل صحيحة لناحية الاعتبارات الفنية، ولا نخرجه عن إطار “نوعه” الأدبي ومقوماته، فهو ليس سيرةَ حياة رغم توفر بعض مقومات السيرة، ولا رواية تقليدية، بل سردية أو يوميات تتوفر فيها مقومات متنوعة. ولم يقصد الكاتب أن يكتبها كرواية رغم وصف حالة “الإنسان الخاص” “البطل المعاني” من الداخل، ولا يُفترض بنا أيضا التعامل معها من الناحية اللغوية من تلك المنطلقات الأدبية الفنية، فعلينا أن نفهم أن الكاتب كان يكتبُ وهو في حاله حزن شديدة، مع ذلك لا أقصد أنا أنه كان محبطاً ويائساً كونه لم ينسَ أيضا التعليق على القضايا السياسية.
وتطرق إلى كتب أخرى مشابهة لكتابه بطريقة فنية متحررة من الأسلوب الأكاديمي، بل متمّمة مع النص واللغة، لا أرى ضرورة لذكرها هنا تاركاً الأمر للقارئ ليطّلع عليها بنفسه.

‏يتميز المرحوم شاكر الناصري بنكران الذات والتضحية، فرغم معاناته من المرض الخطير وأنه يمكن أن يتعرض للوفاة في أي لحظة، لكنه مع ذلك يسافر إلى العراق لزيارة أخته التي تعاني هي أيضاً من المرض الخبيث عينه، وهو ما أشار إليه صديقه الكاتب علي حاكم صالح.

‏ومن المواقف المؤلمة والحساسة، نذكر أن الكاتب يقدم لنا عراقيين مغتربين معه في المحنة ذاتها: شاعر عراقي رائع يذكره باسمه الحقيقي يقاوم المرض بضراوة، وهو صديق شخصي لنا، عراقي أخر مريض بالسرطان، طبيبة عراقية كانت تراقب الرنين المغناطيسي تقدم لهم العون قدر استطاعتها في تدقيق مفصل حسّاس من تطور المرض!
أهم ما يقرب هذه السردية من القصة الصحفية الوثائقية كون الكاتب يذكر أبطالَها بأسمائهم الحقيقية، كلهم يتجمعون في مستشفى أجنبية خارج بلدهم العراق، عراقيون يتحدثون بلغتهم!

يصف السارد حالة زوجته ابتهال، ابنتهما ديار وابنهما طيف، غادر الأب الكاتب تاركاً عائلته كشجرةٍ مثمرةٍ وارفةِ الأغصان في هذا البلد الإسكندنافي، كأننا أمام لوحةٍ كبيرةٍ ترمز إلى وادي الرافدين: العراق!