وطنية النجف تتفوّق على شيعيتها
عصام فاهم العامري
النجف تعتبر مركزا شيعيا عالميا ، وكثيرا ما وصفت بأنها (فاتيكان الشيعة ) .. ويندر ان تجد بين سكانها من لاينتمي للشيعة الاثنى عشرية . ومع ذلك ظلت النجف طوال تاريخها مسكونة بالهم الوطني والقومي ،، وكانت سباقة في المشاركة في الانتفاضات الوطنية والقومية .. وهكذا كانت ثورة النجف 1918 الشرارة التي مهدت للثورة العراقية الكبرى عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني ، كما كانت النجف قد افتتحت المظاهرات الجماهيرية ضد اغتصاب فلسطين عام 1948 ، وضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، وكادت النجف ومرجعيتها ان تكون الوحيدة التي عبرت عن موقفها الرافض لمقاتلة الجيش العراقي للاكراد بعد قيام الجمهورية عام 1958 .. والنجف كانت الوحيدة التي عبرت عن موقف غاضب من توقيع صدام حسين لاتفاقية الجزائر عام 1975 مع شاه ايران والذي تم التنازل بموجبها عن نصف شط العرب لايران ، اذ تظاهر النجفيون مستغلون مواكب عاشوراء مرددين : ” شط العرب إلنا مية بالمية يحسين شوف الخريطة ” ( بمعنى شط العرب عراقي مائة بالمائة يا أيها الامام الحسين انظر للخريطة واحكم).
وبعد سقوط نظام صدام حسين على يد قوات الاحتلال الامريكي عام 2003 ، اختارت النجف ان تكون مع الفلوجة من اوائل المدن العراقية التي تقاتل الاحتلال عام 2003 و2004 والسنوات اللاحقة . واذ اسهم الاحتلال الامريكي في زيادة النفوذ الايراني ، كانت النجف هي الاخرى سباقة في التعبير عن الرفض والكراهية لتمدد النفوذ الايراني ، حتى ان عدنان الزرفي ( محافظ النجف ) ردد وفي تصريحات متعددة ” أن 90 في المائة من سكان النجف يكرهون الإيرانيين، فإيران تحب أن تأخذ ولا تحب أن تعطي ” . ويلوم عدد من العراقيين وخصوصا النجفيين الامريكيين لانهم لم يوازنوا النفوذ الايراني بل سمحوا له بالتمدد ، ويعلق جوست هلترمان، نائب مدير برنامج منطقة الشرق الأوسط التابع للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات: ” لم أقابل بعد العراقي الذي يثق بالإيرانيين ” . وكانت وثائق ويليكس التي نشرت برقية للسفارة الأمريكية في بغداد مؤرخة في 14 ديسمبر/كانون الأول 2009 وصنفت تحت خانة خاص- عن لقاء بين دبلوماسيين أمريكيين ووجوه من مدينة النجف يمثلون القطاع الاقتصادي والسياسي والعسكري ، كُشِف فيها أن السيستاني لا يسمح للطلاب الإيرانيين بالتسجيل في الحوزة في مسعى لمنع زيادة التسرب الثقافي الإيراني في العراق ، ولأنه يعرف مشاعر النجفيين أزاء الايرانيين . كما ان المحاورين النجفيين كثروا اللوم للامريكيين لسماحهم بزيادة النفوذ الايراني الذي صار يستفز شيعة العراق ، بل وطالبوا الامريكيين بعدم الانسحاب من العراق أو تأخير إنسحابهم والعمل على تقليص النفوذ الايراني الذي يتعدى جانبه الاستخباراتي والسياسي والامني الى جوانب اقتصادية وثقافية وعقائدية . وبالرغم من ان السيطرة والنفوذ الايراني صارا أكبر في المدينة بعد الانسحاب الامريكي وبفضل السياسيين الشيعة الموالين لايران ،، الا ان النجف أبت الا ان يكون لها موقف ازاء الاحداث التي شهدها العراق بعد تمدد داعش . وذهبت نخب المدينة ومثقفوها الى تأكيد موقف واضح لهم مكمل لموقف المرجعية فيها ؛ ولذا فقد أطلق أدباء ومثقفون وأكاديميون ورجال دين نجفيون في الثامن من الشهر الجاري مبادرة “السلم الاهلي في العراق”، وتلخصت بعشر نقاط دعت بمجملها الى استدراك الانزلاق نحو أتون حرب اهلية “لاتبقي ولا تذر”. ونبع جوهر المبادرة من روح المدينة وتاريخها الذي برهن بمرور السنوات ان الانتماء لمذهب ديني ليس بديلا عن الانتماء الوطني .
ودعت المبادرة مجلس النواب الى تشريع قانون ينظم اجراء استفتاء شعبي ” يقرر من خلاله الشعب اصدار عفو عام عن مرتكبي الجرائم السياسية والطائفية والعرقية ، وعمن حمل السلاح ضدّ الدولة ” . واعتبرت النخب النجفية ان “تجربة العدالة الانتقالية التي مورست بعد عام 2003 تسببت بشرخ اجتماعي كبير كونها اعتمدت شكلا من اشكال العقاب الجماعي، وفي احيان اخرى بدت وكأنها عقاب للناس على افكارهم ومعتقداتهم لا على افعالهم”، وحثت على “ان يحذو العراق حذو بعض التجارب العالمية التي نجحت بتطبيق عدالة انتقالية مكنت تلك المجتمعات من اعادة البناء القويم من خلال مبدأ التسامح والصفح وعدم اللجوء الى الانتقام”. ودعت إلى ” الاعتراف الشجاع بما أوصل بلادَنا إلى ما نحن فيه، ولا سيما الإخفاق الحكوميّ الواضح في ملف المصالحة الوطنية، والملف الأمني، ومكافحة الفساد، وملف الخدمات، وعدم جدية الكتل السياسية في تصحيح مسار العملية السياسية ” ، وقالت المبادرة أن تنظيم (داعش) لا يمثل سنة العراق والانضمام اليه من ابناء المحافظات الغربية انما بسبب التهميش الذي مورس بحقهم، وأن ظهور هذا التنظيم المتطرف في مدن تلك المحافظات ” لا يعني عدم وجود مطالب شعبية حقيقية لأهلها، ولا يعني إغفال هذه المطالب ” . وطالبت “مبادرة السلم الاهلي” الاحزاب والائتلافات السياسية الفائزة في الانتخابات الى “تحمل مسؤولياتها واخذ العبرةَ من هذا الحدث الجلل، والإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة تأخذ على عاتقها رأب الصدع وحماية البلاد وتصحيح الأخطاء في مسار العملية السياسية وتجنيب الشعب شر الاحتراب والانقسام.” كما أدانت المبادرة المواقف والتدخلات الإقليمية والدولية السلبية التي كانت السبب في تاجيج الصراعات الداخلية في العراق . وطالبت الاطراف السياسية ومراكز القوى الاجتماعية ورجال الدين الى ادانة من وصفوهم (مثيري الخطاب الطائفي والعنصري) من خلال ” اطلاق تشريعات وقرارات تساهم بالتثقيف على ترسيخ وحدة العراق ارضا وشعبا، كما وندعو الى ضرورة انهاء المظــــــــــــاهر المسلحة الشعبية وحصر السلاح بيد الدولة”.
وادانت النخب النجفية بأقسى العبارات تعرض المجاميع الإرهابية المسلحة إلى التراث الثقافي والديني للعراق في المدن التي سيطرت عليها، و ” نحذّر من مخاطر ذلك على السلم الأهلي والتنوّع الثقافيّ في بلادنا .. ” . وأختُتم البيان بإيجاز مطالب النخب النجفية والرؤى الموحدة التي جمعتهم، لشكل النظام السياسي الذي يصبون اليه في العراق، وأكدوا ” نريد دولة بنّائي أمة لا دولة ممثلي طوائف وأقوام، دولة مواطنة لا دولة مكوّنات، دولة مدنية لا دولة دينية، دولةً يستقيل فيها المسؤول إذا قصّر، ويعتذر فيها إذا أخطأ، ويكون أوّل من تُظهر ثمنه الأحداث، وأوسط من يكون بين العراقيين، وآخر من يتسلّم ثمناً عن عمل. بإيجاز: نريد مسؤولاً إذا قرّبناه إلى المرآة نرى فيها وجوه العراقيين جميعاً”.






















