تلك‭ ‬الجسور‭ ‬الواهنة‭ ‬بين‭ ‬البشر- كامل عبدالرحيم

لا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬اختار‭ ‬أهلي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬دوامي‭ ‬في‭ ‬المتوسطة‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬درس‭ ‬فيها‭ ‬اخوتي،‭ ‬فكانت‭ ‬متوسطة‭ ‬بغداد‭ ‬وهي‭ ‬بعيدة‭ ‬نسبيا‭ ‬عن‭ ‬بيتنا‭ ‬فهي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬دراغ‭ ‬وبيننا‭ ‬وبين‭ ‬حي‭ ‬دراغ‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلاثة‭ ‬أو‭ ‬أربعة‭ ‬كيلومترات‭ ‬أقطعها‭ ‬مشيا‭ ‬ذهابا‭ ‬وايابا‭ ‬وعلى‭ ‬العموم‭ ‬وحدي‭ ‬وربما‭ ‬هذا‭ ‬منحني‭ ‬فرصة‭ ‬للتأمل‭ ‬والتفكير‭ ‬مبكرا،‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أقطع‭ ‬منطقة‭ ‬اسطبلات‭ ‬الخيول‭( ‬الطوايل‭) ‬والتي‭ ‬تحولت‭ ‬لاحقا‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬المركزية‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬مول‭ ‬المنصور‭ ‬بعدها‭ ‬وعبورا‭ ‬للشارع‭ ‬العام‭ ‬أقطع‭ ‬منطقة‭ ‬خلاء‭ ‬هي‭ ‬الآن‭ ‬حي‭ ‬سكني‭ ‬مزدهر‭ ‬حتى‭ ‬الوصول‭ ‬لمدرستي‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬ملاصقة‭ ‬لبيت‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬طاهر‭ ‬يحيى‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬حماية‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ابنه‭ ‬غسان‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬أما‭ ‬بناته‭ ‬فقمة‭ ‬في‭ ‬الأناقة‭ ‬والأخلاق‭ ‬وكن‭ ‬جميلات‭ ‬جدا‭ ‬كما‭ ‬كنت‭ ‬أراهن‭ ‬حينها‭. ‬تذكرت‭ ‬اليوم‭ ‬بعض‭ ‬الأسماء‭ ‬أو‭ ‬الأصدقاء‭ ‬كونها‭ ‬اندثرت‭ ‬أو‭ ‬اختفت‭.‬

رياض‭ ‬يوسف‭ ‬وشؤذب‭ ‬محمد‭ ‬ومؤيد‭ ‬وعنان‭ ‬وغيرهم،‭ ‬رياض‭ ‬يوسف‭ ‬ربما‭ ‬أصبح‭ ‬صديقا‭ ‬مقربا‭ ‬لفترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬وهيأته‭ ‬مميزة‭ ‬بنحافته‭ ‬وأنفه‭ ‬المعقوف‭ ‬بشكل‭ ‬ملفت‭ ‬وكان‭ ‬يأتي‭ ‬للمدرسة‭ ‬من‭ ‬حي‭ ‬أبعد‭ ‬مني،‭ ‬من‭ ‬حي‭ ‬الداوودي‭ ‬كما‭ ‬أتذكر‭ ‬أما‭ ‬شؤذب‭ ‬أو‭ ‬شوذب‭ ‬باسمه‭ ‬الغريب‭ ‬فكان‭ ‬بيتهم‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬الأميرات‭ ‬وانقطع‭ ‬عن‭ ‬الدراسة‭ ‬وربما‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬دوامه‭ ‬لعام‭ ‬دراسي‭ ‬واحد‭ ‬لكن‭ ‬جرس‭ ‬اسمه‭ ‬ظل‭ ‬يرن‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬وكم‭ ‬تابعت‭ ‬أو‭ ‬سألت‭ ‬عن‭ ‬أحواله‭ ‬عبثا،‭ ‬شوذب‭ ‬تعني‭ ‬الرجل‭ ‬الطويل‭ ‬المهيب‭ ‬حسن‭ ‬الخلقة‭ ‬لغويا‭ ‬لكنه‭ ‬اسم‭ ‬لأحد‭ ‬أصحاب‭ ‬الحسين‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وهو‭( ‬شوذب‭ ‬مولى‭ ‬شاكر‭)‬،‭ ‬من‭ ‬اسمه‭ ‬توقعت‭ ‬انتماءه‭ ‬لإحدى‭ ‬العوائل‭ ‬الدينية‭ ‬الشيعية‭ ‬وبعد‭ ‬السقوط‭ ‬تعقبته‭ ‬بفضولي‭ ‬وأظنني‭ ‬وجدته‭ ‬قريبا‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الحكم‭ ‬والله‭ ‬أعلم‭. ‬رياض‭ ‬يوسف‭ ‬أيضا‭ ‬انقطعت‭ ‬أخباره‭ ‬بحكم‭ ‬المشارب‭ ‬والثقافات‭ ‬والانتماءات‭ ‬لاسيما‭ ‬وأني‭ ‬أكملت‭ ‬دراستي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المضارب،‭ ‬حتى‭ ‬وقعت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬باسمه‭ ‬وأنفه‭ ‬ونحافته‭ ‬زائدا‭ ‬لحية‭ ‬إسلامية‭ ‬فلقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬قياديي‭ ‬الحزب‭ ‬الإسلامي‭ ‬وفي‭ ‬صباح‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬بينما‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬سيارتي‭ ‬قاصدا‭ ‬عبور‭ ‬جسر‭ ‬الجمهورية‭ ‬لمحته‭ ‬ينزل‭ ‬من‭ ‬سيارته‭ ‬الحديثة‭ ‬بالدفع‭ ‬الرباعي‭ ‬التي‭ ‬توقفت‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬تفتيش‭ ‬المنطقة‭ ‬الخضراء‭ ‬الرئيسي‭ ‬أو‭ ‬الوحيد‭ ‬يومها‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬مستشفى‭ ‬الطفل‭ ‬القديم‭ ‬نزل‭ ‬برما‭ ‬من‭ ‬بطء‭ ‬سير‭ ‬الطابور‭ ‬ونادى‭ ‬على‭ ‬الجندي‭ ‬المكلف‭ ‬بالتفتيش‭ ‬ومعه‭ ‬كلب‭ ‬كي‭ ‬ناين،‭ ‬وأخرج‭ ‬له‭ ‬بطاقة‭ ‬هويته‭ ‬فجعله‭ ‬الجندي‭ ‬يمر‭ ‬تجاوزا‭ ‬للدور‭ ‬عبر‭ ‬طريق‭ ‬خاص‭ ‬وأظنه‭ ‬رشح‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬انتخابات‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يفز‭ ‬كان‭ ‬مقربا‭ ‬لواحد‭ ‬من‭ ‬اثنين،‭ ‬طارق‭ ‬الهاشمي‭ ‬أو‭ ‬رافع‭ ‬العيساوي‭ ‬والاثنان‭ ‬تم‭ ‬اقصاؤهما‭ ‬بتهمة‭ ‬الإرهاب‭ ‬فتركوا‭ ‬صدارة‭ ‬المشهد‭ ‬وكذلك‭ ‬رياض،‭ ‬ربما‭ ‬أصبح‭ ‬سفيرا‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬المواساة‭.‬

الشخص‭ ‬الثالث،‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بانثيال‭ ‬ما‭ ‬جاور‭ ‬الذاكرة‭ ‬وما‭ ‬ناظرها‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بمتوسطة‭ ‬بغداد‭ ‬ولكن‭ ‬بشيء‭ ‬قريب‭ ‬منها،‭ ‬إنه‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭.‬

في‭ ‬أول‭ ‬زيارة‭ ‬لي‭ ‬لأوروبا،‭ ‬سلكت‭ ‬الطريق‭ ‬البري،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭ ‬1976‭ ‬فقطعت‭ ‬تذكرتي‭ ‬لركوب‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬السيارات‭ ‬الطويلة‭ ‬والتي‭ ‬تتسع‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬راكبا‭ ‬من‭ ‬مرأب‭ ‬الصالحية‭ ‬الشهير،‭ ‬كنت‭ ‬وحيدا‭ ‬متوحدا‭ ‬وشعار‭ ‬السفرة‭ ‬الاستشفاء‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬الربو‭ ‬الذي‭ ‬أنهكني‭ ‬حينها‭ ‬وكان‭ ‬الراكبون‭ ‬مزيجا‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬وفتيات‭ ‬وعائلات‭ ‬زهت‭ ‬لها‭ ‬الحياة،‭ ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬شهيق‭ ‬لهواء‭ ‬الاستقرار‭ ‬النسبي‭ ‬والرخاء‭ ‬الملحوظ‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬وقوة‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬العراقي‭ ‬واختار‭ ‬لي‭ ‬الحظ‭ ‬الجلوس‭ ‬قرب‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬يكبرني‭ ‬بالعمر‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬تقريبا‭ ‬بلحيته‭ ‬وزيه‭ ‬الديني‭ ‬التقليدي،‭ ‬تحرر‭ ‬من‭ ‬جبته‭ ‬ووضعها‭ ‬بعناية‭ ‬في‭ ‬خزانة‭ ‬المسافرين‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬فوق‭ ‬رؤوس‭ ‬المسافرين،‭ ‬اختار‭ ‬الجلوس‭ ‬قرب‭ ‬النافذة‭ ‬فلم‭ ‬اعترض‭ ‬ولي‭ ‬طريقتي‭ ‬بقتل‭ ‬ثقالة‭ ‬الوقت‭ ‬الطويل‭ ‬للرحلة‭ ‬وهو‭ ‬أربعون‭ ‬ساعة‭ ‬بالتمام‭ ‬والكمال‭ ‬وكان‭ ‬يقود‭ ‬السيارة‭ ‬سائقان‭ ‬يتناوبان،‭ ‬يتكلمان‭ ‬التركية‭ ‬والعربية،‭ ‬كانا‭ ‬علويين‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬ماردين‭ ‬كما‭ ‬رأيت‭ ‬لاحقا‭.‬

كانت‭ ‬حقيبتي‭ ‬متقشفة‭ ‬وزادي‭ ‬للرحلة‭ ‬كتابين‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬كتاب‭ ‬واحد‭ ‬بجزأين،‭ ‬كتاب‭( ‬اللامذكرات‭ ) ‬لأندريه‭ ‬مالرو،‭ ‬كنت‭ ‬مازلت‭ ‬مأخوذا‭ ‬بروايته‭( ‬الوضع‭ ‬البشري‭ ) ‬رغم‭ ‬طبعتها‭ ‬التجارية‭ ‬وكيف‭ ‬يصف‭ ‬البطل‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني‭( ‬قتله‭) ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬وطريقة‭ ‬نفاذ‭ ‬السكين‭ ‬لطبقات‭ ‬لحم‭ ‬القتيل‭ ‬بحسم‭ ‬وهدوء،‭ ‬تتحدث‭ ‬رواية‭ ‬مالرو‭ ‬عن‭ ‬إجهاض‭ ‬الثورة‭ ‬الشيوعية‭ ‬الصينية‭ ‬عام‭ ‬1927‭ ‬على‭ ‬حزب‭ ‬الكومينتانغ‭ ‬بقيادة‭ ‬شايك‭ ‬آن‭ ‬شيك،‭ ‬اللامذكرات‭ ‬مجلدان‭ ‬بغلاف‭ ‬سميك‭ ‬أخضر‭ ‬يخفي‭ ‬عنوان‭ ‬وأسرار‭ ‬الكتاب،‭ ‬لطالما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬يثير‭ ‬الاحترام‭ ‬الخفيف‭ ‬وكثيرا‭ ‬من‭ ‬اللاجدية‭ ‬وبعض‭ ‬السخرية،‭ ‬لكني‭ ‬أصر‭( ‬ومازلت‭ ) ‬على‭ ‬عادتي‭ ‬لأنها‭ ‬تكون‭ ‬كحاجز‭ ‬يفصلني‭ ‬ويحميني‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭. ‬ونظرا‭ ‬لطول‭ ‬الطريق‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬بعض‭ ‬الحوارات،‭ ‬فكانت‭ ‬مع‭ ‬أبي‭ ‬منجد‭ ‬ومع‭ ‬شلة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬بعمري‭ ‬تجلس‭ ‬قربنا‭ ‬وحولنا‭ ‬أخذت‭ ‬بالضحك‭ ‬والتصفيق‭ ‬والمرح،‭ ‬عرفني‭ ‬الشيح‭ ‬بنفسه‭( ‬أبو‭ ‬منجد‭ ) ‬وأعجبني‭ ‬فيه‭ ‬عدم‭ ‬تطفله‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أقرأ‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تكهن‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬واضح‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬أقرؤه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دينيا‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬تقليديا،‭ ‬بالطبع‭ ‬تجنبت‭ ‬حمل‭ ‬كتاب‭ ‬من‭ ‬العناوين‭ ‬المباشرة‭ ‬مثل‭( ‬الشيوعية‭ ‬والإرهاب‭ ) ‬لتروتسكي‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬شدني‭ ‬بابتكاره‭ ‬لمنظومة‭ ‬أخلاق‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الأخلاق‭ ‬الرأسمالية‭ ‬وكذلك‭ ‬التقليدية‭.‬‭ ‬سرى‭ ‬دفء‭ ‬إنساني‭ ‬غريب‭ ‬وخافت‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬أبي‭ ‬منجد‭ ‬وكذلك‭ ‬للغرابة‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬شلة‭ ‬الشباب‭ ‬الضاحكة‭ ‬وعلى‭ ‬مايبدو‭ ‬بدفع‭ ‬من‭ ‬أبي‭ ‬منجد‭ ‬نفسه‭ ‬ولما‭ ‬وصلنا‭ ‬اسطنبول‭ ‬كانت‭ ‬صداقتي‭ ‬لأبي‭ ‬منجد‭ ‬أكثر‭ ‬جدية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬اتركه‭ ‬ويتركتي‭ ‬ونمضي‭ ‬فذهبنا‭ ‬لفندق‭ ‬واحد،‭ ‬أنا‭ ‬وأبو‭ ‬منجد‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬واحدة‭ ‬وبقية‭ ‬الشلة‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬أخرى‭ ‬أو‭ ‬غرفتين،‭ ‬لم‭ ‬يسألني‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭ ‬أو‭ ‬يحثني‭ ‬على‭ ‬الصلاة‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬محتسيا‭ ‬للكحول‭ ‬وقتها‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬غايتي‭ ‬للسفر‭ ‬لم‭ ‬أفصح‭ ‬عنها‭ ‬عملا‭ ‬بمقولة‭ ‬قرأتها‭ ‬لأبي‭ ‬الحسن‭( ‬أكتم‭ ‬أمر‭ ‬ذهبك‭ ‬وذهابك‭ ‬و‭ ‬مذهبك‭ ) ‬لا‭ ‬ذهب‭ ‬عندي‭ ‬حتى‭ ‬أخفيه‭ ‬فحافظت‭ ‬على‭ ‬مذهبي‭ ‬بين‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬وشلة‭ ‬ماجنة‭ ‬ولم‭ ‬أفصح‭ ‬عن‭ ‬وجهتي‭ ‬وهي‭ ‬ركوب‭ ‬قطار‭ ‬الشرق‭ ‬السريع‭ ‬الذي‭ ‬قرأت‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬روايات‭( ‬أجاثا‭ ‬كريستي‭) ‬معكوسا،‭ ‬في‭ ‬اليومين‭ ‬أو‭ ‬الثلاثة‭ ‬التي‭ ‬قضيتها‭ ‬في‭ ‬اسطنبول‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬يوزع‭ ‬الوقت‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬الشلة‭ ‬هو‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭ ‬نفسه‭ ‬ولما‭ ‬حزمت‭ ‬الشلة‭ ‬أمرها‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬تقسيم‭( ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اسطنبول‭ ‬بتلك‭ ‬الهيأة‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬اليوم‭ ‬وكان‭ ‬شارع‭ ‬تقسيم‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬زقاق‭ ‬للدعارة‭ ‬المعلنة،‭ ‬حيث‭ ‬يقف‭ ‬القوادون‭ ‬الأتراك‭ ‬بشواربهم‭ ‬الغليظة‭ ‬وأطوالهم‭ ‬الفارعة‭ ‬وأصواتهم‭ ‬الجهيرة‭ ‬وهم‭ ‬يعلنون‭ ‬عن‭ ‬بضاعتهم‭ ‬وراء‭ ‬الفاترينات‭ ‬الزجاجية‭ ‬فتتكدس‭ ‬طبقات‭ ‬اللحم‭ ‬العارية‭ ‬وتطل‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أزواج‭ ‬من‭ ‬العيون‭ ‬البشرية‭ ‬وهي‭ ‬تحكي‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬الجنس‭ ‬والرغبة،‭ ‬حث‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭ ‬مجموعة‭ ‬الشباب‭ ‬أن‭ ‬يضغطوا‭ ‬علي‭ ‬ويأخذوني‭ ‬معهم‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬البغاء،‭ ‬ذهبت‭ ‬وفي‭ ‬ذهني‭ ‬إشباع‭ ‬فضولي‭ ‬وليس‭ ‬رغبتي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬بعد‭ ‬موضوعها،‭ ‬نالت‭ ‬الشلة‭ ‬وطرها‭ ‬ودفعت‭ ‬حساب‭ ‬متعتها‭ ‬السريعة‭ ‬وأنا‭ ‬أتهرب‭ ‬منهم‭ ‬بحجة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الأفضل‭ ‬ولما‭ ‬عدنا‭ ‬تحدثت‭ ‬الشلة‭ ‬لأي‭ ‬منجد‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬العشاء‭ ‬عن‭ ‬عزوفي‭ ‬بالقول‭( ‬كامل‭ ‬لم‭ ‬يعجبه‭ ‬شيئا‭ ) ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬التالي‭ ‬وقبل‭ ‬خروجنا‭ ‬للفطور‭ ‬وبعد‭ ‬التمام‭ ‬من‭ ‬صلاته‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬أبو‭ ‬منجد،‭ ‬كنت‭ ‬متأكدا‭ ‬أنت‭ ‬ليس‭ ‬مثلهم،‭ ‬أنت‭ ‬مختلف‭ ‬يا‭ ‬كامل،‭ ‬كنت‭ ‬حجزت‭ ‬تذكرتي‭ ‬لركوب‭ ‬القطار‭ ‬ولما‭ ‬ودعني‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭ ‬تبادلنا‭ ‬العناوين‭ ‬و‭ ‬بعض‭ ‬الأسرار،‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭ ‬أنه‭ ‬يدرس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬ودرس‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬إعدادية‭ ‬المنصور‭ ‬وبدوري‭ ‬أعطيته‭ ‬مكان‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬الشورجة‭ ‬وكنت‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أعود‭ ‬إليه،‭ ‬وبعد‭ ‬عودتي‭ ‬وربما‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬أقبل‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭ ‬متهللا‭ ‬وجبته‭ ‬تتلاعب‭ ‬بأذيالها‭ ‬رياح‭ ‬تهب‭ ‬من‭ ‬دجلة‭ ‬عبر‭ ‬شارع‭ ‬السموأل‭ ‬فخرجت‭ ‬له‭ ‬وتعانقنا‭ ‬وفعل‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬مرة،‭ ‬عرفت‭ ‬عنه‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬كما‭ ‬ظننت‭ ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬عن‭ ‬باطنيتي‭ ‬غير‭ ‬اغترابي‭ ‬كما‭ ‬قدرت،‭ ‬واختفى‭ ‬أو‭ ‬تباعدنا،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بعد‭ ‬انغماسي‭ ‬في‭ ‬عالمي‭ ‬الملتبس‭ ‬بالصداقة‭ ‬واللهو‭ ‬والثورة‭. ‬كنت‭ ‬أميل‭ ‬للترجيح‭ ‬بأن‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭ ‬مات‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬أصادفه‭ ‬أبدا‭ ‬حتى‭ ‬2003،‭ ‬وكحال‭ ‬رياض‭ ‬يوسف‭ ‬ظهر‭ ‬على‭ ‬شريط‭ ‬الأخبار‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمر‭ ‬على‭ ‬عابر‭ ‬سبيل‭ ‬لكني‭ ‬أمسكت‭ ‬بها،‭ ‬ظهر‭ ‬أبو‭ ‬منجد‭ ‬وباسمه‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬فاتني‭ ‬الآن‭ ‬ومنصبه‭ ‬كونه‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬الشورى‭ ‬الضيقة‭ ‬القيادية‭ ‬للحزب‭ ‬الإسلامي،‭ ‬رأيته‭ ‬في‭ ‬شريط‭ ‬الحياة‭ ‬وهو‭ ‬يتلوى‭ ‬وبين‭ ‬الأخبار‭ ‬وكأنه‭ ‬يتوارى‭ ‬خجلا‭ ‬مني،‭ ‬من‭ ‬صديقه‭ ‬الشاب‭ ‬الشيوعي‭ ‬والذي‭ ‬دفعه‭ ‬بعمامته‭ ‬وجبته‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الدعارة‭ ‬فخرج‭ ‬منه‭ ‬كما‭ ‬دخل‭ ‬مثلما‭ ‬سيخرج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬كما‭ ‬دخل‭.‬