ما بين الرواية والسيناريو.. فرانكشتاين في بغداد

ما بين الرواية والسيناريو.. فرانكشتاين في بغداد

علوان السلمان

بغداد

 التعبير الادبي في جوهره جملة من الاستعارات والمجازات التي تعيد وجودها بتقانات فنية وتركيبية تتحقق بامتزاج المعطيات الذاتية والموضوعية التي تسهم في توليد فعل يحفز الذاكرة وينبش الخزانة الفكرية للمتلقي من اجل ادراك الابعاد الدلالية والمضمونية….

 و(فرانكشتاين في بغداد)احالة على رواية(فرانكشتاين)للروائية البريطانية ماري شيلي..وهي ابداع مضاف لما سبق من نتاج سردي متمثلا في:(بابا سارتر) لعلي بدر و(زوربا البرازيلي) لخورخي امادو و(حارس الظلال ـ دون كيشوت في الجزائرـ) و(اصابع لوليتا) لواسيني الاعرج..

   وفكرة(فرانكشتاين في بغداد) خلية مستاصلة من نسيج مجتمعي تشكل من ركام الواقع الغرائبي في احداثه واتكائها على الشخصيات الهامشية(هادي العتاك/ فرج الدلال /ام دانيال/ام سليم..) والتي تقطن البتاويين نزوحا واصلا كبؤرة مكانية  تشكل منطلق السرد بتفاعلها دراماتيكيا عبر الصدفة وعدم التزام الخط التعاقبي..فضلا عن انها توظف حكايات الرعب واليات الرواية البوليسية في الكشف عن الجريمة واسرارها..ومن ثم نسجها في اطار استعاري للواقع العراقي بوساطة انامل المبدع احمد سعداوي وهو يلملم اشلاء فكتور فرانكشتاين في بغداد بعد ان مات ولم يستطع الوصول الى مسخه الذي انتجه وبعث فيه الحياة عبر المختبرات البايولوجية لجامعة ركنسبورج الالمانية..اذ يبدا بخلق مخلوق هائل التركيب يقترف جرائم القتل التي تبدأ بقتل اخ فكتور وتنتهي بقتل زوجته ليلة العرس..والهروب  الى  عالم مجهول يظل فرانكشتاين باحثا عنه ومتابعا له الى ان ينتهي بسفينة فيقص على ركابها حكايته في البحث عن المسخ الذي انتجه ..بعدها يموت ويظهر المسخ ليرى صانعه قد مات فيتبعه حارقا لنفسه شعورا بالعار..

    فيأتي السعداوي ويلملم اشلاءه عبر بطله(هادي العتاك) الراوي السارد في فضاء بلا هويةاذ انه يعيش في مجتمع ملون بشتى اطياف العنف.. وقطار حياته يسير بشكل مواز وخط الواقع الذي لايراه الا بؤرة يختلي في احدى زواياها باحثا عن العتيق من الاشياء..والانتهاء بجمع بقايا الجثثفالانتفاض والتمرد بوعيه الاجتماعي الذي ولد نتيجة حتمية لواقع اجتماعي والذي يروي حكاياته العجائبية في المقهى وفي مقدمتها حكاية المسخ الذي شكله من بقايا ضحايا التفجيرات الارهابية(فيشكل رمز الوحش المقاوم للوحشية)..بعد ان طاف شوارع حي البتاوين بعربته التي يجرها حصانه المتعب من اجل شراء المستعمل من الاجهزة الكهربائية والاثاث التي يبذل جهدا في تصليحها واصلاحها وبعث الحياة فيها وعرضها في سوق هرج باب الشرقي..فضلا عن جمع علب الالمنيوم الفارغة من مشروبها الغازي..والتي جرته في النهاية الى جمع يقايا الجثث المتناثرة اثر التفجيرات الارهابية التي لم تخلو منها شوارع الوطن..فيقوم بلصق اجزائها لانتاج كائن بشري غريب سرعان ما ينهض ليقوم بعملية انتقام من المجرمين الذين قطعوا اجزاءه التي يتكون منها..وهذا يعني ان هذا الكائن الذي يشكله الراوي السارد لا يمثل هوية فردية او اثنية او عشائرية ولا حتى ايديولوجية..بل هو الوطن بكل مكوناته…ومن هذا ينطلق المعنى العميق الذي يحققه الكاتب..فضلا عن سخرية الرواية من العقل السياسي من خلال الرموز والاستعارات التي يوظفها الكاتب..

  وهذا يجرنا القول الى ان فرانكشتاين ماري بطلها طالب جامعي يخترع كائن عملاق يتمرد على مخترعه ويتحول الى قاتل فيقتل اخيه وزوجته ليلة العرس.. والعكس عند السعداوي الذي يغلب على سرده استقراء الواقع الموضوعي بكل تناقضاته وتقديم صورة لارهاصاته التي يعيشها بدقائقه وهو يترقب المفخخات والعبوات الناسفة التي تصب جام غضبها على وطن يغفو ويتغطى بصبره.. كونه يعيش واقعا محاطا بالفجيعة والاشلاء المتطايرة اثر التفجيرات الارهابية التي دعت (هادي العتاك) الى ان يهجر عمله في البحث عن الاثاث العتيق وجمع العلب الفارغة ليلتقط الاجزاء البشرية ليبني منها كائنا منتفضا ومنتقما ورامزا لوحدة وجود انساني مستبعدا كل الانتماءات الا الانتماء الوطني من خلال تنويع سردي محاور ومتجاوز بحبكته البانورامية ونهايته المفتوحة التي تناقش واقعا دون حلول من اجل تحريك الخزانة الفكرية التي تسهم في البناء السردي المتمحور ما بين الرواية والسيناريو كخلاصة لافعال انسانية مكتظة بالمتناقضات مع توهج نفسي وانفعالي للشخصية التي يخلقها الروائي والتي تخترق المأزق البنيوي باعتماد المفارقات البصرية وتجاوز الواقع بمعطياته الجاهزة..فضلا عن الكشف عن الارهاق النفسي الذي تفرضه متغيرات وتجاذبات السياسة والاقتصاد.. اضافة الى انها تشكل فعلا لفظيا مستثمرا قدرة اللغة التصويرية وتعبيراتها الجمالية بوعي متخيل من شانه نقل الوجود وما ينتج عنه من توترات واوجاع..