إنطباعات عن الصالون الدولي للكتاب في سوسة والمهدية
هادي حسن حمودي
لنن
ما زلت أعشق الكتاب الورقي، وأحس بسعادة غامرة وأنا أقلب صفحاته بأنامل كأنها أنامل عاشق تلامس خد الحبيبة أو تلاعب شعرها المنساب على كتفيها. ولذا تراني أجمع شتات نفسي وأتابع معارض الكتب سواء في بلداننا العربية أم خارجها. ومن ثم تحدوني الخواطر، أحيانا، إلى الكتابة عنها، ما وجدت نفعا في تلك الكتابة لأني لا أكتفي بالحديث عن المعرض، وإنما أضيف إليه الحديث عن الأجواء العامة التي ترافق فترة انعقاده. في 14 مارس/ آذار 2014 كان لي حضور احتفال افتتاح معرض الكتاب الأول في مدينة سوسة في الجمهورية التونسية، الذي استمر إلى العشرين منه. ورافقه معرض كتاب آخر في خيام باسم (خيام ألف ليلة وليلة) في مدينة المهدية جنوبي سوسة.
هذه المنطقة من تونس تعرف باسم (حضرموت) وتمتد على الساحل الشرقي لتونس وصولا إلى الجنوب الشرقي، من الحمامات وإلى سوسة فالمونستير فالمهدية وصولا إلى القيروان بل يوسع بعضهم المنطقة لتشمل صفاقس، وهي المدينة التي قضى فيها أبو القاسم الشابي ردحا من عمره القصير. ويسكن هذه المنطقة أكثر من ثلاثة ملايين مواطن.
ملاحظات في صالون سوسة للكتاب
الملاحظة الأولى: في بوابة الدخول عليك أن تدفع دينارا واحدا للشخص الواحد رسم دخول للمعرض، وتحمل كل تذكرة رقما، ويقولون أن هذه الأرقام تدخل في مسابقة للفوز بجائزة المعرض.
الملاحظة الثانية: انقسمت القاعة إلى قسمين: القسم الأول الأمامي، مخصص للإلكترونيات، الهواتف النقالة، والحواسيب (الكومبيوترات) وألعاب الليزر، والتلفزيونات، وما إلى ذلك. والقسم الثاني، وهو النصف الخلفي من الصالون يتضمن أكشاك دور النشر المشتركة في المعرض.
الملاحظة الثالثة: بما أن المعرض هو الأول للمدينة فإن عدد المشاركين كان نحو خمسين عارضا، ما بين تونسيين ومن بعض البلدان العربية الأخرى، وفرنسا،
الملاحظة الرابعة: أطلقت إدارة المعرض على هذه الدورة اسم الشاعر الشعبي (أحمد فؤاد نجم) الذي توفي قبل فترة قصيرة من الزمن. وقد برر المشرفون على الصالون الثقافي هذا التكريم للشاعر نجم باعتباره شاعر الفقراء.
الملاحظة الخامسة: طيلة أيام زيارتي للمعرض لم أر زائرا واحدا لجناح حمل إسم (الدراسات الفلسفية والسياسية). ربما زاره بعض الرواد ولكنّي لم أرهم.
الملاحظة السادسة: أكثر الكتب العربية المعروضة في معرض سوسة يغلب عليها أحد طابعين:
إما الطابع الدينِي والموسوعي (أي الكتاب الذي تكثر أجزاؤه حتى لتصل إلى عشرين جزءا) في موضوعات التفسير القرآني والتاريخ والفقه.
وإما القصص والروايات، والكتب الموجهة للأطفال.
وفيما يتعلق بالقصص والروايات لاحظت جدبا في الروايات المترجمة. ووفرة في الطبعات التجارية لروايات نجيب محفوظ وقصص يوسف السباعي وأحمد باكثير وجرجي زيدان، وذلك في الدار المصرية خاصة.
الملاحظة السابعة: لاحظت مرتادين عديدين لجناح (دار الحدباء) وهي دار نشر عراقية (أهلية) عرضت مجموعة طيبة من الإبداعات العراقية المتنوعة الموضوعات. وقد احتلت جانبا من جناح ضم، إضافة إليها، مكتبات ودور نشر أخرى.
الملاحظة الثامنة: أسعار الكتب مرتفعة خاصة بالنسبة لمستوى المعيشة. وتخضع المبيعات لخصم عشرين بالمئة من سعر الكتاب. وعلى الرغم من هذا الخصم تبقى الأسعار مرتفعة.
الملاحظة التاسعة: لاحظت أن معظم الرواد كانوا فعلا قد اشتروا مجموعة أو أكثر من الكتب المعروضة، وخاصة الكتب الموجهة للأطفال، والألعاب الإلكترونية والورقية.
الملاحظة العاشرة: أكثر الكتب الجادة والنافعة كانت في جناح (مركز النشر الجامعي بالمركب الجامعي بمنوبة) ومنوبة: المنطقة التي يقع فيها ذلك المركب. وأشرف على هذا الجناح فريق من المثقفين فعلا، لا بائعين فحسب.
الملاحظة الأخيرة: في القسم الخلفي من الصالون (فضاء استراحة) للرواد، فثمة مطعم ومقهى وملحقاتهما.
وبطبيعة الحال واكبت أيام المعرض نشاطات ثقافية، ولقاءات مع أدباء وشعراء. كما احتفى المعرض بالروائي محمد رضا بن حمودة، حول روايته باللغة الفرنسية (كلمات) (Mots). وكذلك برمج القائمون على الصالون لقاء فكريا مع الفيلسوف الفرنسي نيكولا غريمالدي.
خيام ألف ليلة وليلة بالمهدية
إلى الجنوب من مدينة سوسة وعلى مسافة حوالي سبعين كيلومترا تقع مدينة المهدية التي أسسها العبيديون. وعلى عكس صخب سوسة وضجيجها وسهرها حتى وصفت بأنها المدينة التي لا تنام، هدوء المهدية إلى درجة أنك بعد غروب الشمس بساعة أو ساعتين لا تكاد تجد أحدا في شوارعها إلا بعض رواد مقاهي الشيشة (النارجيلة).
ومن طريف ما تراه في تلك المدينة بقايا السور الذي بناه العبيديون على بعد عشرات الأمتار داخل البحر من جهة المنطقة الشرقية للمهدية القديمة. وأنت ترى تلك الآثار قائمة أمام ناظريك، سواء في حالات المد أم الجزر. وبطبيعة الحال ستكون الرؤية أشمل في أوقات الجزر. حاولت أن أجد قاربا يوصلنِي إلى تلك الآثار، ولكن لم أجد، وضايقنِي الوقت.
أما عن خيام ألف ليلة وليلة n وبالتأكيد فإنّ هذه التسمية ستسعد روائينا العراقي الأستاذ (محمود سعيد) – فقد أقيمت في فضاء منفسح أمام متاجر (كارفور). وعن سبب إقامة المخيم هناك حدثنِي المسؤول عن المعرض قائلا: (إنّ هذه المنطقة تجارية تضم عديدا من (المولات) والمطاعم والمقاهي فرأينا أن نقترب من الناس، إذ لا بد لمن يمر من هنا أن يلاحظ الخيام والصور الملونة التي تزينها، فيغريه ذلك بالدخول إلى المعرض). فكرة صائبة.
حركة الشراء في هذه الخيام لا بأس بها نسبةً إلى قلة المعروض منها.
وهذا المعروض تغلب عليه الكتب الدينية والتاريخية، إضافة إلى مجموعات كثيرة من كتب الأطفال والقصص والروايات ودواوين الشعر القديمة بطبعات حديثة جيدة. ولم يكن الحال كذلك مع أغلب القصص والروايات إذ طبعت طبعات تجارية بكل ما تحمله الطبعات التجارية من سيئات.
المعرض واهتمامات وسائل الإعلام التونسية
قبيل انطلاق هذا المعرض ظهرت تدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي، وأنباء عنه في الصحف التونسية عموما. كما وصفت بعض الصحف حفل الافتتاح، إضافة إلى تقرير وكالة الأنباء التونسية، وهو التقرير الذي اعتمدت عليه الصحف التي تحدثت عن المعرض.
ثم اختفت أخبار المعرض عن وسائل الإعلام، رسمية وشعبية. وذلك لحراجة المرحلة التي تمر بها تونس حاليا حسب الصحف التي تابعتها طيلة فترة إقامة المعرض، وأحاول، هنا، إعطاء لمحة سريعة عن أبرز اهتماماتها، بتنوع توجهاتها وانتماءاتها. علما أن الصحف التونسية حاليا تصدر بحجم (تابلويد) كما هو حجم جريدة (The Mirror) و( The sun) في لندن مثلا.
أبرز القضايا التي اهتمت بها الصحف على اختلاف نزعاتها واتجاهاتها: الإرهاب، والوضع الاقتصادي، والحالة الأمنية الداخلية.
فعن الإرهاب كتبت (الشروق) في 15 مارس/ آذار (العدد 8296) عنوانا عريضا على الصفحة الأولى (الجيش الجزائري يقضي على 7 إرهابيين تسللوا من تونس). وثمة موضوعات في العدد نفسه عن المساجد خارج السيطرة، أي التي يتحكم بها سلفيون متشددون، وذكرت أنها بلغت 149 مسجدا. ومنها تشبث بعض أئمة الجوامع بمواقعهم على الرغم من أن نقابة الأئمة طالبتهم بالرحيل.
ونددت الجريدة في مقالات عديدة متتابعة بالعقلية الإقصائية، ومنها مقال في العدد المذكور بعنوان (عقلية الإقصاء من التاريخ.. أنا أو لا أحد) بدأته بالقول: (لم تشهد تونس في تاريخها مثل هذه الرغبة في إقصاء الآخر والتربع على الحاضر والاستفراد بتشكيلاته وكأن الماضي لا وجود له. وخير دليل على ذلك هذه الثقافة الجديدة الداعية إلى محو فترة حكم الرئيس السابق بن علي) إذ هناك من دعا إلى اعتبار التاريخ التونسي الحديث المتحرر يبدأ منذ سنة 2011 فقط. وهي حالة مشابهة لما جرى ويجري في بلدان عربية أخرى.
وفي 18 مارس/ آذار نشرت جريدة (الصريح) على صفحتها الأولى عنوانا عريضا بالأحمر يقول: (في جندوبة وسيدي بو زيد.. الإرهاب يضرب ليلا) تحدثت فيه عن إرهابيين مختبئين في الغابات ومجابهات مسلحة أودت بحياة بعضهم.
وكانت قناة التونسية الرسمية تنقل باستمرار أخبار المعارك مع المسلحين سواء في الجهة الغربية حيث يتسللون من وإلى الجزائر، أم في الجهة الغربية حيث التسلل من وإلى ليبيا.
جريدة (الصباح) بطبعتها الكبيرة بتاريخ 15 مارس/ آذار تساءلت في صدر صفحتها الأولى: (هل تفوح رائحة السياسة من موجة الإضرابات الأخيرة) ذلك أن عديد الصحف التونسية الصادرة في الفترة التي نتحدث عنها ذهبت إلى استنكار الإضرابات اليومية والمسيرات والمظاهرات على أساس أنها تعطل العمل وتعرقل الإنتاج وأنها مدفوعة من قوى سياسية وأحزاب متناحرة من أجل الفوز في الانتخابات القادمة.
وعودة إلى الصفحة الأولى من جريدة (الشروق) أيضا في 22 مارس/ آذار مانشيت عريض يقول: (في سيدي بو زيد القبض على ستة إرهابيين تابعين لخلايا الشعانبي) علما أن مدينة سيدي بو زيد هي التي أطلقت شرارة الحراك الشعبي ضد حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
وعن عودة الاغتيالات والتهديد بها تساءلت الصحف عن أسباب هذه العودة ومن يقف وراءها، فقررت أن هناك أحزابا وتنظيمات تمارس الاغتيال وبعضها يحرض عليه.
كما اهتمت الصحف بزيارة الوفد الرسمي التونسي لدول الخليج، وغالبا ما كانت المقالات تنقد تلك الزيارة وذهب بعضها إلى أنها لن تأتي بالنتيجة المرجوة ودعت إلى الحوار المباشر مع واشنطن وأوريا. ودعت إلى استرجاع الأموال التونسية الموجودة في الخارج بما في دول خليجية، بل وطالبت بتسليم بن علي لمحاكمته. غير أن الوفد الرسمي التونسي أعلن أنه لن يبحث موضوع تسليم الرئيس السابق. وقد استنكرت بعض الصحف تلك الزيارة واعتبرتها نوعا من الشحاذة، حتى أن جريدة الأنوار في 15 مارس وبعنوان عريض بررتها تبريرا غريبا ربما كان مبالغا فيه، حين قالت: (مع أصدقاء الفايسبوك.. تونس على حافة الإفلاس)
كما اهتمت جريدة الأنوار الأسبوعية (من 15 مارس/ آذار إلى 21 مارس/ آذار) بموضوع رياض الأطفال القرآنية فذكرت أن وزارة المرأة قررت إغلاقها ولكن وزارة الداخلية لم تقم بتنفيذ القرار. وارتكزت وزارة المرأة في قرارها على أن هذه الرياض تعمل خارج القانون وتربي الأطفال على ثقافة الكراهية والتطرف وأنها تضم أكثر من 30 ألف طفل ولها 12 مقرا مركزيا وأما جهات التمويل فتقول الجريدة إنها مجهولة تماما. وفي هذا الإطار صرح رئيس جمعية حقوق الطفل أن ملف رياض الأطفال القرآنية جمرة تقذفها الحكومة من يد إلى يد.
جريدة الصحوة وبمناسبة معرض الكتاب قدمت دراسة نقدية لكتابي (أبو القاسم الشابي مسارات نحو اليقين) كما أشارت إلى كتابي الآخر (الإعلام العربي.. التنمية اللغوية والموضوعية). وفي العدد نفسه خصصت صفحة كاملة عما حدث في العراق سنة 2003 وما تلاها، وقالت: (أسلحة خبيثة أورثت العراقيين تشوهات خلقية) وأرفقت ذلك بصور للأطفال الذين ولدوا بعد 2003 ولنوعيات الأمراض التي انتشرت في العراق. منذ الحصار سنة 1991 وإلى الآن.
وتلفت نظرنا جريدة (آخر خبر) الصادرة في 18 مارس/ آذار إلى إرهابيين تونسيين التحقوا بالمتطرفين المسلحين (الجهاديين). واستندت إلى بيانات (داعش) التي اعتبرت أن الذين يقتلون في العراق هم صفويون وقتلهم واجب شرعي، حسب ما نقلته الجريدة عن موقعهم الإلكتروني وبياناتهم. وذكرت الأسماء الواردة في تلك البيانات والعمليات الانتحارية والتفجيرات التي قاموا بها، مع صورهم وأماكن سكناهم في تونس. ونبهت إلى أن الجناح الغربي من داعش سيحمل اسم (دامس) ويشمل ليبيا وتونس والجزائر. هذا حسب الجريدة المذكورة.
وعن هذا الموضوع أعلنت الفضائية التونسية في 19 مارس/آذار أن الحكومة قد منعت مجموعات من الشباب كانوا يرومون السفر إلى ليبيا لأنها تتوقع انتقالهم بعدذلك للقتال في صفوف داعش أو دامس.
أجواء ورجاء
في هذه الأجواء المتأزمة والصراعات الحزبية القائمة على قدم وساق، لم يعد في وسع الصحف التونسية الحديث الوافي عن معرض الكتاب ونشاطاته الرديفة. على أمل أن تستقر الأوضاع في هذا البلد العربي الأصيل العزيز، كما هو أملنا أن تستقر أوضاع سائر بلداننا العربية عساها تستطيع أن تعوض خسائرها التنموية والبشرية بديلا حضاريا عن هذه الترديات المسممة لكل رجاء وأمل.
























