سيميائية التضاد الثنائي في رواية ( الوطأة )

سيميائية التضاد الثنائي في رواية ( الوطأة ) لقاسم حسن علي

بيات مرعي 

قراءةُ في الوطأة انها ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو تشريح مكثف للواقع العراقي ما بعد عام 2003، حيث يتداخل الشخصي بالسياسي، وتُصوّر عن آثار الانهيار على مستوى الأسرة، والمجتمع، والوعي الفردي
يتميز النص ببنية سردية غير خطية تماماً، تتنقل بين مستويين زمنيين أساسيين: زمن الماضي (التأسيس): يبدأ السرد بالعودة إلى لحظة ميلاد أنمار في 2001 (انهيار التجارة) ثم الاحتلال في 2003، وهي لحظات تشكل عقدة التأسيس المأساوية للجيل الجديد والبلد. زمن الحاضر (المعاش): الانتقال إلى ( العام العاشر من الاحتلال ) ، وهو زمن مكثف يحمل وطأة الفوضى الأمنية (رحلات الأب رأفت) ووطأة الانعزال الأسري (استخدام الهواتف).
وهنا لابد ان اقف عند نقطقة مهمة وهي تمكن قوة البنية في المزج بين السرد التقريري (وصف الفوضى والاحتلال) والسرد النفسي والدرامي (مشاهد أنمار والعائلة). هذا التنقل يخدم فكرة ( الوطأة ) ، حيث يفرض الانهيار السياسي (العام) نفسه على أدق التفاصيل في الحياة اليومية (الخاص) …
يتأسس ويتشكل النص كما ذكرت أنفا على شبكة من العلامات المتقابلة (الثنائيات الضدية) والرموز المكثفة التي تكشف عن ( وطأة ) الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي على الفرد والمجتمع في بيئة ما بعد الاحتلال.
ـ الشخصيات :
أنمار رأفت (الطفل الإمعة/العالم )
أنمار رأفت يحمل دلالتين متناقضتين:
أنمار: (مشتق من النمر) يوحي بالحركة، الفضول، والتمرد (مشاكس حرك… يصدع الحارة).
هذه الصفات تظهر في قفزه من نافذة الباص كـ ( نسر محصور بين أضلاع قفص حديدي )
رأفت: (من الرأفة) يوحي باللين والرحمة، وهو ما يتناقض مع ( المشاكسة ) ولكنه يتسق مع وصفه
بـ ( نية طيبة ) .
الجسد وعلامته: ممصوص الوجه نحيل القامة… صفرة دائمة ، جسد لا يرتوي ولا ينمو رغم الرضاعة. الدلالة السيميائية: هذا الجسد رمزٌ مكثف للوطن/الجيل الذي وُلد في زمن الفوضى والدمار (انهيار برج التجارة 2001، ثم الاحتلال 2003). هو طفل فاقد للعافية يودعها في ( حفرة )، مما يجعله علامة على الاستنزاف والوهن والأزمة الدائمة التي يعيشها الجيل الجديد.
الوظيفة السردية (العلامة الاجتماعية): يوصف بـ ( الإمعة ) ثم بـ ( عميق الرؤية عالم بتفاصيل الأخبار ) هو الراوي غير المشارك، يرى ويتوارى ( كالماء من بين الأصابع ).
أنمار يمثل الفضول المعرفي المستجد لدى الجيل الرقمي في زمن ما بعد الحقيقة، حيث يمتلك الأدوات (الهاتف، الحاسوب) لكنه لا يملك السيطرة أو القدرة على التأثير في الواقع .
الزمن : في الوطأة تدور الأحداث في زمنين متداخلين: الماضي، ولادة أنمار في يوم انهيار برج التجارة العالمي 2001 وما تبعه من احتلال بغداد نيسان 2003. هذه العلامات العالمية والمحلية تشير إلى أن نشأة أنمار مقترنة بـ انهيار نظام عالمي وفراغ أمني/سياسي محلي.
أما الحاضر : العام العاشر من الاحتلال (2013 تقريباً). هذه علامة على استمرار الأزمة وتأصيلها كحالة طبيعية (السيطرات، الفوضى الخلاقة، المحاصصات).
المكان : الصحراء/ كركوك /سامراء: يرمز إلى الخطر، اللاأمان، التهديد، والمهمة المستحيلة (تأمين خط النفط الاستراتيجي). طريق العمل محفوف بـ ( المفارز العسكرية ولجان التدقيق و ملاعب النار الساخنة ) كمب الشركة: مدينة سكنية مغلقة، ( أشبه ما تكون بمدينة سياحية ) بفضل الترفيه والهدوء، لكنها محصورة ومفصولة عن الصحراء.
يقدم النص ثنائية مكانية حادة: الفوضى المفتوحة والمهددة (الوطن) في مقابل الهدوء المصطنع والمؤمن (مستعمرة الشركة). الوجود في الكمب هو هروب من ( وطأة ) الشارع المضطرب، لكنه هروب شكلي يظل محكوماً بسياق الاحتلال والنفط .
علامة ( الواقع الافتراضي ) (الفلم الغامض) تُعدّ حادثة الفيديو الفارغ في نهاية المقطع هي النواة السيميائية التي يلتقي عندها الواقع بالافتراض وتتضح فيها علامات ( الوطأة ) المعرفية.
فلم الكعبة فارغ خدعة بصرية (فوتوشوب/مونتاج).فراغ ديني/روحي/رمزي. غياب الناس عن مركز الكون الروحي (الكعبة) يرمز لـ تفريغ العالم من معناه وسط هيمنة الماديات والصراعات. رد فعل الأب (رأفت) يرفض تصديق الفيديو ويصفه بـ ( المفبرك ) . علامة على الإنكار. الجيل الأكبر يرفض التسليم بالواقع الجديد ويريد أن يتمسك بـ يقين الماضي ( الكعبة دائمة الحركة… كيف يصح هذا؟ ).رد فعل أنمار/ألطون البحث عن تفسير فيزيائي أو فني للخدعة. علامة على الحيرة المعرفية. الجيل الجديد لا يثق في السلطة المعرفية التقليدية (الأهل) ويلجأ إلى المعرفة الرقمية (جوجل، الماسنجر) لإعادة بناء الحقيقة المفقودة. الهاتف الذكي أداة تواصل وتصفح. علامة التفكك والسكينة المزعومة. يسدل ( خيمة من الهدوء والسكينة ) على العائلة، لكنه يفصلهم عن بعضهم، ويجعل كل فرد غارقاً في عالمه الخاص، مما يلغي الحوار العائلي ( غادر التلفزيون الجميع… يصيب كل من في البيت بالصمم والخرس )

التوتر السيميائي: ( أنت نصف الحل! ) جملة ألطون ( تفسير الموضوع عند أنمار وأنمار هو نفسه نصف الحل! ) هي العقدة السيميائية للنص: أنمار كـ نصف الحل: أنمار هو الطفل الذي وُلد في قلب الأزمة (2001/2003) ونشأ عليها. وجوده ذاته هو تجسيد حي للغز الوجودي الذي يحاولون فهمه. النصف المفقود من الحل هو الوعي الكامل أو القدرة على فك شيفرة ( الوطأة ) التي يحملها بداخله. الوطأة كـ علامة شاملة: ( الوطأة ) هي ثقل الاحتلال وفوضاه وتدهور قيمة الإنسان، لكنها في مستوى أعمق، هي وطأة التحول الرقمي وانهيار السرديات الكبرى (دين، وطن، سلطة) أمام عين الجيل الجديد، الذي يجد نفسه مضطراً للبحث عن الحقيقة الفردية في متاهة الواقع الافتراضي.
الختام: دلالة العنوان العنوان ( الوطأة ) يشير سيميائياً إلى: الضغط العسكري والسياسي: وطأة الاحتلال وتداعياته الأمنية. الضغط الاقتصادي: وطأة السيطرة على النفط والموارد (رحلة الأب الشاقة).الضغط الوجودي: وطأة الغياب المعرفي والروحي (فراغ الكعبة)، ووطأة العزلة الرقمية (صمت العائلة أمام الشاشات).النص هو محاولة لتشخيص هذه ( الوطأة ) عبر جسد طفل نحيل (أنمار) وفيديو مهجور (الكعبة)، ليصبح النص بأكمله علامة على حالة مجتمع محاصر بين واقع مفكك ووعي رقمي حائر.
…………………..
تتركز الفكرة الفلسفية الرئيسية في رواية ( الوطأة ) حول أزمة اليقين والوجود في سياق الانهيار السياسي والتحول الرقمي، وتحديداً:
فهي تطرح سؤالاً وجودياً حول معنى الحياة في مجتمع فقد مركزه المرجعي (الدولة، القانون، الأمان).

باختصار، الرواية تقدم نظرة فلسفية حول ( الوطأة ) كعبء معرفي ووجودي، حيث أصبحت أدوات الحداثة (الإنترنت) هي نفسها ساحة الصراع الجديدة للوصول إلى الحقيقة في زمن ما بعد الحرب والانهيار.