كــ حتى – محمود محمد سليمان

محمود محمد سليمان

 

اُكتُم شكاتَكَ وعدَ الحق ما حانا

فإن لليل كالجدران آذانا

ولتعذرِ الليلةَ الليلاءَ ما كلحت

لو لم تجد بدرَها كالخيط ذبلانا

عريانةٌ فكرتي قامت كراقصة

لولا القوافي عليها بان ما بانا

سكرى سَتفتنُ مَن مِن قهرهم ضحكوا

والناس تضحك فرطَ القهر أحيانا

ترمي بقطعة جبن كل أونة

ليُولِدَ الجحرُ بعد الجحر فئرانا

أنا هنا ما أنا لكن انا قُهرت

وربّتِ الصمتَ حتى صار أكفانا

مِن الأقل الألى ما دُنسوا وبقوا

بطُهر فطرتهم نفساً وأردانا

انا کـ “حتى” التي حار النحاة بها

ولم يلاقوا لها في النحو عنوانا

لم يبق من عمري الا الأعز به

ما عاد همّي قسى ماضيه أو لانا

لما حملت كتاب الله أنجبَ لي

أبا وأما وأصحابا وأخوانا

أسير في زحمةٍ وحدي بباصرتَي

صقرٍ ويذهلني كم كنت عميانا

مقالة الوعي في لا وعينا طُبعت

بأن اسفلنا قد بات اعلانا

وان صبرا جميلا كان قبَّحنا

وقد سَمِنّا بهذا الصبر خرفانا

لم نمتعض ابدا في وجه آكلنا

فمن سيهضم إن وَلّى بقايانا

إن أسقطوا نجمةً صاحت ذوائبُها

وثار مسقطُها في الأرض بركانا

وأننا أمة للموت قد نُذِرت

وليس نأبه ان نحيا لدنيانا

إن أعلنوا موتنا أو لا.. ولادتنا

من موتنا هي ما تحتاج إعلانا

علامَ أجلدُ ذاتاً كل غايتها

أن يقبلوها بهذا الغابِ إنسانا

أعدو لأمسِكَ ذيل الصفح ملتمسا

لما جنيتُ وما لم أجنِ غفرانا

يا فاقدين صواعَ اليومِ فاتكم

اني بسجنكمُ من عصر هامانا

حتامَ حتى المرايا حين تشربُني

يمُجُّني وجهُها للناس أضغانا

كأنما صورتي في الناس ناقصةٌ

الا اذا حَملَت قيداً وقضبانا

وكلما استمطَرَت حُباً ومرحمة

تفاجأت بسحاب الكُرهِ هتانا

ها ظهريَ المتهرّي كل غلطَته

وقوفه جاهزا للجَلد عريانا

هل دارَ في خَلد الايام أن دماً

ينافس الماءَ في الطاعون أثمانا

لم أؤذ حيا ولكني على عطشي

يأوي إلى بئريَ اللهثان عطشانا

طَوّفتُ في مشرق الدنيا ومغربها

فلم أجدنيَ دون الخلق إنسانا

لو هرةٌ حُبست كانت بورطتها

أخا حبيبا أعاني مثلما عانى

قلبي انا نوح خنساء على صخر

قد انضج الحزن حتى صار إدمانا

لم أدرِ ما الغدر لولا جدة نثرت

على مَنامي حكايا كان ما كانا

لا المحُ الغدر الا فَزَّ مبتعدا

كالذال والظاء لا يشبعن هجرانا

انا السموأل وزعت الوفاءَ على

من يشتريه وما أغلقتُ دكانا

ترعرعت بدمي الصحراء حاملة

أزكى مروءاتها روحا وريحانا

من رَحْمِ حواء لم تَلقَ القوابلُ لي

عن إخوتي اي فرقٍ مثلما الآنا

يا آكلا عنباً والخمرُ من عنبٍ

شتان بينهما في الحدِّ شتانا

فإن فخرتُ فلا زهواً على أحد

بل استفز ضميرا بات غفلانا

ما بين نفسي وبين الظلم أزمنة

ما كنت أطلب فيها العرش سلطانا

لقد تجردتُ حتى صرتُ ملتبسا

بالحق وجهاً وحيداً صار وجهانا

للحق وجهٌ وحيد قد تُترجمُه

اهواؤكم أوجهاً شتى والوانا

إذا المصالح ما ألقت غشاوتَها

فلَفّقوا لسطوع الشمس برهانا

هذا زمان يد الاقوى نُقبّلُها

طوعاً لتَقبَلَ ما نُهديه مجانا

الذل ثوب قصير كيف نلبسه

ونحن أطول خلق الله ابدانا

انا براءة طفل غِيلَ والدُه

وألعقوه دمَ السكين ألبانا

انا ابتسام سليمان لنملته

وطول سجدته لله شكرانا

انا وصايا رسول الله للطلقا

ليطلقوا من قيود الرق بلدانا…

انا انشراح ابي ذر بوحدته

لم يلق في عرض الصحراء دفانا

انا دموع ابي بكر ورقته

يرتل الحزنَ جوف الليل قرانا

انا وصايا ابي حفص لعسكره

لاترهبن خيول الله رهبانا

انا الكنوز التي ابقى ابو حسن

من زهده تلبس الزهاد تيجانا

انا الدماء التي ضحى ليحقنها

بنفسه دم ذي النورين عثمانا

كل القصائد كانت لي وكنت لها

ما خضت يوما عباب البحر قرصانا

أميتي حَفظت أضعافَ ما سَطَرت

أقلامُ غيريَ عُمري كان ديوانا

يا مُرجعا بَصَراً بي كرّتَين ولم

يظفر بأيِّ فطورٍ حسبُكَ الآنا

ساستريح إلى افياء ذاكرتي

استنبط الربح مما عُدَّ خسرانا

بيادر الضعف في يومي سأنثرها

على غدي وغداً تخضر فرسانا

فلم يزل نَفَسُ الصحراء في رئتي

وما ازال ابنَها لحما ووجدانا

زدتُ اكتمالا باخطائي ففيمَ اذاً

أُصغي لوسواسِ أني زدتُ نقصانا

يقول: ها أنت ذا.. لا بأسَ ها أنَذا

راعٍ لمن قد رعى لي أمسِ قُطعانا

كوني كما شئتُ يا دنيا أو انصرفي

فإنني ذَهبٌ ألبِستُ أطيانا

تَزيدُ من لَمَعاني النارُ مُحسنةً

وسوف تُجزى على الاحسان طوفانا

بلحم جوعي وأضلاعي منابرها

علت وتلعنني إن فهتُ شيطانا

حزني مخيفٌ إذا ما نابه غضب

تلمَّسَ الظلم مما شاد أركانا…