الطريق المفتوح لخير البشرية وإطمئنانها

الطريق المفتوح لخير البشرية وإطمئنانها

يعقوب أفرام منصور

 يُعدُّ هذا المقال  تَتِمّة لسابقه المعنون ( مستقبل الجنس البشري) والمنشور في هذه الجريدة في 25/2 في ص 15 ، فأقول: في 9 تموز عام 1955، نشر برتراند رَسِل بيانًا في لندن، في غاية الأهمية، مُوَقّعًا من إثني عشرَ شخصًا من أقدر الرجال والعلماء ، شرقيين وغربييين، وُجِدوا هناك آنئذٍ،، ظنّهم رَسِل مُؤثّرين في حكوماتهم، وكانت الفِقرة الأخيرة من البيان كالآتي: ]أمامنا ـ إن أردنا ـ طريقٌ مفتوحٌ لتقدّم مستمر في السعادة والمعرفة والحكمة. فهل سنختار الموتَ بدلاَ من ذلك ” الطريق المفتوح”؟ إننا ندعو، كبشر يناشد بشرًا، أن اُذكروا إنسانيتكم، وانسوا ما عداها، فإن استطعتم أن تفعلوا ذلك، فالطربق مفتوح أمامكم إلى جنّة جديدة، وإن لم تستطيعوا فهناك خطر الموت الشامل بانتظاركم.] ـ كتاب رَسِل “هل للإنسان مستقبل” ص 73.

    إن محتوى هذه الفِقْرة قائم على أساس قناعة العلماء النزيهين المسؤولين أدبيًا مسؤؤلية عالمية أخلاقية (بأن الدفاع ضدّ الهجوم النَووي صعب جدًا في رأيهم ورأي المفكّرين والفلاسفة وعلماء الإجتماع. بل إن الإيمان الخاطئ بوسائل الدفاع قد يساعد على اندلاع الحرب النوَوِية المُهلِكة بشكل شامل). هنا يكمن الخطر العميم في تِقنية إنتاج السلاح على مستقبل الإنسان، ومن هنا تأتي أهمية عقد اتفاقية دُوَلية تنص على أن تتوقّف الدول كافّة عن إجراء جميع تجارب الأسلحة النووية، وأن تنص أيضًا على إيجاد نظام فاعل تمامًا للسيطرة الشاملة، وعلى إفساد جميع المخزون الهائل من الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية، فهذه الإتفاقية الفاعلة، الشاملة، ستغدو الخطوة الأولى الإيجابية  نحوَ تخفيف التوتّرات الدُوَلية، وإنهاء سباق التسلّح الذي يستنبط التِقنيات تباعًا والأكثر شرًا، والأوسع فتكًا وإبادةً، تلك التِقنيات الشرّيرة التي من شأنها أن تُنتج ما يُسمّى ب “القنابل النظيفة” ـ ذات التفاعلات الإندماجية ـ أو ما يُسمّى ب ” القنابل القذرة” ـ ذات التفاعلات الإنفلاقية.(ص 81)

    وإذ أشير إلى ” الطريق المفتوح” المذكور في الفقرة الأولى، وكونه السبيل الآمن المُؤدّي لخير مستقبل الجنس البشري، أقول : لقد ألفيتُ أن هذا الطريق المفتوح له مثيل في فلسفة أو مذهب (لاوتسى) الصيني، المولود نحو عام 300 ق.م.، وهو الطريق أو ” التاو”ـ اي طريق السلوك الصحيح في الحياة، وهو وارد في ” التاوية ” القديمة التي تعني (الطريق إلى الحياة الأبدية)، كما يشهد بذلك البيت الأخير من القصيدة التاسعة والخمسين، في كناب لاوتسى ” الطريق والفضيلة ” ، القائل : ” هذا هو طريق الحياة الأبدية، طريق الرؤيا الدائمة ” ، ثم إتّسع مدلول كلمة (الطريق) فغدت تُطلق على طريق العالم والطبيعة، وعلى مبدأ كل حياة ووجود، ثم أُطلقت على كل من يسلك السلوك الأخلاقي الطيّب؛ ولكن ثمة عقبات كثيرة تحول بين الإنسان وبين السير على طريق الأبد والبقاء: إذ هناك الأنانية والسعي الدائب إلى الكسب والشهرة والتحضّر والتفنن والتعلّم وقوانين الحُكم، فكل  هذه البواعث تدفع الإنسان إلى الإستزادة من المعلومات ” عن العالم” ، بدلاً من ” معرفة العالم ” نفسه.

    وطريق الحكبم إلى السعادة يكون بالتخلّي عن الشغل (هكذا تُعلّم البوذية أيضًا) وعدم العمل عن طريق الحَد من البذور والكلمات والأفعال. ومن الخطأ الكبير أن نظن أنّ الحكيم الصيني قد نادى بالتخلّي عن العالَم، أو بإهمال الجسد، لأن السعادة التي ننشدها روحية وجسمية أيضًا. ولما كانت الحياة تنتهي حتمًا بالموت، فالحكيم “التاوي” يرى أن ّ كل أمل للإنسان في الخلود ينتهي حين بلوغه السبعين من عمره، وآنئذٍ عليه أن يلبث بلا عمل، ويلزم السكينة والهدوء، وستنحلُّ كل العُقَد تلقائيًا بتجريد ذاته من شهوة الكسب والنجاح، ليصيب الكسب والنجاح الحقيقيّين بالإتحاد مع “التاو” ـ مع الطريق ـ طريق السماء. وهذا المذهب السلوكي الحياتي يكون بعيدَ الأثر في حياة الرعِية حين يتّبِعُه الراعي نفسُه، ولذا فالحكيم التاوي  (لاوتسى) يوجّه حديثَه إلى الحاكم بشكل خاص، ويهتمّ بنجاته وبتحَكّمِه في نفسِه أشدّ الإهتمام.(ص 6 ـ 7) ” 1″.       لقد لاحظ لاوتسى أن نظام الحكم الذي يُمجّد الحربَ ويؤلّه السلاح، يغدو الموت في ظلّه أعذبً من الحياة. كانت دعوته  إلى السلام بحرارة وصدقّ لا يخلوان من ” الغضب المقدّس”، ووصفَ الأسلحة والجيوش بأن شرّها أكبر من جميع الشرور الأخرى، إذ قال في المقطوعة 31 : (لأن الأسلحة أدوات الشر/ ولأن الكائنات تكرهها/ فمن يملك الطريق لا يسكنُ قريبًا منها.)

    يقول الأستاذ عبد الغفّار مكّاوي، مُقدِّم كتاب لاوتسى، المذكور آنفًا، ” إن التاوي الذي يتعمّق في قراءة هذا الكتاب، لا بُدّ سيحسّ بضرورته في عصر التسابق والصراع الذي لا يعرف حدًا للطمع والقلق والطموح.. وسيبتسم طبعًا في نهاية الأمر إزاء طلب الحكيم الطيّب منه أن يمتنع عن العمل كي يبلغ الطريق. إذ كيف يفهم القارئ مرادَ الحكيم بالعمل؟ وإذا امتنع عن العمل، كيف يستطيع تبريرَ حياته في زمنٍ لا يُقدِّس شيئًا كما يُقدّس العمل؟ “. ويضيف المُقدِّم قائلاً : ” لكنّ المؤلّف الذي يُعَلِّمنا التواضع في زمن تمجيد النجاح والطموح، مهما تكن نتيجتهما، ويعيدنا إلى منبع السكينة في زمن يعصف به القلق، ويُحَذِّرنا من تجاوز الحد في وقت يتباهى فيه الإنسان بقوّته، ويكاد ينسى أن الإنسان ليس إلاهًا، ويُغَنّي للوداعة والمحبة والسلام، حيث يزداد ضجيج السلاح في كل مكان، مثلَ هذا المؤلّف يجدر بإنسان العصر، ولا شكّ، أن يتوقّفَ لحظةً ليُصغي إليه ويستفهِمَ نفسَه إن كان الحقُ معه، حينئذٍ سيجدُ في كلماته أصداء من حكمة اليونان ـ وهل علَّمَنا اليونان درسًا أغلى من الأعتدال ومعرفة الحد؟ كما سيجد في كلماته أصداء من ” موعظة الجبل” للسيّد المسيح، و”خطبة الوداع” لرسول الإسلام . وسيتذكَر معه أيضًا موكب الصابرين والمتواضعين من أقدم العصور إلى تولستوي في العصر الحديث “.

 إلى هنا ينتهي كلام عبد الغفّار مكّاوي. لكن أضيف  إليه، في شأن ]الطريق] مقولة السيّد المسيح، الواردة في إنجيل يوحنا 14/6 ” أنا هو الطريق والحق والحياة “. فالمقصود بالكلمات الثلاث الأخيرة من هذه الآية هو: الوسيلة أو السبيل المؤدّي إلى الله (الحق) وإلى الأبديّة المخَلَدة (الحياة)ـ الراحة الدائمة.

 جدير في هذا الصدد إيراد مقولة القدّيس (إيريناوس) قيل ثمانية عشرَ قرنًا إذ قال:( إن الإنسان هو مجدُ الله)، وكذلك مقولة ( كيارا لوبيك) الأيطالية في عام 1944 الداعية رفيقاتها (وسطَ جحيم الحرب العالمية الثانية) أن يُكتبَ على ضريحهنّ كإسمٍ مُوَحّد لهنّ ـ إذا قُتِلنَ في الحرب : “نحن آمنّا بالمحبّة “. وتعليقي على هاتين المقولتين : كان (قايين) أول قاتل في تاريخ البشرية المعلوم نسبيًا، إذ قتل أخاه الشقيق (هابيل) ، لأنه أراد تحدّي المجدَ الإلهي.

 فكل إنسان يرفض ” انسنة ” الحياة، وكل فردٍ عاملٍ في حضارة الموت والإفناء بدلاً من حضارة المحبة والحياة هو (قايين) جديد. ونظائر قايين في حضارتنا المعاصرة يبلغون الملايين بسبب هيمنة غرائز وشهوات الغطرسة والتعاظم والكراهية التي يذهب ضحيتها وعلى مذبحها كل يوم مليون أو أكثر من مليون بشري بريء نظير هابيل. إن المحبة قوة تضعفُ إزاءها كل أسلحة العالم! إذ هي الفعل الأكثر تلقائيةً وصدقًا ـ الفعل الذي يصدر عن الإنسان في علاقته مع الله. لقد أدرك الفيلسوف برتراند رَسِل، وكذلك علماء الذرّة والطاقة النووية أن ساسة الغرب المتسلّطين، وأعدادًا هائلة من الناس ـ الخالين من الحكمة ـ الذين يكوّنون الرأي العام، يفتقرون إلى المحبة وبُعد النظر، قد وضعوا العالم  في اتّجاه مغلوط، لأنهم جعلوا الكراهية حاديتَهم في سياساتهم وتعاملهم مع الشعوب المستَضعَفة  النامية، فارتأوا منذ عام 1945 ـ وما عتموا يرتأون ـ أنّ الإعدادَ للحرب هو الوسيلة الوحيدة لحفظ السلام. ألا ساء ما يرتأون! لأن قلوبهم خاوية من المحبة، مفعمة بالكراهية، ولأن عقولهم خالية من الحكمة ـ أخت المحبة. فمتى تُزهِر ” حضارة المحبة” على كوكبنا ـ كما حلم بها البعض، وضحّى من أجلها كثيرون معلومون ومجهولون في القرن الماضي، وكما تصبو إليها البشرية اليوم ـ فهي في مسيس الحاجة إلى هذا الطرازمن الحضارة “حضارة المحبة” وليس حضارة الإفناء بأسلحة الحرب التي تستنبِطُها  أحدث التِقنيّات الشرّيرة! ” فالذين يُحبون الحكمة يُحبهم الرب”، كما جاء في سِفر سيراخ 4/15.

    كمثال على مواصلة إجراء التجارب على إنتاج الأسلحة النووية على نطاق واسع بشكل محموم حتى الآن من قِبل دُوَل كبرى ووسطى وصغرى، إخترتُ إحداها، وهي التي قامت بها فرنسا في تموز 1985 في المحيط الهادي ضمن المناطق الخاضعة للنفوذ الفرنسي من دون السماح لأيٍ كان بمراقبة تلك التجارب، في حين أن إحدى المنظمات البيئية المعروفة بإسم ( منظمة السلام الأخضر) أصرّت على ضرورة وقف التجارب الذرية والنووية الفرنسية وغير الفرنسية، سواء كانت في المحيط الهادي أو في سائر المحيطات والقارّات. وقد أدَت تلك المجابهة بين المنظمة المذكورة وبين الجهات الفرنسية التي نفَّذت التفجيرات التجريبية إلى غرق سفينة ” المحارب ” ـ وريَرـ، مما نجم عنه أزمة كبيرة في باريس، أفضت إلى استقالة وزير الدفاع الفرنسي آنذاك، وطرد رئيس المباحث والمخابرات الفرنسية.إن المنظّمة المذكورة آنفًا بريطانية الجنسية أصلاً، وقد أُسست في عام 1970 ولها فروع في 15 دولة، منها الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، وهي تتحاشى العنف، وتسعى إلى تحقيق أهدافها بدون استخدام القوّة؛ وجهودها الإنسانية الخيّرة في هذا المجال كثيرة وتستحق التثمين في مجال الحِفاظ على نظافة وسلامة البيئة الطبيعية في كل مكان، وعدم قتل الحيتان من خلال الصيد العشوائي، وعدم رمي النفايات النووية المُشِعّة قي البحار. (مجلة “العربي”ـ العدد 326/1986. لكن العالم اليوم في العقدين الأولين من هذا القرن غدا في مسيس الحاجة إلى عشرات المنظّمات، الداعية بأساليب جادّة وفاعلة، إلى إيقاف التجارب النووية، وإلى إقساد الخزين الهائل من الأسلحة النووية، وإلى تحريم استخدامها بتاتًا، وعدم تلويث البحار والأجواء وسطح كوكبنا، والعمل على دفنها عميقًا في أغوار الأرض، ومحاطة بجدران سميكة من الصخور، كي تطمَئن البشرية إلى سلامة مستقبلها من الأسقام العُضالية والإفناء الشامل ( الذي أهلك الكثير حتى الآن) ، والذي يُشكّل أشنع جُرم يُرتَكب بحق البشرية التي عانت طويلاً من ويلات وكوارث الحروب الفتّاكة الشاملة في القرن المُنسَلِخ.

    والغريب حقًا أن وسائل الإعلام في النصف الأول من تشرين الأول/2002 نشرت نباً صادرًا عن واشنطن، أفاد إن مسؤولاً في وزارة الدفاع الأمريكية صرّح إن آلاف المدنيين في جُزر (هاواي) ومناطق أخرى مجاورة قد تعرّضوا لعناصر بيولوجية وكيميائية في تجارب أجريت خلال “الحرب الباردة ” إبان الأعوام 1962ـ1973 في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، وإن عناصرها تماثل عُصَيّات الجمرة الخبيثة، وبلغ عدد المصابين بها في هاواي فقط عدّة آلاف.

(جريدة  ” العراق”ـ 11/10/2003.)

1 ” الناشر : مؤسسة سجل العرب ـ القاهرة/1967 من سلسلة الألف كتاب رقم 643 مطابع سجل العرب. ترجمة د. عبد الغفّار مكّاوي.