فيلم السفارة فـي العمارة وسلطة الصورة

فيلم السفارة فـي العمارة وسلطة الصورة
صراع أفكار على لسان شخصيات متباعدة
علي خالد حنون
مع نهاية مجتمع الصورة الحقيقية وظهور عصر الصورة المحاكية للواقع والمقلدة، فنحن لا نعرف الواقع إلا من خلال تلك الصورة المصبوغة بصبغات إيديولوجية، تتشكل تصوراتنا عن الواقع. فلكل صورة ألوانها الخاصة بمعنى تلوين أيديولوجي، سياسي، مذهبي… أن تلك الصور الملونة هي نفسها صور انفصال عن الواقع رغم أنها صور اتصال حيث تقوم بتشكيل أفكارنا عن علاقاتنا الأسرية على أساس مضامين السرد الميلودرامية وكذلك خبراتنا بالقانون تتشكل على أساس المسلسلات البوليسية وأحكامنا الشخصية السياسية وحتى الدينية على ما تبثه الصورة من خلال تغطيتها للنزاعات السياسية والدينية والانقلابات والتوترات الشعبية، وهذا مما يجعل السينما أكثر من مجرد عروض ترفيهية حيث تعيد بناء القيم وترسم الأنماط والنماذج وتعيد تربية المتفرج فهذا الوقت السحري الذي يمر في الظلام داخل صالة العرض يمرر معه صوراً تبحث عن مكان لها في الوعي وتنسج روابطها مع الصورة القديمة، ومع السيل من الصور اللانهائية تلغى المسافة بين الصورة والواقع وتحلل السلطة وتبقى الصورة سلطة في حد ذاتها وهنا يتسائل وائل عبد الفتاح إلى مدى تحول عادل إمام من نجم سينمائي إلى شريك في صناعة الصورة ؟ أو من الفن إلى السلطة ؟ ومن موظف عند صانع الصورة إلى صانع صورة ؟ 1 …

وبما أن الخطاب السينمائي بمجمله هو تعبير عن حساسية نخب لمشكلات الواقع جاء فيلم السفارة في العمارة ليقول كلمته وسعى للإجابة عن سؤال واحد كما يقول بطل الفيلم عادل إمام لماذا يرفض المصريون التطبيع لحد الآن ، وهي رسالة لإسرائيل ولأي دولة تساندها حتى يفهموا الوضع على حقيقته مؤكداً أن دور الفن هنا أكبر وأخطر تأثيراً من أي مجالات ٍ أخرى للتعبير عن ذات القضية، ولكنه أشار أيضاً إلى أن الفيلم كوميدي بالأساس وليس سياسياً ؟ وهنا نقطة الاختلاف حيث أن كشف حيل الثقافة في تمرير أنساقها تحت أقنعة ووسائل خافية، وأهم هذه الحيل هي الحيلة الجمالية التي من تحتها يجري تمرير أخطر الأنساق وأشدها تحكماً فينا. وأمر كشف هذه الحيل يصبح مشروعاً في نقد الثقافة، وهذا لن يتسنى إلا عبر ملاحقة الأنساق المضمرة ورفع الأغطية عنها 2 الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي يشير إلى أن فيلم السفارة في العمارة ليس ضد تواجد إسرائيل وأنه من أذكى الأفلام التي تم نسجها بحرفية لخدمة الهدف السياسي وأعتبر الفيلم مع التطبيع سياسياً شرط أن يكف الإسرائيليون عن قتل الأطفال، فشريف خيري عادل إمام لم يشترك في مظاهرة ضد التطبيع مع إسرائيل تقودها داليا شهدي داليا البحيري وهي من اليسار التقدمي ولكنه أشترك في مظاهرة في أثر مقتل الطفل الفلسطيني أياد هاتفاً يسقط قتلة الأطفال ؟ ..
يحمل الفيلم مجموعة من المفارقات والتي تؤكد ما أشرنا أليه حيث يبدأ الفيلم بعرض مكانين عاش فيهما البطل الأول هو أمارة دبي في دولة الأمارات العربية المتحدة لنلاحظ التعايش السلمي بين مختلف القوميات والأديان ومن خلال شركة نفطية رئيسها يهودياً وأحد المهندسين العاملين فيها عرباً مسلمين فلسطيني والآخر مصري جسد لنا ذلك المخرج عمرو عرفة عبر لقطة أقتفاء هائلة الأبعاد التي تفتح الفيلم حيث تهبط الكاميرا تدريجياً فيها فتشمل منظراً عريض الامتداد في كل اتجاه لقطة جوية استخدمت من قبل المخرج للإيحاء بالترف والحرية … وبفعل ذلك التعايش تحول المكان إلى روضة من رياض الجنة ولكن وبخطأ من بطل الفيلم مع زوجة رئيس الشركة، وهنا يجب التوقف إلى أن بطل الفيلم شريف خيري لم يستطع مضاجعة زوجة رئيس الشركة اليهودي وهذا له دلالته فقد كان الجنس دائماً رمزاً على القوة وكان الحصول على المرأة هو أعلى رموز السلطة والسيطرة والاستعلاء لدى الجيوش المنتصرة التي كانت تستبيح دائماًَ نساء الشعوب المقهورة إمعاناً في الإذلال، يعود شريف خيري إلى وطنه ولينقلنا المخرج إلى المكان الآخر مصر حيث عدم الاستقرار والفقر والانشقاق بين الحكومة الشعب، وفي مشهد أخر والذي جمع عادل إمام مع السفير الإسرائيلي ديفيد كوهين قام بدوره ببراعة الفنان لطفي لبيب في المصعد وبعد اكتشافه أن شقته مجاورة للسفارة الإسرائيلية في العمارة حيث يقول له السفير ستكون آمناً على حياتك في العمارة أكثر من أي مكان ثاني في البلاد وليوصله المخرج بالمشهد الذي يليه حيث حياة القاهرة، على اعتبار أن العواصم هي أكبر وخير ما يمثل ويجسم روح البلد وكيانه باعتبارها بوتقة تنصهر فيها عناصره وأقاليمه، حيث يلتقي شريف خيري برفاقه القدماء، عوامة لرجال يتعاطون المخدرات وهم راتب حلمي المحامي الفنان أحمد راتب حسين عبد الغفور الفنان سعد طرابيك طبيب بيطري في وزارة الزراعة وأخيراً مصطفى الفنان أحمد صيام صحفي في جريدة لا … ومن خلال ذلك المشهد يقدم لنا الكاتب المخرج استقراءً للواقع الاجتماعي والسياسي في مصر للفترة من 1980 ولغاية 2005 تاريخ أنتاج الفيلم والذي يؤكد لنا ذلك قول شريف خيري لهم أنا تركتتكم من 25 سنة وأنتم على نفس جلستكم وهنا نستخلص المعنى الذي يمكن الحصول عليه من مراصفة الصور والتي بموجبها تحدد في ذهن المشاهد فكرة لا تربطها علاقات مباشرة بالأشياء الممثلة فالدلالة التي يتم الحصول عليها بفضل التركيب توحي الصورة ضمناً بشيء آخر غير ما تظهر لابد له قبلاً أن يكون له معنى يساهم في تطور الحدث وفي فهم القصة الدرامية.
الحوار في الفيلم
الحوار في الفيلم والذي يعد ضمن تقنية المشهد السينمائي فهو يفضي بعداً نفسياً من خلال تقديم المحتوى النفسي للشخصية فهو الكلام الذي تعبر به الشخصية عن أفكارها الباطنية التي تكون أقرب إلى اللاوعي،…. في فيلم السفارة في العمارة قام كاتب السيناريو وفي بعض المشاهد بقمع الشخصيات والحديث بالنيابة عنها صراع الأفكار على لسان الشخصيات أي كيف يمكن أن يقدم كاتب السيناريو الأفكار على لسان شخصياته المختلفة في الجنس والعمر والهوية الثقافية… شريف خيري ولدى جلوسه في الكافتيريا تمر من أمامه مسيرة للحزب اليساري التقدمي، ولكونه شخصية دونجوانية هذا ما أبرزه المخرج طيلة زمن الفيلم، تقع عينه على داليا شهدي الناشطة في الحزب وبعد تخليصه لها من الدخان المسيل على أثر الاشتباك مع رجال الأمن المركزي ليبدأ الحوار بينهما حول مصطلح تطبيع وتضبيط وليؤكد لنا كاتب السيناريو المخرج أن الوضع الراهن بين مصر وإسرائيل هو تضبيط وليس تطبيع ومن خلال الاستعارة الصورية للقطة دخول الشرطة الكافتيريا وتقبيلها لشريف خيري مرغمة والدلالة المستقاة من ذلك، وبالعودة إلى معنى الكلمتين في اللغة نلاحظ أن تطبيع تعني تخلـّق َ وتضبيط تعني أخذه على حبس أو قهر وليأتي المشهد الذي جمع شريف خيري باللواء راشد سلوم الممثل خالد زكي الأخير يعلن ذلك صراحة ومن خلال حديثه بعض الناس أو أكثر الناس لهم رأي ثاني في الحكاية دي يقصد السلام مع إسرائيل إنما دي مصلحة الدولة العليا ؟ .
يقول محمد منصور في كتابه الكوميديا في السينما العربية إن ّ صعود أي ممثل نحو النجومية، ليس تعبيراً عن ظاهرة أو تحولات إجتماعية بالضرورة، فقد يأتي ذلك نتيجة اكتشاف مخرج أو منتج مغامر لطاقاته، والمراهنة عليها وقد يأتي ذلك نتيجة طبيعية لاجتهاد الممثل وتطور أدواته… لكن عادل إمام في صعوده نحو النجومية قد جمع كل ذلك 3 … عادل إمام الذي بدأ التمثيل بدور بسيط عام 1964 في فيلم أنا وهو وهي وبقائه فترة الستينات ولغاية نهاية فترة السبعينات داخل أدوار صديق البطل أو تابعه بصبغة كوميدية إلى أن جاء عام 1979 ومن خلال فيلم رجب فوق صفيح ساخن حيث ثبـّت نفسه نجماً كوميدياً تحقق أفلامه أعلى الإيرادات. ومثلما أجاد الأدوار الكوميدية كذلك التراجيدية وقدم أفلام العنف والمغامرة والمطاردات المغلفة بالبعد الأجتماعي والسياسي وجاءت فترة التسعينات ليبدأ سلسلة من الأفلام ذات البعد السياسي وبالتعاون مع كُـتاب مثل وحيد حامد ومخرجين مثل شريف عرفه ونادر جلال مع عودة الى الكوميديا الخالصة في بعض أفلامه مثل بخيت وعديلة، ولكن تلك الأفلام تركت بصمة كبيرة وخاصة فيلم طيور الظلام الذي أثار ضجة رقابية في حينه.
فيلم السفارة في العمارة فتح مجالاً ذوقياً جديداً لدى الجمهور العربي والذي يمتلك ثقافته الدرامية الخاصة إذ أنه محاولة لإعادة برمجة الصناعة الدرامية العربية ومن خلال بطله عادل أمام وكذلك مخرجه عمرو عرفه الذي وظف بالصورة سيناريو يوسف معاطي بمشهد الاحتفال بعيد الميلاد لشريف خيري والرقص الجماعي للسفير الإسرائيلي مع داليا شهدي وأهلها اليسار التقدمي والذي عمق الشعور لدينا بأننا نعيش وننتمي الى كوكب واحد هو كوكب الأرض والى عائلة واحدة تعرف بالجنس البشري مما قد يوحي بأن الفواصل التقليدية بين الشعوب والقوميات والأديان فواصل غير طبيعية أصطنعها الإنسان نفسه إستجابة لبعض ضرورات الحياة أي إن الإنسان هو صانع الحضارة وأصل المجتمع والثقافة التي ينتمي أليها وكذلك هو مصدر المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولذلك هو الذي يستطيع التصدي لها والتغلب عليها وإيجاد الحلول اللازمة للقضاء عليها من أجل إستمرار الحياة.

الهوامش الإرهاب والسينما جدلية العلاقة وإمكانيات التوظيف»مجموعة من المؤلفين»الناشر مدارك»الطبعة الأولى أيلول 2010»ص 287.
النقد الثقافي»عبد الله الغذامي»المركز الثقافي العربي»الطبعة الرابعة 2008»ص 77.
الكوميديا في السينما العربية»محمد منصور»منشورات وزارة الثقافة
المؤسسة العامة للسينما في الجمهورية العربية السورية»الطبعة الأولى 2003»ص 87.
/6/2012 Issue 4236 – Date 27 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4236 التاريخ 27»6»2012
AZP09