“هل يُمكِنُ الفصلُ بينَ العملِ والمؤلِّف؟” بترجمة عربية

لندن – الزمان

يُواصِلُ المترجمُ المغربيُّ الدكتور إدريس الخضراوي سعيَه لتقديم نصوصٍ نقديَّةٍ مهمَّةٍ وجديدةٍ من حيثُ المنطلق النظريّ والإجراء النقديّ. فبعدَ أن صدرَت ترجمتُهُ لكتاب “العَيش في مكتبةِ العالَم” للناقدِ الفرنسيِّ وليم ماركس ضمن “سلسلة نصوص” (2024)، صدرت حديثًا عن دارَ الكتاب الجديد المتَّحدة ترجمتِهِ لكتاب “هل يُمكِنُ الفصلُ بينَ العملِ والمؤلِّف؟” لعالِمةِ الاجتماعِ الفرنسيَّةِ جيزيل سابيرو المولودةِ في باريس عامَ 1965، ومديرةِ الأبحاثِ في كلٍّ من المدرسة العُليا للعلوم الاجتماعيَّة، والمركز الوطنيّ للبحث العلميّ. وتأتي هذه الترجمةُ تتويجًا لثلاثِ سنواتٍ من العملِ الجادِّ من أجل إنجاز ترجمةٍ إلى العربيَّة تطمَحُ لأن تكونَ ترجمةً مثاليَّةً.

وجاء في تقديمه:

هذا الكتابُ مؤلَّفٌ طريفٌ وغيرُ مسبوقٍ في الثقافة العربيَّة المعاصرة، زِدْ على ذلكَ أنَّهُ أوَّلُ عملٍ للباحثة الفرنسيَّة جيزيل سابيرو يُترجَمُ إلى اللغة العربيَّة، بعدَ أن ظهرَ في اللغات الإسبانيَّة والبرتغاليَّة والسويديَّة، وهذا ما سيُتيح للقارئِ العربيِّ مجالَ الاطِّلاعِ على مُنجَزٍ واسعٍ لكاتبةٍ تُسَخِّرُ جهودَها لاستكشاف إشكاليّاتٍ شديدة الأهمِّيَّة والتعقيد، لا في السياقِ الفرنسيِّ فحَسبُ، بل في السياقِ العالميِّ أيضًا؛ وهي إشكاليّاتٌ من قبيل مسؤوليَّة الكاتب، ومفهوم المؤلِّف، والعَلاقة بين الكاتب والعمل، وظهور المؤلِّف بوصفه ثمرةَ الوعي المتزايد بالقوَّة التي تنطوي عليها الكلماتُ، ومبدأ تكريس الكُتّاب الذي صاحبَ إنتاجَ القيمةِ الرمزيَّةِ للأعمال منذ زمن الحركة الرومانسيَّة. والكتابُ يرومُ، زيادةً على ذلك، بناءَ مقاربةٍ مختلفةٍ للنِّقاشات الرّاهنة المتعلِّقة بالأدب والأخلاق في سياقٍ فنِّيٍّ وأدبيٍّ تمارِسُ فيه حركةُ (مي تو) تأثيرًا قويًّا من خلال استهداف الكُتّاب والمخرِجينَ والفنّانينَ الذين يتمتَّعون بالوضع الاعتباريِّ للمبدِع، لكن يطرَحُ بحدَّةٍ على جمهور القُرّاء السّؤالَ المتعلِّقَ بمدى تأثير أفعالِهِم في العَلاقة التي تربطُهم بأعمالهم.

يتألَّفُ الكتابُ من قسمينِ ومقدِّمةٍ وخاتمةٍ وتذييلٍ وثلاثةِ ملاحقَ. أمّا المتنُ المدروسُ في الكتابِ فيضمُّ أعمالًا لفلاسفةٍ وكُتّابٍ وفنّانينَ ونُقّادٍ مُبدِعِينَ في الحقلِ الأدبيِّ والفنِّيِّ العالميِّ، وحاصلينَ على جوائزَ سامقةٍ مثل جائزتَي “نوبل” و”سيزار”. ولمّا كان هذا المتنُ إمّا قد تلوَّثَ بِرؤًى للعالَمِ عنصريَّةٍ أو مُعاديةٍ للآخَر بسبب الدِّين أو الجنس أو العِرق، وإمّا قد انطوى على عُنفٍ رمزيٍّ ضدَّ المرأةِ أو ضدَّ الأطفالِ القُصَّرِ، وإمّا قد أساءَ مُؤلِّفوهُ التصرُّفَ، فارتكبوا أخطاءً شائنةً تستحقُّ الاستنكارَ والإدانةَ، وإمّا كانَ لهم ماضٍ مُحرِجٌ قبل أن يَختَطُّوا مسارًا فكريًّا أو فنِّيًّا ناجحًا – تساءَلَت الباحثةُ في كتابِها عن الموقِفِ الذي ينبَغي اتِّخاذُهُ من هذه الأعمال: أفيَنبغي الاستمرارُ في قراءتها أو مشاهدتها؟ أوَ ينبغي الإبقاءُ على التكريم الذي حَظِيَ به أولئكَ المؤلِّفونَ؟ أم يتعيَّنُ “مَحوُهُم” من المُعتمَد المُكرَّس؟

على هذا الأساس، يمثِّل كتابُ “هل يُمكِنُ الفَصلُ بينَ العملِ والمؤلِّف؟” محاولةً لاستكشاف العَلاقة المعقَّدة بين المؤلِّف والعمل بالاستفادة من عُدَّةٍ نقديَّةٍ ونظريَّةٍ ملائمةٍ تجدُ نقاطَ ارتكازها في مفهوم جان بول سارتر لمسؤوليَّة الكاتب، وتحليل ميشيل فوكو لمفهوم المؤلِّف بوصفِهِ بناءً اجتماعيًّا، فضلًا عن جهود عالِم الاجتماع بيير بورديو فيما يتعلَّق بالعُنف الرمزيِّ الذي قد تنقلُهُ الأعمال من خلال التمثيلات النمطيَّة، والأحكام المُسبقَة على الفئات الاجتماعيَّة الأقلِّيَّة أو الهشَّة. وهو يتناولُ بالتحليل السِّجالاتِ التي دارَت حول هذا المتن، خاصَّةً مع ظهور حركتَي “مي تو” و”ثقافة الإلغاء” اللتَين تُناضلان ضدَّ الهيمنة وسوء استخدام السلطة في مسعًى لتغيير السلوكيّات والتمثيلات التي تقلِّلُ من شأن التابعينَ. ومن المعروف أنَّ حركة (مي تو)، التي تنتشر عبر العالَم بوتيرةٍ متفاوتةٍ، تُشدِّدُ على عدم التسامح مع العُنفِ الرمزيِّ الذي تتناقلُه الأعمالُ أو يُمارَس في حقِّ الأفراد والجماعات في وضعيَّةٍ هشَّةٍ. وبتأثيرٍ من هذه الحركة، احتدم النِّقاشُ في الأعوام الأخيرة بشأن عددٍ من القضايا، منها إدراج اسمَي موراس وسيلين في سجلِّ الذاكرة الوطنيَّة، وكتاب “الدفاتر السوداء” للفيلسوف الألمانيِّ مارتن هايدغر، والتتويج الذي حَظِيَ به رومان بولانسكي وغابرييل ماتسنيف والكاتبُ النمساويّ بيتر هاندكه، وكذلك الماضي المُحرِجُ لمجموعةٍ من الكُتّاب والنُّقّاد مثل غونتر غراس، وهانس روبير ياوس، وبول ديمان، فضلًا عن قضايا معاصرةٍ تخصُّ الكاتِبَينِ ريشار ميّي ورينو كامو صاحب نظريَّة “الاستبدال الكبير”، والفنّان كلود ليفيك.

ومن خلال تحليلٍ مُعمَّقٍ للنّقاشات التي انصبَّت على هذه الأعمال وتحليلِ مَحاضِرِ الحُكمِ الخاصَّةِ بالمحاكماتِ الأدبيَّةِ المشهورةِ، كمحاكمة فلوبير وبودلير والمثقَّفينَ المتعاونينَ مع النازيَّةِ خلال مرحلة الاستقلال، خلصَت الباحثةُ جيزيل سابيرو إلى أنَّ العَلاقةَ بين المؤلِّفِ والعملِ ينبغي أن يُفَكَّرَ فيها من منظورٍ متوازنٍ يُراعي مبدأَي التطابقِ واللاتطابقِ بينَ العملِ ومؤلِّفِهِ، على ما سيقِفُ عليهِ قارئُ هذا الكتابِ الفَريدِ.

وتأمُلُ دارُ الكتاب الجديد أن تمهِّدَ هذه الدراسةُ الطريقَ أمامَ الباحثينَ العربِ المعنيِّينَ بالدراسات الأدبيَّة والنقديَّة والثقافيَّة ليسلُكوا طريقَها وينهجوا سبيلَها في الاضطلاعِ بدراساتٍ تتَّخذُ من الأدباءِ والمفكِّرينَ والفنّانينَ العربِ، ممَّن انطَوَت سِيَرُهُم وسلوكيّاتُهُم في حياتِهم على إشكالاتٍ أخلاقيَّةٍ، حالاتٍ دراسيَّةً تضعُهُم فيها تحتَ مجهرِ النقدِ وتُخضِعُهم لمبضعِ التشريحِ، على أن تكونَ لهؤلاء الباحثينَ أدواتُ النقدِ والتشريحِ اللازمةُ، في مجالاتِ الأدبِ والنقدِ والفلسفةِ وعلمِ الاجتماعِ والأنثروبولوجيا والنقدِ الثقافيِّ وغيرِها ممّا حازَته مؤلِّفةُ كتابِنا هذا باقتدارٍ كبيرٍ.