
طفولة – هدى جاسم
وقفت عند شرفتها التي اطلت على الشارع المزدحم لترى طريقا كانت قد ادرجته في طي النسيان محاولة كبت دموعها وهي تودع ذكرياتها فيه ،فهو طريق مدرستها وهي تركض في صباحاتها مسرعة نحو درس لم تحبه حينها وتشتاق اليه اليوم ،طفولتها لم تكن سهلة ابدا احيانا كانت تدخل مدرستها وهي جائعة وتحلم بقطعة من الخبزوالجبن واحيانا كانت تحلم بدراهم تركض بها نحو بائع يقف عند بوابة المدرسة لتشتري ما اشتهت نفسها كما رفيقاتها ، لكن حلمها عادة ما يصطدم بجيب فارغ وبطن خاوية .
في طريق عودتها الى منزلها كانت تدرك رغم عمرها الصغير انها لن تجد مايكفيها من الطعام لان عائلتها الكبيرة تتقاسمه من يد ام تجلس في زاوية البيت حتى تمتلئ او لاتمتلئ بطون اطفالها لتبقى تلك الام بلا طعام .
لطالما المها سعي والدتها وصبرها اللامحدود على وجع العيش بلا مقومات له ، لكنها كانت دوما تحلم بطريق ستسلكه لتربت على كتف تلك الام وتعينها على الحياة القاسية بعد ان ترك لها عمود بيتها مسؤولية كبيرة لتربية اولاد وبنات صغار .
كانت تحلم بثياب والعاب لم تعلنها ، تحلم بقنينة مملوءة بالعصير امسكته يد زميلة لها التي تدفأت بثوب ثقيل يقيها ذلك البرد الذي جعل اصابعها الغضة ترتجف ، احيانا كانت تبكي ولسرعان ماتجفف دموعها فور رؤية والدتها وهي تنادي عليها او اختها الكبيرة وقد صنعت لها ثوبا جميلا من بقايا ثياب قديمة لم تعرف هويتها ، سعادتها مازالت ترتسم على محياها وهي تتذكر ذلك الثوب الاخضر المطرز بالابيض وقد خاطته شقيقتها بعناية فائقة لتكون اجمل طفلة في العيد الذي يتبارى الاطفال فيما بينهم بجمال ثيابهم .
مرت السنوات والشرفات تطل على الشارع المزدحم ، غاب وجه الام وكبر الصغار بعضهم غادر واخر مرض ومنهم من كان يحمل حزن الفقد ويراقب ثياب الحداد وهي تتكرر على جسده دون الوان خضر تطري بعض سنواته القادمة .
كبرت الصغيرة وكانت تشتري الطعام من موارد عملها وتلبس ثياب حداد على ماكان وعلى ماتبقى دونهم ، لم يكن للطعام ذلك الجوع واللهفة لالتهامه ،ولم تكن للثياب اي وقاية من برد او خوف قادم ، فقدت الصغيرة التي كبرت حلمها بعائلة تسربت نحو العالم الاخر قبل ان تدرك الفرح معهم فكان عالمها الجديد شرفات بلا وطن وحركة اناس بلا ارتباط بها وثياب معلقة في دولاب ذاكرتها لا تستطيع ارتدائها دونهم .
مابقي في الذاكرة وتتلهف له كل يوم ثوب اخضر خاطته شقيقتها وعلبة عصير في يدزميلتها وصحن فارغ ينتظر ان تملؤه ام صابرة .
فرغم الوجع الذي مر على طفولتها لكنه وجع حميم يضم ذاكرة ملؤها الحب والايثار وخطوات لا يمكن لاي انسان قادم على عالمها ان يملؤه فلا احد يشبه الام ولا الاخت ولا الاخ ، فالعالم دونهم فارغ قد يتلاشى في اي وقت .
























