ثورة 14 تموز تحوّل المجتمع من رعايا إلى مواطنين
معتصم السنوي
عبد الكريم قاسم (1914-1963) عسكري ورجل دولة عراقي، ولد في بغداد، التحق بالأكاديمية العسكرية 1932-34 وبكلية الأركان (1940-41) وبمدرسة كبار الضباط في إنكلترا (1950) شارك في حرب فلسطين عام1948، وتدرج في سلك الجندية حتى أصبح آمر لواء المشاة التاسع عشر التابع للفرقة الثالثة، وقد انتخب عام1957 رئيس اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار (الموسوعة السياسية الجزء الثالث، ص842). وحكاية ثورة 14 تموز 1958 أخذت مسارها الثوري والتعبوي شعبياً وعسكرياً، بعد أن تمادى النظام الملكي الذي كان يقوده قولاً وفعلاً رئيس وزراءه نوري سعيد المرتبط مباشرة بالدول الغربية وخاصة (بريطانيا) والوصي عبد الإله الذي كان يحكم من خلف الكواليس رغم وجود ملك متوج (فيصل الثاني).. بعد إكماله السن القانوني ولكنه بقيّ ظلاً لخاله (الوصي)..!
وقد أدى التنكيل بالوطنيين والإمعان في الخضوع للاستعمار والتآمر على قضايا الشعب الأساسية ومقوماته الحضارية الذي بلغ قمته في إقامة حلف بغداد في 1955 ثم الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن في 1958، أدى كل ذلك إلى زيادة الألتحام والتكاتف بين مختلف الأحزاب والحركات الوطنية والقومية التي ائتلفت في (جبهة الاتحاد الديمقراطي) وكان الغرض من تلك الثورة تغيير وجه العراق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإعادته إلى المكانة الحضارية التي يستحقها، ورغم ان عمر تلك الثورة كان قصيراً جداً، فقد أفصحت عن وجهها التقدمي، إذ أكدت على أهمية السير قدماً في طريق (التحويل الاشتراكي للمجتمع) على أساس ديمقراطي، وبمشاركة الجماهير الشعبية، واعتبرت العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين من عسكريين ومدنيين والبرجوازية الصغيرة هي القوة التي تصنع بتحالفها الثورة الاشتراكية في مرحلتها الأولى، كما أكدت على أهمية الإدارة الديمقراطية العمالية لوسائل الإنتاج، واعتبرت الثورة الزراعية خطوة لابد منها لنمو اقتصاد سريع، وأن اشتراك الفلاحين فيها هو الشرط الأساس لنجاحها، كما أكدت على أهمية حرية المنظمات الشعبية العمالية والفلاحية والمهنية والنسوية، واستقلالها عن (بيروقراطية السلطة) ضرورة تمليها مصلحة تلك الفئات والطبقات ، يضاف لها أنها حققت عدة إنجازات في ميدان الإصلاح الزراعي والتصنيع والتخطيط، وشرعت القوانين التقدمية، وفي الميدان (الدستوري) صدر في 4 نيسان قانون يعتبر وثيقة دستورية أوضحت موادها طبيعية النظام السياسي الجديد واختصاصات مجلس قيادة الثورة الذي أقر الحقوق القومية للشعب الكردي.. لقد أنصب اهتمام ثورة 14 تموز ومنذ البدء على تأسيس مجتمع عراقي متماسك والعمل على بناء مشروع حقيقي لدولة حديثة، بعد أن كان المجتمع العراقي وحسب المؤرخ (حنا بطاطو) لم يكن العراقيين شعباً واحداً أو جماعة سياسية واحدة، لهذا كان الشغل الشاغل والهدف الرئيس لثورة 14 تموز (الإنسان العراقي) وتنمية الوعي الاجتماعي وتحقيق الرفاهية الاقتصادية وتوسيع قاعدة الحريات المدنية وصناعة الإنسان من جديد وتحويل المجتمع من (رعايا إلى مواطنين) حقيقيين شركاء ومساهمين في العمل السياسي والاجتماعي. لقد كتب الكثير من الكتّاب وكنت أحدهم، وصدرت مؤلفات عديدة الكثير منها أنصفت الثورة وقائدها الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم. لهذا نجدها في كل عام تولد من جديد لتعيد إلى نفوس الجماهير وفي هذا الزمن الصعب الإصرار والتحدي لإعادة المسيرة التي بدأتها مسيرة الثورة وما حققته من إنجازات وخلال فترة زمنية قياسية ما عجزت عنها حكومات دام حكمها القسري سنوات عجاف طويلة، أن ما حدث يوم 14 تموز1958 كان (ثورة) وليس (أنقلاباً) كما حدث قبلها وبعدها من انقلابات (مشبوهة) مرتبطة بدول أجنبية !! وذلك بشهادة أكاديميين عالميين مثل المستشرق الفرنسي (ماكسيم رودنسون) الذي قال أنها الثورة العراقية الوحيدة في الدول العربية، والمؤرخ (حنا بطاطو) الذي قال: أن ما تحقق في يوم 14 تموز وما تلاه من إنجازات أعطت الحدث صفة (الثورة) بكل استحقاق ويقول بهذا الخصوص الفيلسوف الأمريكي Peter F. Druncker في كتابه الموسوم (عصر القطيعة مع الماضي)، أن الثورة لا تقع ولا تصاغ ولكنها (تحدث) عندما تطرأ تغييرات جذرية في الأسس الاجتماعية تستدعي إحداث تغييرات في البنية الاجتماعية (الفوقية) تتماشى مع (التغييرات) التي حدثت في أسس البنية المجتمعية!! ودعوة مخلصة، للذين حكموا وسيحكمون من الرئاسات الثلاثة أو الذين يقفون خلف (الكواليس) أو على (التل) من صيادو الفرص (الذهبية) ونقول لهم بكل صراحة ووضوح وبدون رتوش أو أقنعة لوجوه تتلون كالحرباء وعلى مدار مواسم الفصول والسياسية والمصالح الآنية، أن ما يحتاجه العراق اليوم وينتظره بصبر فارغ ليس حكومة (لإطفاء الحرائق) والمسكنات والحلول الترقيعية للمشكلات العويصة المتراكمة، إنما هو بحاجة إلى حكومة قادرة على إنجازات المهمات الوطنية الكبيرة، المهمات الأساسية، الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والخدمية وغيرها، أن يتأملوا درس 14 تموز البليغ الذي مفاده أن البرنامج الكفيل برسم الطريق الآمن نحو حل المشكلات المستعصية، هو البرنامج يجمع المهمات الوطنية والديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية والخدمية ونجدها في بوتقة واحدة، وهو البرنامج الذي يصنع مصلحة العراقيين والعراق في المقام الأول من اهتمام الحكم وراسمي سياسته، وبخلاف ذلك فالسقف الذي سيسقط على الرؤوس لا ينجو منه أحد وحتى لو كان بحماية (الجني الأزرق) أو الشيطان الأكبر الذي يلعب في النفوس غير المؤمنة بوطنيتها وبعدالة قضيتها واهتزاز إيمانها، لتكـــــــــــــون أداة لتنـــفيذ إرادته وأطماعه غير المشروعة..!
وصفوة القول: كانت، وما زالت، وستظل ثورة الرابع عشر من تموز أعظم وأروع حدث في تاريخ العراق الحديث، حفلت الثورة بقيادة وطنية مشهود بنزاهتها، وعلى رأسها رجل، يعطي الكثير ويأخذ ما يديم حياته فقط، بل وحتى قطعتي الأرض التي ورثها من والده تبرع بها لبناء مدرستين، وهذا ما جعل الناس يصنعونه في (القمر) الأمر الذي يجبر على الاعتبارية في ظروف البلاد الذي يفتقر إلى القيادة المخلصة، والرئيس الوفي والذي يحظى بحب الشعب ويعيد للوطن كرامته المسلوبة!! ما يجعلني أشعر بالسعادة والراحة النفسية وأنا استذكر ثورة 14 تموز وقائدها مؤسس جمهورية العراق إنني كنت من المحظوظين الذين كان لهم شرف لقاؤه في مكان وزمان مازال محفوراً في الذاكرة.






















