القصيدة تسقي الأرض فتعود خضراء بعد اليباس

فارس مطر: الخطيئة عندي عطاء يمكن تبديله ولأدباء العراق باع في خوض الشعر السياسي

القصيدة تسقي الأرض فتعود خضراء بعد اليباس

عيسى ابو راغب

شاعر يحمل في جعبته وجعه وغربته وحنينه للوطن، ويحمل بين الاضلاع فسيلة نخلة رافديه، تتلاشى الكلمات في حضرته وتقشعر الابدان لنزفه الشعري، حفر اسمه بجدارة في خارطة الشعر العربي واصبح بارزا بين ادباء جيله، ولذلك وجدنا من الواجب ان نقرأ المه وحزنه وشموخه وكبرياءه، ونتعمد بشعره الزلال وذائقته العذبة، انه فارس مطر الشاعر الذي يعيش اللغة والحياة بعمق واصرار، فالنشاركه ولنتعرف على بعض جوانب تجربته وارائه وفيما نص الحوار معه .

{ شاعرنا، من المؤكد في مسيرة المبدع دائما وضمن تجربته في الكتابة لابد أن يتذكر أشياء هامة في مسيرته قد يرصد لنا من خلالها إلى أين وصل في تجربته واي الخطوط كان بقدرة على ان يرسمها ؟

– بدايتي، هي من أخذتني إلى حيث شاءت ومشت بي درب الحرف والوجع.

الشِماغ والعلم الفلسطيني والفدائي الفلسطيني والصمت والتراجع العربي. عنترة المتخاذل، وعبلة تسباح أمامه وبطولات الزير الذي يعاقر الخمرة والنساء والحمى يُداس والمجد العربي المحشو في ثقافتنا من الصغر أناشيداً خاوية، كل هذا وغيره من واقع أمتنا المرير جعلني أكفر بالقداسة الزائفة. مَجّدتُ البداية وقلت لها هكذا وإلى هناك خذيني، حيث اللّابغبغائية حيث لا مسح الأجواخ والتملّق ومديح المسوخ. كنت أرى صور الفدائيين الفلسطينيين وهم يناضلون لاستعادة الوطن دون عون من أحد، وكأن السماء تظافرت مع من في الأرض ضدهم. وكانت فلسطين وشم الوجع الأكبر في روحي.

آنذاك، كتبت لها هذه الكلمات

{ فتحت عيوني فجراً في ليلة مطيرة بقرية القاضيّة المستلقية على ربواتٍ تطل على نهر دجلة بمدينة الموصل سنة 1969 ، لاأذكر ضبابيات الطفولة فيها، فيما بعد وعندما بدأت أدرك كنت أمر من أمام أنقاضها، رَحَّلوا أهلها بكل صِلاتهم المكانية الحميمة وأسسوا على أرضها معالم خرساء استوطنها الخُرس. كانت عيوني متعلقة بالأنقاض وحكاياها، كنت تحتها، إنها هويتي وهوية الضائعين في أهواء الوصاية التي تنكرهم.     -كانت الأحزمة مشدودة على بطوننا ونهرول هاتفين بالمجد لمن هزمونا وصادروا الأنسان في داخلنا. لم نكن نعرف ماهو لون السماء، كان التطلع للزرقة خيانة عظمى. الكبت كان الرغيف المِنَّة. كنّا خرافاً صالحة تنتظر تجنيدها لتلتحق بمهازل المجازر. قفزت خارج إدمان القأقأة والطأطأة ونظرت إلى الشاسع الأزرق، لم ألتفت ورائي، صفعت بنعالي جِيَف الذوات وغادرت دهاليز العفونة لأبدأ. المأساة الكبرى هو أن تحيا في واقع مزيف ركيك يدعي الوصل بالمجرات وهو لايقدر أن يصنع دولاباً في لعبة طفل. ترعرت أجيالنا على هباء البطولات وأوهام الثوابت التي جعلتها دواجن في حقل مسيج ترقب العلف وبركات الحكام. تعج في رأسي استنتاجات تحكي لو أننا أمة بأساس رصين لما كنا بواقع هشٍ الآن …فكانت قصيدة

(جميع الناس تدرينا)

ويُروى أنَنَّا كُنَّا

شَتاتاً في بَوَادِينا

وَمِن ألفٍ لَقَدْ تِهْنَا

إلى أن جَاءَ حَادِينا

فَقَادَ الرَكْبَ للجَنَّه

بِجَزٍّ من نَوَاصِينا

ألا تَبَّاً لما صِرنَا

صَنَعْنا نَحنُ طاغينا

لِيومِ الدينِ قُيِّدْنا

بِحَبلٍ من تَفَانينا

وبالطَّاعاتِ لَبَّينا

ووالي الأمرِ يُدْمِينا

أأغْنَاماً يُرَبِّينا

لِرجلَيْهِ قَرَابينا

مَضى دَهْرٌ وَمَازِلنا

ضَحايا أو مَسَاكينا

كأهلِ الكَهْفِ قد نِمْنَا

لَبِثْنَا في مَخَابينا

فلا أحياءَ إذْ قُمْنَا

ولا مَوتى لِيُحْيينا

كَفَانا أنَنَّا ضِعْنَا

قَلَبْنَاْ كُلَّ ماضينا

تَطَبَّعْنا وأدْمَنَّا

أكاذيباً تُحَاكِينا

على الأرضِ تَفَرَّدنا

بِمَفْهُومٍ مُغَالينا

تَفَلْسَفْنَا وَزَيَّفْنَا

وجَمَّلْنَا مَسَاوينا

على أهوَائِنا قُلْنَا

وَلَفَّقْنَا لِراوينا

فَمَا صَوْله، إذا صُلْنَا

ولا نِلْنَا أعَادينا

ولا عِلْمٌ بِهِ فُقْنَا

ولا كُنَّا أسَاطِينا

ومن هنا كانت انفجاراتي وهرطقاتي وبوادر الكفر بالأصنام.

والبداية وضعتني على خط الشروع في نهج لون ثوري النبرة ساخر الحس وكافر بالرتابة والطاعة المفروضة. الطريق هنا طويلة لا تقطع ولا يمكن لأحد أن يبلغ ثريا كوامن الرسالة. الجميل أنك تمشي لآخر عمرك تاركاً قصائدك تُخلد ذكرك لتعلق على أغصان شجرة النبل، إسمك مع الخالدين أصحاب المعاني النبيلة وإلّا ستكون ممن جاءوا وذهبوا وهم على الهامش.   { من خلال استماعي إليك ومتابعة النصوص، وجدت الوجع صارخاً في نصوصك فهل يا ترى كتب على الشاعر العراقي أن يكتب الوجع بديمومة ومتى يمكن أن نرتق تلك الجروح ونعاود الحياة

– لي أولوياتي، هناك شعراء منوّعو النتاج وهم مبدعون، تارة يكتبون عن الحبيبة وأخرى عن الوطن وتارات في مواضيع أُخر، والأبداع فيها وقف على كفاءة الشاعر وتمكنه. أسمى مايكتب الشاعر، هو أن يكون رسالي التوجه، معانقاً مذهبه الشعري حدَّ التوحد فيه حتى يقوده هذا التوحد إلى آفاق الشمولية. وبالعودة للبداية وطور التكوين والملامح فقد اصطبغت (ببلاد العرب أوطاني)، ذلك الأنتماء الطاغي المفعم برائحة التراب إذا سقط عليه المطر، ذلك الحبل السُرّيِ الوثيق الذي يمدني أوكسجيناً وقصائد، شأني شأن كل أبناء وطننا المذبوح الذي نشأنا مع مآسيه وحروبه وهزائمه على أيدي حكامه قبل أعدائه. لذا فإن الهمَّ القابع في يومياتنا والملازم لأعمارنا لا ينفك يلقي بظلاله الرمادية على مزاجنا وقهوتنا وحروفنا ملوناً عذرية أفراحنا برماديته. ولأننا في العراق جيل عروبي المواجيع ككل أجيال الوطن العربي التي نشترك معها بوحدة الدم والألم وكوابيس الأنظمة الجاثمة على صدورنا الصدية، فمن الطبيعي أن تجد الصرخة سمة فيما أكتب. فالشاعر العراقي ـ وأقصد هنا الشاعر الذي له بعد إنساني ووجداني ـ هو عربي الوجع إنساني البعد لأنه احتج على الظلمة وعفونة الكهوف والاستلقاء على وجهه تاركاً ظهره للخفافيش. نعم تجد الوجع، الوجع المشترك الذي يتقاسمنا جميعاً.

الأوجاع لاتنتهي ولن تتركنا، وأفضل شىء هو أن نكون معاً قلماً وفكراً وقصائداً أمام الأنواء الطارئة لأنها رتق للجروح ومضاداً حيوياً ومناعة، وفي ذلك حياة وتجدد وديمومة

{ الشاعر فارس مطر بما مرَّ من أحداث جسام على العراق.. وأصيب نخله بالجروح وهاجر الكثير من الشعراء، هل تجد أن المكان يحدد تميز الشاعر وله دور كبير في اظهار إبداعه أتملك رؤية معينة بهذا الامر؟

– من الإنكسارات تولد النهضة، وحريق الغابات لايصل إلى الجذور التي ستغني أغصاناً وأورقاً لتفجر الخضرة والشعر ككل الفنون.

وتيرة الأحداث في العراق ليست جديدة إنها تنامٍ واستفحالٍ لمقدماتٍ حاولت مصادرة الأنسان وطمسه وتكمييه لأنه يجهر بنشيد الشمس

وكينونة الإنسان، التجدد والنهوض في أي زمان ومكان.

ثم ان النار إذ طالت بعض السعفات فإن قلب النخيل لم يحترق، ولازال الفرات يجري مواويلاً وغناء، ودجلة الخير يعانق ليالي المقامات. لازالت المآذن والقباب. شارع المتنبي.. وبانوراما الكتب والقُرّاء اللصيقون بالحرف، لازالَ ولازالوا. لازالت إستكانة الشاي وصحن القيمر. لازال حَنَّا وآزاد وعمر وجعفر يطربهم ناظم الغزالي، لازالت فصيلة الدم عراق. الطيور التي أزعجها اللهب طارت قليلاً تاركة أرواحها وزقزقاتها في أعشاشها. رمت مفاتيح الولاء في الأهوار وشط العرب، وفي الفرات ودجلة وزابيه. ربطت مناديل الحرير على أشجار الجوز وتحت عرائش العنب. رفرفت حول روحانيات الجواهري ونالي شاعر الكرد الكبير والرصافي والسياب والملائكةُ نازكْ والنواب ومطر والكثير من عازفي نوتات الحروف من بلاد الرافدين. لم تذق أحلى من تمر العراق ولم يروها سوى ماء العراق. اللذين هاجروا يحملون العراق كحلاً وقصائداً وزاداً في عيونهم، أي يحملون الألق والكفاف ولسان حالهم يقول من ظن أن العراق سَقَطْ، فقد سَقَطَ في السهو، إن الكبوة نهوض. المنافي صومعات إبداع وعشق سامي البوح جليل الأثر. كل زاوية هناك هي انعكاسات هنا تنمو معنا وتلازمنا. الأماكن إعراجات نحو أفلاك الوطن الماثل أبداً في وجداننا نزيفاً وحنين.

التعرض للفقد يُذْكي الشجون ويولد تيارات الهبوب المحملة بنغم البكائيات المسفوحة شعراً وقصائد، نعم.. للفقدِ والضغطِ دور في تحويل ذات الشاعر المتفحم إلى ذات ماسيْ.

وعي مدروس

{ هناك صراعات في النفس على المستوى الاجتماعي والسياسي في أي خانة تضع هذا الوعي المدروس من خلال الواقع كمستوى تخصصي هل أنت تريده أن يكون إجتماعيا إنسانيا وإما أن يكون إجتماعياً سياسياً أيهما تختار؟

– الذات المنصهرة هي نتاج معادلة أُدْخِلَتْ فيها العناصر، بمعنى.. تكاملية المذهب هي شاملة الجوانب، والجزئية تقود إلى الكلية. قلق الشاعر هو إحتوائية المشهد الذي دخل إليه من جزئية فيه.

هنا تأتي مسألة مهمة وهي استقلالية التوجه إذ أن الأديب هو فوق الميول والتخندق، وعليه أن يقف دوماً مع من يكتب لهم ويشعر بالفخر على أن يقرأ لأبسط الناس من أن يعتلي منصة فخمة في مهرجان فخم نُظِّمَ لتقديس سلطانٍ تافه، وبالمناسبة لا أدعى لهكذا مهرجانات لسخفها املي بالشاعر أن لا ينسى من أين جاء ولمن جاء. المحتمون تحت السقوف المميتة على امتداد بلاد العرب أكون معهم. اللّاجئون.. الذين تركوا بيوتهم المنهارة أكون معهم. الطفل الذي يبكي ألعابه تحت الأنقاض…كيف لا ألعن أباطرة الدم والدمار. غزة المأساة والإبادة المنظمة لأهلها، تراب فلسطين العصي على التهويد. كل هذه ثوابت راسية في الوجدان. معاناتنا.. فاقتنا.. لفّة الفلافل وصحن الفول اليومي وأرغفة الخبز المعدودة، الزيت والزعتر وبساطة اللّمة، كاسات الشاي المنعنع فردوس إبداعٍ وأغانٍ وانتماء للتراب وتمرغٍ دون رياء. أنا إنساني العمق وأصرخ بوجه المهزلة اللامسؤولة على كل الأصعدة.

حكايا القادم

{   ملامح نصوصك تعطينا نبوءة غارقة في الإعجاز، ويتلبسها أحيانا بعض الأُحجيات، وهذا ليس من المُعيب ولكن ذلك يستدعيني أن أسال، هناك فلك إعجازي يسبح بتأويل نصك الذي تكتبه مامدى صلته بوعي الحضارة وهل سيكون هذا النص من حكايا القادم ؟

– النص الحي حضارة، يسبح عابراً إلى عوالم الآتي ولن يتوقف بل سيكون متقدماً على تلك العوالم مادامت مآسينا باقية، وإذا صح التعبير يسمونه إعجازاً وأنا برأيي إن لم تتعاف أنظمتنا من شَرَهِ فقضمنا سيستمر النص سوف يؤنب ناقداً ساخراً وكافراً بالواقع ودائم الحضور، إضف ألى أنه سيكون تراثاً جميلاً من سِفْرِ التصدي للديكتاتوريات الماضية وهذا بحد ذاته إنتصار يحققه النص، فالنص الحي منتصر أبداً. خذ مثلا قصيدة المهزلة إنها نص حيْ، بعد أجيال سَتُقْرأ وكأنها تحاكي واقعهم آنذاك.

( المهزلة

كلُّ الأمورِ مَهْزَلة

في مَسرحٍ ..

عروضُه مُتقنةٌ مُكتَمِله

قادتُنا .. أعداؤُنا

أخُوَّةٌ ..

خلفَ السِتارة المُسْدَله

سِياسةٌ وسَاسَةٌ ..

من عُهْرِها وعُهْرِهم

تَطحنُ في غِمارها

شعوبنا المغفله

وتدّعي بأنها بإسمنا مُخَوَّله

وتدّعي بأنها قَداسةٌ مُنَزَّله

ومَرْجِعٌ أفتى بأنْ،

في طاعةٍ تَقَولَبوا

وأوصِدوا عقولكُم

ولْتَجْعَلوها مُقْفَلَه

شرعيةٌ تُعطي لهم

أن يَملِكوا أعناقنا

ويُهلِكونَ حَرثَنا ونَسْلَنا

شرعيةٌ تُحَرّضُ على القتيلِ القَتَلَه

أجيالُنَا مُذْ وُجِدَت

مَرهونةٌ للسَّفَلَه

مملوكةٌ لِقلّةٍ تناوبت

أسَامياً مُبَجَّله

لواعِظٍ يُشَرْعِنُ ..

وحاكمٍ في قَتْلِنا يُسَلْطِنُ ..

كِلاهُما

يُبَوِّبانِ المسأله

أسلافُنا

تاريخُهُم خناجِرٌ وَمِقْصَله

حاضِرُنا

كلابُ عَصْرٍ تافهٍ ..

لِلَحْمِنا وعَظمِنا

مَسعورةٌ مُهروله

والقادمُ المستقبلُ ..

خارِطةٌ لِهوّةٍ ..

تُفضي إلى أجِنْدَةٍ مُمَوّله)

إذن الذات المنصهرة في مذهبها الشعري الخالص والسامي التوجة هي انبعاثات أحجيات وإعجازات معانٍ وأشارات وحكايا نصوص حية.

{ أنت شاعر عراقي، تؤمن أن الشاعر العراقي يمكن أن يخرج من حصار السؤال السياسي؟

– العراقي بشكل عام يُسأل اليوم عن الوضع في العراق. مايجري في بلاد النهرين يراه العالم ويألم له. قال لي أحدهم، ماهي حكايتك مع السياسة؟ قلت له شخصيا ليست لي حكاية مع السياسة بقدر ماللسياسة والساسة حكايا مع شعوبهم. قضيتي أنني أكتب لوناً مباشراً يُحَمّلُ التساؤلات الصارخة التي لالين في طرحها، إذ أن اللين والأيغال في كسر الحدة هو نكوص وتراجعية لامحمودة في التصدي للأصنام المخضرمة التي تخشى معاول الشعر والزنود. كل شاعر طُبِخَ في أتون المعترك يُسأل، وشعراء العراق لهم باع في خوض الشعر السياسي كالحبوبي وأحمد الصافي النجفي والجواهري والزهاوي والرصافي ومظفر النواب وأحمد مطر كل هؤلاء طُبعوا في ذاكرة القارىء فلا عجب أن يُسأل أي شاعر عراقي اليوم السؤال السياسي

لأنه وبالفطرة شاعر مجابه بقناعة السائل.

{ دجلة والفرات بماذا يتحدثان هذا المساء؟

– يتحدثان بأشياء كثيرة. بعض ماسمعته هو دجلة والفرات: هل عاد المغول، صرنا غريبين… يطلبون جوازاتنا وعدد أسماكنا، حيرتهم الأسماء على أي هوية سيقتلوننا. يومئون بأكياس القيح والأشلاء المتبلة بالدم … نتجاوزهم، يحبسوننا هنا وهناك يجندوننا في حربهم، نمضي لانلتفت… نحو أكف الصبية التي تدغدغ ضفافنا، نحو المدن والوجوه التي ألفناها. لانطيق وجوهاً تكره النمير.

سنبقى نجري على هذا التراب.. إننا ثلاثية وطن.

{ الى أي مدى يجد شاعرنا واقعية الإبداع الأدبي في حاضرة وطنننا العربي وهل تجد أننا الآن نسير بهفوات

– الأدب العربي كون شامل فيه مجرات الحقب المتوالية، وهي جماليات متناثرة السحر ومتماسكة بكثافات هنا وشفافيات هناك تشترك في تكوين اللوحة المذهلة الكبرى. الأدب واقع حاضر في وطننا العربي. شلال الروعة المنسكب والمنساب في الحديقة. منذ الخليقة وأدبنا المدون سمفونياتٌ مُعَلّقاتٌ على جدران الأرواح قبل الحيطان. لم تبق فكرة إلّأ وغنى لها، لقد كان مطلقاً متجاوزاً الزمانيات والمكانيات فاتحاً الشرفات على الورائيات والميتازوفيقيا. أدبٌ روحي السمات، حيٌ متجددٌ يجسدُ الألحان للأجيال ويعانقها في مثاويها ليسموا مع أرواحها في السرمدية، كان يمنحها الطمأنينة، إنه دين الجمال.

أدبنا حي وحيوي، الأدب المغاربي له شكله اللّاثابت فهو متغير مواكب لاجمودي. وفي مصر التي أغنت الأدب العربي بخصوصياتها والسودان والشام والعراق والخليج واليمن الحال كذلك كل بلد له طابعه الأدبي الذي هو جمال وإبداع ، أمتنا حيه لأن لها أدب حي، لاهفوات بالمعنى المجرد في مسيرتنا، الهفوة جمالية وبداية انشطار وآقاح وتفتق. قامت القيامة على صعلوك النثر (حسين مردان) قيل أنه يقف على حافة الشعر ولا يمت إليه بصلة، والأصح أنّه كان يقف على حافة الفجر والشروق، بلالاً يؤذن لصلاة الندى وولادة قصيدة النثر. إذا أردت تشعل ناراً في الإسكيمو، فمن قبس الهفوة.

{ هل أنت صاحب خطيئة ونقصد بهذا أن الشعراء يتبعهم الغاوون وما نكتبه أحيانا نرسمه خطايا لارواحنا ماذا تمثل الخطيئة عند الشاعر فارس مطر ؟

= النبل والمعنى النبيل، بدايتي التي شدتني إلى رحابها وذوبت شفافيتي في ألوانها المطلقة. التلاشي بعد صوفي في الفناء بالمذهب، إن تحقق هذا الأمر فقصائدك هي التي تكتبك وهي من تَسَّاقَطُ عليك رَطَباً وإبداعاً له مدٌّ روحي يستشعره من يقرؤك أيّاً كان مستواه الإدركي. إذن، هذه هي الخطيئة في مرآة قياس البعض؟ وكيف لا أرتكب البلسم للجراحات المنكوئة، ورشة رذاذ في ظهيرة قيض، أو سَبَّابَةٍ في عينيْ صنم، أو صدرٍ أعزلٍ أمام جبروت. كيف لا أحمل الزهور بوجه الحريق، ولا أضمر البذور تحت جلدي، لتشربني نمواً وتعلوا إذا سقطت بحضن أمي الأرض لأُبعث من جديد. الخطيئة عندي عطاء أبذله لأستمر.

(إفتتاحية

ومن منفى إلى منفى

يقودوني وينفوني

أنا رأس أجوب الأرض مقطوعاً

على رمح لِقُتَّالي

حروفي تقطر اللوعه

لينموا غرس أوصالي

ربيعي مورق دوماً

أنا بذرٌ…

ترابي ليس يمحوني

فهاكم حُبَّيَ المبذول

خذوا نخلي وزيتوني

خذوني في أياديكم

كما الأعناب واجنوني )                   المشهد السياسي العراقي دوما يحتاج الى وعي كبير لتفكيك حلقاته ومن هذا يكون انعكاسه على المشهد الادبي العراقي فدعنا نسال شاعرنا، الأدب العراقي الآن وبكل

{ مراحل التجربة التي عاشها سابقاً كيف هو المشهد الثقافي في العراق الجديد ؟

= العراق قطب الضاد ومهد الحروف ومنتجع الأدب منه خرج المتنبي

ذلك الحدث الأكبر في تاريخ الأدب العربي،

لم تفق الأجيال من نشوة عذوبة المتنبي بعد تسعمائة وثمانٍ وأربعين سنةٍ إلّا وولد متنبيٍ جديد ومن العراق أيضاً إستحق أن يكون

وبجدارة شاعر العرب الأكبر، إنه محمد مهدي الجواهري، عاش الجواهري قرناً إلّا سنتين (1899م ــ 1997م)، كتب الشعر لأكثر من ثمانين سنة فأي تجربة وأي زمن كتب فيه إنه زمن التحولات والأنقلاب والتكوين، عاصر الحربين العالميتين وعاش مع أربعة أجيال بكامل أطيافها وثقافاتها وإبداعاتها، شهد ولادة الشعر الحر وشعر النثر والحداثة فكان جدّاً مزهواً بأحفاده متكئاً على شعره العمودي وزمنه الجميل. قال لي (الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم) مرة هنا في عمّان (يافارس، الجواهري كان شاعراً ليس كلاسيكياً فقط بكل كان ولازال حديثاً مواكباً راقي الفكرة يفيض أدباً وبلاغة)

تحلق حمائم الدهشة فوق هذه البلاد الرافدينية، أبهر الفراهيدي البصري العالم ولليوم عندما وضع علم العروض ذلك الموسيقي الفقير الأشعث الذي درّس سيبويه والأصمعي والكسائي وغيرهم من أصحاب الشأن العظيم في اللغة. لم يزل النساجين   يبدعون في حدائق الفراهيدي حتى انبلج فجر لأفق جديد ورحيب هو الشعر الحر، بدر شاكر السيّاب البصري المجدد مع روادٍ شاركوه الوقفة، نازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري وآخرين التفوا حولهم.

أشرق الأدب إشراقة مذهلة بشمس جديدة دافئة تمد خيوطها لقصائد التفعيلة الحرة ولأبداعات وجدت حقلها الخصب. لم يمض عقد حتى هتف (حسين مردان) المتصعلك في أزقة بغداد والمتوسد حذاءه تحت جسورها ليشعل (صور مرعبة 1951) و (عزيزتي فلانة (1952 و (الربيع والجوع1953 ) وإصدارت أخرى من النثر المركز في جو التفعيلة الوليد ، ذلك الأنقلابي الذي نثر بيدر الورد معلنا معالم قصيدة النثر، تلك المجرة المتناثرة الألق بعفوية أخّاذةٍ ليومنا هذا. الشعر حي في العراق ينساب كنهريه، والمشهد الثقافي العراقي وبشكل عام منذ المتنبي هو حافل وزاخر وثري المكنون لأنه حي متطور متبلور وديمومي مُواكِبْ، وربما السبب الأكبر في ذلك هو هذا التباين بين العمود والتفعيلة والنثر. وإذا كانت السياسة ضغطت في مراحل وأزمنة ما على خطه التصاعدي بأجندات مفروضة فإن ذلك لايثلم مساره الصقيل، على العكس بل يوضح العوالق الطفيلة وتساميه عن التأثر بها.

{ هل تؤمن أننا نعيش الان بفنتازيا وغرائبية عبر حياتنا ويمكن أن تكون تلك الحالة معكوسة على ما نكتب من شعر؟

= لولا الخيال لما كانت هناك حياة. الحياة تفاعل ماديات ومعنويات، محسوسات وتجليات. والآصرة البينية لهذا الإنبلاج هي الخيال، الذي يضفي رونقاً على متاعبنا. إنه وشاح الخلاص التركوازي الذي يربطنا بالزرقتين. جيناتنا مشفرة على أن نحيا بجمال في ملكوت الحس وبوارق الإشارات التي تتدلى عناقيد خيال يعطي وجودنا فرحاً ونشوة. (كقصيدة نثر حالمة محلقة، بالكاد تلامس الأرض) والكلام هنا للشاعر الخطير (موسى حوامدة) في ليلة كنت بحضرته أمام جريدة الدستور الأردنية.

الحياة بلا خيال قيد محكم، وكل حي يُئوِّل للآتي عوالما يسعى ويخطط لها في حياته، مؤمناً بأنه سيستمر هناك، إنه يقين الواثق الذي عاش جدارة الحالمين.

(فانتازيتنا وغرائبياتنا) هي لَبِنَاتٌ جميلاتٌ من أدبنا الثر، إنها ثيمة إبداعية في مجالها لايمكن فصلها والنظر إليها على أنها غرابة، بل هي من صميم فسيفسائية الأدب. ماكُتِبَ في الفانتازيا هو نتاج جميل وعميق. أدبنا عفوي فطري يكتبنا كما نحن في حيواتنا. الصورة أن نبدوا كما نحن بلا تصنع. إنعكاس الحالات على أدبنا ومعالجاتنا إياها هو جماليات توثق ارتدادات جنس أدبي لصيق بالوجدان.

   { كلمة أخيرة وما هي الأمنية التي تتمناها.

– الإهتمام بالأدب والثقاقة وتتبع هذا النتاج الذي يوثق للإنسانية هو شىء بالغ الأثر. والجدراة والحرص على حمل هذا التراث الهائل للبشرية هو رسالة يقوم بها المبدعون أمثالك بكفاءة، شرفني أن سمحت لي بغرس فسيلة نخل وشتلة آسٍ في حديقة هذا الحوار الجميل وأشكر لك متابعة أصاحب القلم.. وأتمنى لبلادي العربية كلها الخير والرخاء.. عيوني لبلدك فلسطين التي هي هوية الوطن العربي الكبير، شكري وتقديري.