إنفتاح البدايات

تلك الكتب إنفتاح البدايات بين البدايات الادبية والثقافية الاولى وبين عصرنا الراهن مسافة مليئة بالاسماء والمتغيرات والابداعات ومسافة طويلة من الحقب والمراحل والمحطات، وهناك في هذه المسافة علامات من التيارات والاتجاهات الادبية والثقافية، وعلامات تتمثل في ابداعات معينة، وبالرغم من كل ذلك فان الذي حدث في هذه المسافات لا يمكن جعله ذريعة للانسحاب عن البدايات الاولى والاستغناء عنها، بل يمكن القول : ان الرجوع الى البدايات الاولى يزداد قوة وعمقا كلما حقق الادب الراهن لاي شعب من الشعوب تطورات معينة، وحقق تفوقا بالمقارنة مع الاداب والثقافات الاخرى، وهناك شعوب استقرت في مناطق معينة كانت بعيدة وغريبة، ولكي تعزز من علاقتها بهذه المناطق وتؤكد حضورها التاريخي فيها فانها تجعل من الادب المتوارث من شعوب اخرى، سابقة عليها ادبا لها، وتتعامل معه على انه مرحلة في تاريخها، بل انه المرحلة الاولى والاساسية في هذا التاريخ، والمرتكز الاساس لمراحلها الثقافية والادبية اللاحقة. ويزداد الطلب على ما هو تاريخي ومتوارث عند الشعوب التي تحاول التاكيد على وجود حقوق وامتدادات لها في المناطق التي هاجرت اليها، واستقرت فيها، او في بعض اجزائها، وقد تكون هذه الحقوق والامتدادات ملفقة ووهمية ومصطنعة كما هو حال ادعاءات الحقوق والامتدادات الصهيونية في فلسطين قبل اغتصابها واحتلالها من العصابات الصهوينة. والبدايات الاولى ليست بالضرورة على زمان معين ومكان معين، بل يمكن ان تكون نتاجا انسانيا، فلقد كانت الفلسفة اليونانية وماتزال تراثا انسانيا يخص معظم الشعوب والامم، وكانت وماتزال تشكل الجذور الاولى والبدايات الاولى لاي فلسفة، ولاي شعب من الشعوب او امة من الامم، وكان الشعور بالنقص والجزئية ويراود اية فلسفة تطرح نفسها بمعزل عن الفلسفة اليونانية التي تعد الجذر الاول لكل الفلسفات. ومع ان الثقافة العربية غير معزولة عن الثقافة الانسانية الا انها تملك من البدايات الاولى، والكتب الاولى ما يجعلها مرجعا اساسيا، ويؤهلها لان تتواصل مع الادب العربي في جميع مراحله اللاحقة وان تكون حاضرة في هذه المراحل بحيويتها، وما انتجت من اعمال ادبية وثقافية. ان الكتب العربية الاولى لم تكن نتاجا مرحليا عابرا ولم تكن صورة من صور الطفولة الانسانية، وانما هي تمثل الاسس والمعايير والنماذج الاولى والاساسية للثقافة العربية، وتمثل غنى وسعة الابداع العربي، وتمثل ايضا حيوية هذا الابداع وانفتاحه على الجديد والمتميز في ادب المراحل اللاحقة. ولاهمية هذا الادب وصعوبة الانسحاب منه، والابتعاد عنه فانه يلاحق الذين يحاولون قطع علاقتهم به، بحيث تجد من يتعامل مع محاولات قطع العلاقة على انها نقص في الثقافة، وانها تمرد على السياق العام للثقافة العربية، وعلى انها محاولة لبناء مشروع ثقافي خارج الثقافة العربية. ان من السلبيات التي تجعل العلاقة مع الكتب العربية الاولى غير متوازنة، وغير دافعة للابداع، ان البعض يحاول جعلها دافعا للتقليد الى الحد الذي يندفع فيه الى حفظ النصوص وترديدها بمتاسبة وغير مناسبة، ومحاولة استنساخها في نصوص مقلدة لها، وهناك من يحاول نسخها، ونسف العلاقة معها، وقطع الجسور التي تجعلها متواصلة مع الحاضر الثقافي والادبي. والحقيقة ان الثقافة العربية في بداياتها الاولى كانت متنوعة وشديدة التنوع، وكانت منفتحة على غيرها من الثقافات بل انها حفظت الثقافات الاخرى من الضياع، وقد انتجت الكثير من اوجه التنوع والاختلاف ولذلك فاننا يمكن ان ننطلق منها الى ما هو متنوع ومختلف، وان نجعل من تعاملها مع الثقافات الاخرى تعاملا لنا في الموقف من الثقافات الراهنة، والحقيقة ان الانفتاح بكل سعته ورحابته هو موقف ثقافتنا في بداياتها الاولى، وان التعصب والطائفية وضيق الافق والانغلاق هي ممارسات سياسية في المقام الاول وليست ثقافية، واننا في حاجة ماسة لان نراجع العلاقة بين السياسي والثقافي ولان نقدم الثقافي ونعيد قراءة تراثنا على ضوئه بشكل يعزز من الانفتاح على الثقافات الاخرى. وينبغي ان نشير الى اننا نحاول ان ننزع من الثقافة العربية انفتاحها الواسع ونحشرها في زاوية ضيقة، وهذا احد الاسباب الرئيسة لتخلفنا وصراعاتنا، وان المطلوب ان نرجع الى جوهر هذه الثقافة وانفتاحها الواسع، واستيعابها لكل الاختلافات. رزاق إبراهيم حسن