ذكرياتي مع الخامس من أيلول- د مناف حسن العلي

مناف حسن العلي

د. مناف حسن العلي

في ٥/٩/٢٠٢٥

للتاريخ فقط: بمناسبة تاريخ هذا اليوم ” الخامس من أيلول”  أعادتني الذاكرة الى نفس التاريخ ولكن لسنوات أخرى. وددت أن أشارك به أصدقائي وهو ما حدث في ٥ /٩/ ١٩٥٨ وما حدث في ٥ /٩/ ١٩٦٤

شاء القدر أن يرتبط كلا الحدثين بالعلاقة بين عبدالسلام محمد عارف والبعثيين.

في صيف عام ١٩٥٨ كنت قد أنهيت دراسة المرحلة الابتدائية في مدرسة المنصور الإبتدائية في مدينة السماوة حيث كان المرحوم الوالد قاضياً في المدينة.

كانت المدينة تتكون من جانبين يفصل بينهما نهر الفرات . الجانب الصغيراسمه حي القشلة يسكنه معظم الموظفين ويطلق عليه أبناء السماوة صوب السنة لوجود عوائل سنية تعيش في هذا الجانب منذ القدم أمثال عائلة آل الإمامي وآل قدوري وآل الدهان وخطيب جامع السنة محمد صالح وآخرين غيرهم. وكنا أيام عاشوراء نذهب الى الجانب الآخرالكبير لمشاهدة المواكب الحسينية حيث تسير قرب الجسرالخشبي القديم.

كان الناس في المدينة يعيشون في صفاء وأخوَّة ومحبة. لم نكن نعرف الفرق بين الطوائف ولا وجود لإنقسامات سياسية بين أهل المدينة إلى أن وقع ما لم يكن في الحسبان حين قامت حركة ١٤ تموز ١٩٥٨ ، فإذا بهذا المجتمع المسالم ينقسم فجأة الى قسمين ، قسم يؤيد التيار الشيوعي وقسم يؤيد التيار القومي والبعثي. فأصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم.

وكان لهذا الإنقسام أثره علينا ونحن لما نزل في سن مبكرة من عمرنا. كل منا تأثر ببيئته  أو عائلته. ولكون والدي من مؤسسي حزب الاستقلال ذو التوجه القومي والوحدوي، بزعامة المرحوم مهدي كبة فقد ترك أثره عليَّ وعلى إخواني الآخرين. مما جعلنا نلج عالم السياسة مبكراً دون أن نفقه شيئاً عنها.

كان عبدالكريم قاسم رئيس الوزراء ووزير الدفاع يمثل التيار الشيوعي المنادي بالتعاون مع الإتحاد السوفيتي وعبدالسلام عارف نائبه ووزير الداخلية يمثل التيارالقومي المنادي بالوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة بزعامة جمال عبدالناصر. كان كل ذلك مفهومنا عن السياسة وكنا نحن الطلبة ندخل في سجالات ومشاحنات في متوسطة السماوة تصل أحياناً الى الإشتباك بالأيدي بعد أن كنا متحابين قبل بضعة أشهر.

بالعودة الى عنوان المقال فقد حدث الخلاف ببن زعيمي الحركة فآصدرعبدالكريم قاسم آمراً بإعفاء عبدالسلام من جميع مناصبه وتعيينه  سفيراً للعراق في ألمانيا الغربية. رفض الإمتثال لهذا القرار أولا ثم أقنعه بعض إصدقائه أنَّ هذا الإبعاد مؤقتاً وسيعود بعد بضعة أشهر.

أصيب التيار القومي بإنتكاسة شديدة مما زاد من أستقواء التيار الآخر وازداد في تنمره علينا وإضطهاده لنا.

جرت محاولة لإصلاح ذات البين بين الزعيمين من قبل رفاقهم الضباط وتقرر أن يعود عبدالسلام عارف الى العراق في ٥/٩/١٩٥٨ ليأخذ مكانه مجدداً في قيادة الحكومة، الأمر الذي أعطانا بعض الدفع وجعلنا نتطلع الى ذلك اليوم بشغف من أجل استعادة هيبتنا كتيار قومي. لكن الذي حدث عكس ذلك تماماً حيث أُتهم عبدالسلام بعد عودته بمحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم فزُج به في السجن.

أنطلقت في ذلك اليوم مظاهرة كبيرة يقودها الحزب الشيوعي كان هتافها خمسه بالشهر ماتوا البعثية أي يوم ٥/٩. توقفت المظاهرة أمام دارنا وألقى البعض الحجارة على الباب مما أضطر الشرطة للتدخل لإبعاد المتظاهرين عن دارنا.

دارالزمان دورته فحدثت حركة ٨ شباط ١٩٦٣ وأُعدم عبدالكريم قاسم وجيء بعبدالسلام عارف ليصبح رئيسا للجمهورية العراقية .

لم تمضِ سوى تسعة أشهر حتى دبَّ الخلاف بين قيادة البعث لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا فاستغل عبد السلام هذا الخلاف فقام بحركة عسكرية سُميت بالتصحيحية في ١٨ تشرين الثاني ١٩٦٣ شارك جناح من البعث معه وعلى رأسهم أحمد حسن البكر وطاهر يحيى وحردان التكريتي وآخرين غيرهم.

بعد أن تمكن عبدالسلام من الأمر أبعد البعثيين من الحكم فأطلق البعثيين على الحركة ردة تشرين.

ظل َّ حزب البعث نادماً لإشراكه عبدالسلام عارف في ٨ شباط وإعطاءه منصب رئيس البلاد. فكان يتحين الفرص للإنقضاض على عبدالسلام والعودة للحكم بأي طريقة. شكَّل الحزب جهازاً سرياً أسماه جهاز حُنين للتهيئة للإنقلاب على عبدالسلام. حُدد يوم ٥/٩/١٩٦٤ لتنفيذ الإنقلاب. أكتشف النظام االمحاولة الإنقلابية بسبب بعض الوشايات فأنقض على معظم أعضاء تنظيم الحزب وجهاز حنين فزُج بهم في السجون فكان يوم ٥/٩/١٩٦٤ يوم شؤم بالنسبة للبعثيين ويوم فراق نهائي مع عبدالسلام عارف.

وهكذا هي الآيام. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين.

ما أكثر العِبر وما أقل من يعتبر.