معرض للفن الفطري بالرباط
مئات المشاركين تصل أعمالهم وتبقى أسماؤهم مجهولة
فيصل عبد الحسن
المعرض الجديد للفنان مصطفى الحارثي الذي أُفتتح مؤخراً في رواق باب الكبير بمدينة الرباط كان تحت عنوان” في رحاب المجتمع المغربي”. وضم المعرض أكثر من خمسين لوحة من لوحات الفنان الجديدة نقلت لزائري المعرض أغلب المظاهر الفولكلورية، والتقاليد في المجتمع المغربي وأستطاع الفنان أن يضع لمساته السحرية في ألوانه الساخنة ليسبر أغوار معتقدات الناس وأحلامهم وتصوراتهم عن الموت والحياة الحب والجمال والنقاء الروحي.
رسومات الفنان عبرت عن الحس الجمعي للناس، فانتقلت فرشاته فوق القماش، والورق لتصوّر الأسواق ومواكب الأفراح في المناسبات الدينية، والأعراس ومواكب الأحتفال بميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، والختان، والبيعة للسلطان، والحناء، والحلقة ” وهي حلقة رواية القصص والحكايات من قبل حكائين وسط مجموعة من المتحلقين حولهم “
وختمة القرآن الكريم، ومواسم التبوريدة ” التي يتم فيها أستعراض الفروسية السنوية، التي يقدمها فرسان شباب فوق خيولهم، وهم يلعبون بالبنادق الطويلة المأسورات، والتي يطلقون من كل بندقية منها طلقة واحدة في السماء، فتمتلىء الأماكن بالدخان والغبار، ويرددون خلال ذلك الأشعار والصلوات على الرسول الكريم وآل بيته الطيبين الأطهار، والتبوريدة تعقد في موسم سنوي محدد في القصبات والبوادي المغربية وسفوح جبال الأطلس.
التذهيب والتنميق
لقد وجد الفنان الحارثي ضالته في هذه الكنوز التراثية الفولكلورية، فنهل من طفولته ومسقط رأسه في منطقة دكالة بأقليم الجديدة، التي تعتبر من المناطق الريفية في المغرب، وأهلها لا يزالون يمارسون تقاليدهم الشعبية القديمة إلى يومنا الحالي، ولم تؤثر فيهم مظاهر الحياة المدينية الجديدة كثيراً .
لقد بدأ الفنان الحارثي متأثراً بالمدرسة التصويرية الواقعية الوجودية في بواكير معارضه الفنية، لكنه سرعان ما عاد إلى مخزونه المعرفي الوطني، الذي ورثه من مناظر رآها في طفولته في دكالة وأقليم الجديدة.
فأخذ الفنان يعيد ترتيب أوليات تأثراته الفنية، وكان لديه أيضاً ما وجده من مخزونات فولكلورية في المكتبات وباعة الكتب القديمة.
فأدهشته صنعة التذهيب والتنميق، والرسومات على أغلفة الكتب، وحواشي الصفحات، التي أبدعها الكثيرون من الفنانين المجهولين، وتأثر بها أيضا فنانان مشهوران في أواخر القرن التاسع عشر وأعادا إنتاجها كراسم الجزائري والوزاني بالمغرب.
أن أرتباط الفنان مصطفى الحارثي بالفن الفطري كان كغيره من الفنانين الفطريين المغاربة كالشعيبية طلال، وقبلها الفنان بن علال والورديغي والغرباوي وفاطمة حسن وفاطمة الكبوري، قد جاء من التأثر بفناني المنمنمات والزخرفة، والتذهيب والتنميق.
إذ لا حدود فاصلة تفصل بين فن المنمنمات والفن الفطري المغربي، والمعروف ان منشأ فن المنمنمات والرسم الإيحائي يعود إلى فترة قديمة إلى زمن الفنان الواسطي المعروف. الذي ولد وعاش في مدينة واسط الواقعة بين مدينتي البصرة في الجنوب والكوفة في الشمال في العراق في القرن السابع الهجري، وأشتهر بنسخة من كتاب مقامات الحريري، التي رسم شخوصها ومناظرها، وكذلك ما تركه من منمنمات رائعة زينت العديد من القصائد الشعرية التي حولتها إلى لوحات في غاية الجمال.
ومن هنا أخذ الفنانون الفطريون في شمال أفريقيا كراسم الجزائري والوزاني وغيرهما، مما تناقله الفنانون الأتراك عن ذلك التراث الفني حين حلوّا في شمال أفريقيا أثناء التوسع العثماني في مصر وشمال أفريقيا.
لوحات ضد الحسد أن من الرسامين الفطريين الذين ماتوا أو لا يزالوان يمارسون عملهم الفني في الوسط الفني المغربي من الشيوخ والشباب كمحمد فتح الله عاشور ومولاي علي العلوي والحسن الكزولي، وأحمد بن إدريس اليعقوبي وغيرهم.
وتزدحم في لوحات هؤلاء الفنانين المجاميع البشرية المرسومة بطرقهم الأيحائية، فهي في الحقيقة أشكال ورموز ولا يحددها غير أنواع الملابس، والأكسسوارات، التي ترتديها أو تحيط بها، فهي رموز أكثر مما هي شخصيات أنعكاسية حقيقية.
ولهذا السبب أو غيره، فالكثير من المغاربة من الوسط الشعبي يعتقدون بان لهذه اللوحات تأثير السحر في بيوتهم، وهي لها قوى سحرية تؤثر في زائري بيوتهم وتمنع عنهم الحسد والعيون الشريرة أو زيارات الجن المؤذين، لذلك فهم يعرضونها في صدر غرف أستقبالهم أو في الباحات لمنع الضر والحسد عن عائلاتهم. أن الألوان التي أستخدمها الفنان الحارثي في الكثير من لوحات معرضه تمت صناعتها يدوياً من أعشاب ونباتات وأزهار تنبت في البادية، ولكل عشب منها عطره الخاص ولونه المميز، كأوراق شجرة الحناء وقشور الرمان، وأوراق نبات الربيع والشفلح، والحلفاء، وأزهار القرنفل، وقد أضاف الفنان إلى هذه الألوان بعض الأصباغ الصناعية مما جعل لكل لوحة بريقاً خاصاً لا يمكن أن تجده في اللوحات المرسومة بالألوان الصباغية الصناعية وحدها. أن بعض اللوحات التي عرضت في المعرض كانت بقياسات كبيرة ” متران في متر ونصف ” و” متر ونصف في متر وربع ” وهي أبعاد كبيرة تتيح للفنان فضاء واسعاً للتعبير عن نفسه، ولكنها في الرسم الفطري تصير عائقاً للفنان للتجديد، فيقع عادة في المكرور، لأشكال تجدها لا تختلف كثيراً عن أشكال مشابهة للفنان في لوحات أخرى. وهذا التكرار في وضع الأشكال في كل لوحة يخلق حالة من الملل لدى المشاهد الذي يرى في كل لوحة ميلاداً جديداً للوحة السابقة، ويوحد كذلك أشكال اللوحات المُنتجة لدى فنانين فطريين آخرين، مع آخرين، فتضيع البصمة الخاصة لدى كل فنان فيما ينتج من لوحات. وهذا ما وجدناه أيضاً في فن النمنمة لدى القدماء فأسماؤهم مجهولة، وتبدو أعمالهم وكأنها رسمت من قبل فنان واحد أو أثنين وهم في حقيقة الأمر مئات الفنانين المجهولين الذين لم تصلنا أسماؤهم ووصلت أعمالهم الفنية فقط.
























