العنف موروث أم كامن أم مكتسب؟

قراءة في السلوك البشري

 

العنف موروث أم كامن أم مكتسب؟

 

 

 أسراء الجزائري

 

 غالبآ ما تتعارض افكارنا، مبادؤنا، انتماءاتنا، وعاداتنا، مع الاخر المختلف وكذلك احكامنا على الامور وردود افعالنا تختلف بختلاف سعة ومرونة مداركنا، وتقبلها للاختلاف، لاننا مختلفون ولان سياسة الوجود تقوم على الاختلاف والتباين، فاننا من الطبيعي ان نجد اشخاص يختلفون عنا، لايؤمنون بمعتقداتنا ولايمتثلون بعاداتنا، الا ان الهوة لاتكمن هنا بل تكمن بردة الفعل عندما نجد شخصاً يختلف عنا، فالاختلاف لايعني التصادم او الاحتدام، او سبب للاقصاء والنفي، لانه فلسفة من فلسفة الكون واساس من اسس التعايش.

 

لذا ان الانماط السلوكية البشرية لاتكون مبررة غالبآ عندما ماتتخذ من الاختلاف صفة عدائية تجابهه بالعنف والمواجهة، وذخيرة تتجه لها عند ضمور سائر اسلحتها، بتوظيف اليات الدمار واتخاذ من الذكاء الانساني وسيلة لتغلب على الخصم ودحره، فالعنف هو الاستخدام الغير عادل للقوة من قبل الافراد، وهو كل فعل او لفظ يحمل بطياته قسوة مفرطة والايذاء متعمد تجاه الاخر، ربما يخيل للبعض ان العنف والعدوانية والقدرة على القضاء على الاخر نوع من انواع الفطنة وشكل من اشكال تطور وتقدم لجنس البشري، حيث يعتقد احد الفلاسفة ان اصعب الجرائم يرتكبها اشخاص غاية في الذكاء والابداع لانهم يمتلكون قدرة على خلق نوع من المبررات والدوافع لافعالهم، وبطرق مختزلة للوصول لغاياتهم، ولهذا فان الحمقى والاغبياء لايرتكبون الا الجرائم التي تتناسب مع حجم افكارهم ونموهم العقلي، وهذا ما توصل له احد المفكرين (ويلز) ودفعه في اخر مراحل حياته للميل للنهلستية (العدمية)، ، حيث كان يؤمن بشدة ان الجنس البشري يمكن هدايته بالاقناع والذكاء، لان البشر لايقدمون على افعال الا اذا امتلكوا لها دوافع كافية تدفعهم للاقدام على هكذا سلوكيات شائنة وبالبحث عن هذه الدوافع ومكنوناتها يمكن ردعهم او هدايتهم. فالعنف المتمثل بالاجرام موجود على مر العصور البشرية ولاسباب قد تتشابه وتتباين لحدما، الا انه لايخلو بكل الاحوال منها، فالعنف جانب من جوانب الفطرية عند الكائنات الحية، حيث تعتبر فلسفة العنف احدى الوسائل الدفاعية لدى الحيوانات بل اغلب الكائنات الحية، ، حيث لكل منها اساليبه ومسبباته، لذا اعتقد ان السبب الرئيس لعنف الجنس البشري يكمن بعودته لطبيعته البدائية الاولى عن طريق انغماس بذاته الفطرية للبحث عن بقايا الارث الحيواني الكامن فيها، فكلما كان الكائن البشري منغمسآ بذاته كان اعتى عنفآ وظلمآ ووحشية يمكن ان تصلها الذات الانسانية من الموروث الحيواني. -يرى بعض المفكرين الذين اتجهوا بأرائهم نحو دافع اخر لجريمة ووالوحشية البشرية ان الاجرام قد يتكون نتيجة لدوافع اخرى، ، حيث يعتقد فرويد ان المجرم هو شخص تغلبت ميوله الطفولية على عقله وادراكه لذا سعى للاختزال والاختصار للوصول لمقصده ومبتغاه من دون تقدير محكم لعواقب الامور، حيث ذكر في احدى اعماله ان الطفل يمكن ان يدمر العالم لو اتيحت له فرصة لذلك، ربما اعتقاد فرويد صحيح لولا ذلك لما اتجهه اغلب الزعماء لتجنيد الاطفال ولتعبئة عقولهم ليس فقط لسهولة استيلابها ولكن لاحتواء مكنون انفسهم الطرية للاستسهال الامور والوصول للمبتغى والنتائج باقصر الطرق واسرعها بغض النظر عن الطريق الذي يسلكوه، فيمكن ان يبقى الشخص حتى بعد البلوغ يعيش بدوافع طفولية تتجهه به لانتزاع كل ما يرغب ولو لم يكن له الحق بذلك، فأعتى الطغاة بحقيقتهم هم اشخاص انغمسوا في كيانهم الذاتي دوان اعتبار لاي احد من حولهم، حتى بلغوا الذروة وكانوا محل دراسة وتحليل من قبل العلماء والمفكرين، حيث كيف يمكن لبني البشر التعدي على حدود ذواتهم والاستسلام لمكنون رغباتهم بهواجسها الغريزية المتمثلة بجموح رغبتهم بتسلط او التملك او الاستعباد، حتى تصور احد الفلاسفة منذ قرن من الزمن ان البشر اذا بقوا يتصرفون بهذه الوحشية والقسوة والعنف المفرط مع بعضهم البعض فانهم حتما سيسيرون لامحالة لابادت ذواته جذريا ولن يبقى لهم اثر يذكر على وجهه الارض، وان الوحشـــــــية النازية هي دفعت به لهذا الاعتقاد كونها اهم منعطف تاريخي تعدى حدود التصور لما وصــلت له من بشاعة.

 

اعتقد ان هذا الفيلسوف لو عاصر وقتنا الحالي مؤكد لاعلن تغيير اراءه وافكاره ولربما ايد النازين كذلك من يدري؟؟؟؟لاننا في وقتنا الحالي نواجهه اعداء للبشرية من طراز يفوق حد الخيال ويخرق جميع الموازين فكل ما ذكر سابقا لم يكن الا شكل طبيعي لجريمة الفطرية المنظمة وفق القوانين الطبيعية بل حتى الوضعية، ف الجاني طرف واضح والمجني عليه الطرف المقابل يكون بحكم قانون الجريمة الجاني مجبول بفطرته المشوهه على السير باتجاه رغباته فاقد السيطرة على ذاته مستسلما لها للوصول بشتى الطرق لمبتغاه، اما في وقتنا الحالي فالموازين ليست مختلة فحسب ولكنها مبهمة كليآ ويكتنفها الغموض بسائر الاحوال دون الركون لنتيجة حتمية قطعية يمكن الاستناد عليها بشكل يقيني، فنحن نواجهه بوقتنا الحالي مجرم متخفي اهدافه غير معلنة، وعدوه ليس واضحآ؟من يحارب ولمصلحة من؟؟لااحد يعلم ولكن كل مايمكن ذكره او التوصل اليه انها ابلغ واعلى مستويات الاجرام البشري التي وصلت اليها الذات البشرية وذلك بقتل الجاني نفسه قبل المجني عليه وقبل حتى محاسبته او السؤال عن دوافعه او حتى بلوغه لغايته من القتل، لاشيء يتحقق مما ذكر فمسالة تفخيخ النفس هي اعلى مراحل تطور الجريمة وابشعها على الاطلاق لكونها تحدث دون علم بغدر ومن دون مواجهة اوالمسببات يقيينة واضحة، ولكنها مع ذلك لاتخلو من كونها موروث حيواني، فما اثار دهشتي حقا ان هناك مجاميع من الكائنات الحية تقوم بعمليات اجرامية مماثلة لمجرمي البشر، وبالطريقة ذاتها لعل البشر الذي اكرمه الله بخلافة الارض ومنُة عليه بنعمة العقل بات الان يتبع الحيوانات وبقية الكائنات بأساليبها الدفاعية، غاض البصر عن كل ما يميزه عن سائر الكائنات الحية الاخرى من ملكية ذهنية ووعي وقدرة على تمييز والاهم من ، ، ، ، ، فيذكر ان احد الكائنات الحية يمتاز بقدرته على مداهمة مستعمرات اعدائه خلسة بعد افرازه مادة سامة من غدد واقعة بدماغ ثم يقوم بتفجير نفسه بدقة متناهية بعد علمها بانها محاطة بشكل شبه كامل بجيش العدو، ، ، ، ويعرف هذا النوع من الكائنات الحية ب(بنمل الماليزي)واتخاذ مثل هذه الاساليب في القتال بالغ الوضوح وشائع في الوقت الحالي، خصوصا ان اساليب الصراعات البشرية بدات تخرج من طور الطبيـــــــــــعي والمحدد لها خارقة كل معايير والمقاييس والاهم من ذلك الغموض الذي يكتنف تحديد هوية العدو والهدف من الاعتداء، كأن يقوم المجرم بتثبيت حبوب شبه مخدرة بين اسنانه تعمل على خروج مادة رغوية كثيفة من فمه توهم المقابل بأنه مات او اوشك على ذلك حتى يطمئن منه ثم يبدأ بالانقضاض عليه او اظهار اسلحته وهذه طريقة شائعة يستخدمها اغلب مجرمين حاليا، وهي ذات اساليب الدفاع المودعة فطريا بحيوان (الابوسوم)، ، ، ، ان صيغة العدوانية وسمة العنف امر وارد بسائر التجمعات البشرية، فالعنف والاجرام عبارة عن نظرة شمولية لمجموعة اختلالات وتناقضات كامنة بالهياكل الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية، التي ينتج عنها غياب التكامل الوطني داخل المجتمع وسعي بعض الاقليات للانفصال، او غياب العدالة الاجتماعية، والتي ينتج عنها بأي شكل من الاشكال صورة للاجرام البشري،  فالحيوانات تصبح شرسة كوسيلة لدفاع اوالنجاة، بينما البشر يتقلدون العنف غاية للمكاسب ووسيلة للقضاء او التلذذ، وعلى هذا الاساس يتم التعامل مع هذه المشاكل ووضع تدابير علاجية لحلها او وقائية لتفاديها، فتبدأ الفلسفة القضاء على العنف والاجرام من البحث في مكنون اهدافه ونوازعه، فالمصيبة العظمى تكمن ان كانت دائرة العنف الجرمي تدور بومضات مبهمة وتتمسك بهواجس مشوشة، متشظية وقابلة لتأويل لارتباطها بعالم من خيال!!!!!لتكون بـــــــــآخر المطاف دائرة اجرام من دون اهداف، ســـــــــوى الهدف الساطع القضاء على الجنس البشري، هي بحقيقتها حانة يباع بها الجنــون بزجاجات كما وصفهاجوناثان سويفت…….ويـــبقى العنف اخر وسيلة الغير مرجوة من وسائل المنافسة.