الطَّرقُ على أسفلِ جدران دِمشق – مروان ياسين الدليمي

مروان ياسين الدليمي

عام 1982 نشرت صحيفة “يدعوت أحرنوت”الإسرائيلة،وثيقة بعنوان “كيفونيم” كانت عبارة عن مخطط شامل لتقسيم معظم الدول العربية إلى دويلات صغيرة على أسس طائفية وعرقية ومذهبية وقومية، ولم تسلم من التقسيم في هذه الوثيقة،دول مثل مصر والسعودية والمغرب والجزائر والسودان إلى جانب العراق وسوريا واليمن ولبنان . اعتمدت الوثيقة على أفكار سبق أن طرحها برنارد لويس المفكر اليهودي البريطاني الأصل والأميركي الجنسية في مطلع سبعينات القرن الماضي بعد الأزمة الاقتصادية التي عانت منها الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوربية نتيجة للقرار الذي اتخذته المملكة العربية السعودية بقطع إمدادات النفط عنهم بسبب دعمهم لإسرائيل في الحرب التي اشتعلت بينها وبين مصر وسورية في تشرين الأول(أكتوبر) 1973. أفكار لويس كانت عبارة عن استراتيجية مستقبلية، لما يجب أن تكون عليه البلدان في المنطقة العربية من وجهة نظره وفقا لمصالح الغرب وأمنه . والنقطة الأهم في أفكاره أنه دعا إلى تقسيم الدول العربية إلى دويلات صغيرة على أسس دينية وعرقية ومذهبية،لكي تضعف وتصبح غير قادرة على أن تهدد مصالح الغرب وأسرائيل، ويسهل بالتالي السيطرة عليها دون حاجة للدخول في حروب ضدها .
بداية المشروع
عند مجيء جيمي كارتر إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية عام 1977 (توفي عام 2024 )وضِعَ مشروع لويس على مكتب الرئيس، من قبل مستشار الأمن القومي زبينغو بريجنيسكي وتم مناقشة أفكاره،وفي ما بعد أصبحت بمثابة خارطة طريق تعمل على تنفيذها الإدارات الأميركية،وفق خطط زمنية مدروسة طويلة الأمد، وشكلت جوهر سياسات أميركا في المنطقة العربية،وأس علاقاتها السرية مع قوى وجماعات مختلفة الأعراق والانتماءات كانت تتحرك بالضد من منظومة السلطات الرسمية المركزية في العواصم العربية .
زمن الشروع
جاء وقت تحويل هذه الافكار إلى خطط عمل مع وصول الرئيس الأميركي رونالد ريغان الى البيت الأبيض عام 1980 الذي تزامن – يا للصدف العجيبة – مع سقوط نظام الشاه في طهران ووصول الخميني إلى سدة الحكم ،ومن ثم اشتعال الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988 ) .
هذان الحدثان ليس مستبعدا أن يكون كانا نقطة الإرتكاز للشروع في تنفيذ أفكار لويس،خاصة وأن مجيء نظام الملالي أحدث ارتجاجا في العالم العربي والإسلامي،مما اتاح الفرصة وهيأ المناخ لانتعاش وتمدد الجماعات الأصولية الإسلامية المتشددة السنية والشيعية بشكل غير مسبوق،كما أن الحرب بين إيران والعراق التي استمرت ثمان سنوات،استنزفت قدرات البلدين البشرية والاقتصادية ومزقت البنى الاجتماعية . ويمكن القول أن خطورة هذه الحرب تكمن في أنها أول حرب مذهبية وأطولها بين المسلمين في القرن العشرين، وإنْ تم تغطيتها من قبل الطرفين المتحاربين بعناوين قومية من جهة العراق وأيدلوجيا عقائدية ثورية من جهة إيران .
تداعيات الحرب العراقية الايرانية
تداعيات تلك الحرب كانت كارثية على العلاقات بين الدول العربية،حيث تصدَّعت جدران الأخوّة ِالقومية تبعا لموقف النظام الحاكم من الطرفين المتحاربين، فهناك دول اصطفت إلى جانب العراق مثل المملكة الأردنية واليمن ودول الخليج العربي، بينما انهارت جسور الثقة بين العراق ودول عربية أخرى . فتسممت الأجواء كثيرا مع نظام البعث في سوريا أكثر مما كانت عليه قبل الحرب،كذلك اختارت حكومتا ليبيا والجزائر الوقوف إلى جانب إيران سياسيا وعسكريا مثلما كان عليه موقف النظام في سورية. ولم تسلم أيضا من تداعيات الحرب علاقات العراق مع دول أخرى مثل مصر،وكان ذلك في أخريات أيام السادات قبل اغتياله في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981 مع أن العلاقات بين البلدين كانت مقطوعة قبل الحرب بسبب رفض العراق للزيارة التي قام بها السادات إلى إسرائيل للفترة من 19 إلى 21 تشرين الثاني(نوفمبر) 1977 ومن ثم توقيعه معاهده السلام مع مناحيم بيغن رئيس الوزراء الأسرائيلي في منتجع كامب ديفيد وبرعاية الولايات المتحدة الأميركية في 26 آذار(مارس) 1979،واصبحت الإتفاقية مرجعية ثابتة،تنتظم بموجبها العلاقات والالتزامات المتبادلة بين مصر وإسرائيل وعلى أساسها يتم حل أية خلافات قد تنشأ بينهما في المستقبل .
الشرخ بات عميقا

إذا كانت خطوة السادات بمثابة أول شرخ في ما يسمى بالعلاقات العربية – العربية، فإن الحرب العراقية الإيرانية كانت الفأس الذي نزل بكل عنف ليوسِّع هذا الشرخ حتى لم يعد ممكنا ترميمه وإصلاحه.

وبعد 2 آب 1990 عندما غزا الجيش العراقي دولة الكويت كان من الطبيعي أن نشهد الفصل الأخير لتشظي العلاقات بين الدول العربية. وتهيأ الظرف لتحقيق أفكار لويس ;بالسيطرة على المنطقة العربية ومنع قيام أي تحالف يهدد مصالح أميركا والغرب،والعمل على تفتيت دولها ومجتمعاتها إلى كيانات أقلياتية صغيرة،وذلك بالطَّرق على”أسفل الجدار” حسب المصطلح الذي أطلقه بريجنسكي(للمزيد عن هذا الموضوع يمكن العودة إلى كتاب بريجنسكي الموسوم”رقعة الشطرنج الكبرى “الصادر عام 1997) وكان يقصد بأسفل الجدار؛ الأقليات ،أو المناطق الرخوة حسب تعبيره،والطَرق هنا يأتي بمعنى تجيش المشاعر الأقلياتية وإطلاقها للعلن عبر سبل مختلفة، والتأكيد عليها في جميع اللقاءات الرسمية مع الرؤوساء والمسؤولين الحكوميين في الدول العربية،والعمل بكل أصرارعلى تسيس الفكرة في مقابل تغييب فكرة المواطنة عن كل الطروحات التي ترد على لسان الساسة الاميركان والأوربيين في اللقاءات والمؤتمرات التي تعقد مع نظرائهم من الساسة العرب.وبدأ الغرب يستثمر في مشروع حقوق الأقليات ليس بهدف إنصافهم وتوفير الضمانات لهم حتى لايتعرضوا إلى التهجير والقتل كما حدث في أخريات الدولة العثمانية قبل سقوطها ، إنما لانتاج سبل ديمومة الفوضى والخراب وإشاعة عدم الإستقرار في جميع دول المنطقة دون استثناء .

الحشر في زاوية ضيقة

الحديث المُسيس عن الأقليات من قبل الغرب تتصاعد وتيرته عند اشتداد الأزمات وحصول اضطرابات وفوضى بعد أي تغيير سياسي تشهده أي دولة من دول المنطقة .عندها يتم سحبه من الدرج وتفريغه من محتواه الثقافي واختزاله في السياق السياسي . هذا التعامل المسيس سيفضي إلى تخندقات أقلياتية دائما ما تجعلها متشنجة ومستفزَّة مذهبيا وقوميا وطائفيا إزاء السلطة المركزية باعتبارها تمثل الأغلبية،والنتيجة اختناق الأقليات بمشاعر يسودها الخوف والتشكيك وعدم الثقة بالآخرين من شركاء الوطن، بالتالي تتجرد كل أقلية من هويتها الوطنية الجامعة،وتحشر نفسها في زاوية ضيقة تعلوها جدران تعزلها عن غيرها. بينما الخلاص الآمن والوحيد يأتي عن طريق الدعوة لإقامة دولة المواطنة، التي تسمو بدستورها وقوانينها فوق الهويات الدينية والأثنية والقومية والمذهبية،لتحفظ للجميع حقوقهم وواجباتهم بشكل عادل دون تمييز بين هذا وذاك على اساس عرقي أو ديني أو طائفي . ومثل هذه الدولة حتى الآن لاوجود لها في المنطقة العربية . والحديث بهذا الخصوص موصول بما جرى في العراق بعد العام 2003 من تصاعد نبرة الأصوات التي أخذت تسيس موضوع الأقليات فتشكلت دولة الطوائف .

تسيس الهوية الثقافية

من خلال هذا المنظور يمكننا استعراض ما جرى من مشاهد رئيسة في المنطقة العربية عشية مطلع ثمانينات القرن الماضي: اشتداد المواجهة بين جبهة البوليساريو والمغرب عام 1979، اكتساح الجيش الاسرائيلي للعاصمة بيروت في 6 حزيران(يونيو) 1982 ، فوضى واحتقان طائفي بعد اغتيال بشير الجميل في 14 أيلول (سبتمبر) 1982قبل يوم واحد من تسلمه منصب رئاسة الجمهورية، عمليات تصفية جماعية في مخيمي صبرا وشاتيلا في 16 أيلول (سبتمبر) 1982 لعشرات الفلسطينين اللاجئين في لبنان بعد يومين على أغتيال البشير تورط فيها فصيل من القوات اللبنانية يتبع حزب الكتائب الذي كان يترأسه الجميل، وفي نفس السياق وفي نفس السنة الإعلان عن تأسيس فصائل مسلحة مذهبية في لبنان مثل حزب الله وحركة التوحيد الإسلامية،وقد دفع تشددهما العقائدي إلى أن يدخلا نزاعات وتصفيات دموية في ما بينها . على الجانب الآخر أخذ التخندق المذهبي والطائفي المسيحي يشتد أيضا بعد انحسار قاعدة الجماعات اليسارية والقومية التي كانت الفاعل الأقوى خلال الحرب اللبنانية الأهلية التي بدأت عام 1975 .

سورية اليوم

تشهد سوريا اليوم بعد سقوط نظام آل الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 ارتفاع الدعوات الأقلياتية الانفصالية في منطقة الساحل بمحافظة اللاذقية ومحافظة السويداء ومناطق شمال وشرق الفرات التي تسيطر عليها (قسد) كما لو أن مقدمات تطبيق وثيقة” كيفونيم ” قد بدأت . ولايبدو أن هناك رغبة لدعاة الأقلمة في الذهاب إلى دمشق والعمل تحت مظلة الحكم الجديد ،ربما لأنه اصطبغ بلون مذهبي واحد .كما لايوجد لدى دعاة الأقلمة أي إستعداد للإعتراف بمسؤولية العسكريين الكبار الذين ينتمون إلى الأقليات ممن كانوا ضمن طاقم الأجهزة العسكرية والأمنية لسلطة نظام آل الأسد عن الجرائم الجماعية التي ارتكبوها بحق العرب السنة طيلة 14 عام منذ اندلاع الثورة ضد النظام في 15 من شهر آذار(مارس ) 2011 ،وخير شاهد على ذلك عدم إزالة الدروز في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية للنصب المقام للقائد الميليشياوي عصام زهر الدين الذي يعد واحدا من أشهر مجرمي الحرب .

لحظة تاريخية حرجة

لا أجد في الواقع السوري اليوم أي ستراتيجية واضحة تقف حجر عثرة أمام استمرار تطبيق الأفكار التي وضعها برنارد لويس، ولهذا لم يتردد رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو في تشجيع مشاريع التقسيم والانفصال في الكلمة التي وجهها بتاريخ 25 شباط (فبراير ) 2025 إلى حكومة دمشق ، حيث قال “لن نسمح لقوات هيئة تحرير الشام أو الجيش السوري الجديد بدخول الأراضي الواقعة جنوب دمشق”. كما طالب بالنزع التام للسلاح من جنوب سوريا، في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء ،وحذر من أي تهديد للطائفة الدرزية في جنوب سوريا.

الوضع في سوريا الآن في لحظة حرجة جدا، والإدارة المؤقتة للبلاد ليس لديها القدرة بما يكفي لمواجهة التحديات التي تتعرض لها، وفي مقدمتها مشاريع التقسيم وفق ما وردت في وثيقة “كيفونيم”. خصوصا وأن ماضي أحمد الشرع(القاعدي)وتنظيمه العسكري الإسلامي هيئة تحرير الشام،لايبعث على الاطمئنان ليس لدى الأقليات فقط ،بل لدى طيف واسع من المسلمين أيضا ،رغم إقرار الجميع بأن خطابه يتسم بالتوازن والعقلانية ونظرته للأوضاع العامة يغلب عليها الحكمة ،لكن هذا لايكفي ،لأن المسألة تحتاج إلى تطمينات فعلية على الأرض .

لاخيارات كثيرة

لاخلاف على أن التركة التي خلفها النظام الأسدي ثقيلة جدا،وتحتاج إلى أموال ووقت طويل لمعالجتها،فهناك ملفات النازحين والمهجرين في المخيمات،والمدن المدمرة،والاقتصاد المثقل بالديون،وشبكة الخدمات المنهارة ،ومئات الآلاف من المغيبين والمفقودين والمعدومين في سجون النظام السابق.ولن يغيب عن البال ما دمره الطيران الاسرائيلي بعد سقوط نظام الأسد من معدات وآليات ومطارات وطائرات حربية ومخازن أسلحة ومنظومة الرادارات ،إلى الحد الذي لم يعد هناك أية قدرات عسكرية يمكن أن تواجه بها دمشق الغطرسة الإسرائيلية. وبناء على ذلك ليس أمام دمشق من خيارات كثيرة وسط هذا الدمار الشامل سوى اللجوء إلى الحوار والحلول السياسية بنفس طويل يطمئن الجميع لافشال مشاريع التقسيم وإلاَّ فإن الأوضاع ستفلت منها ،وتأخذ مجرى أفكار لويس التي تضمنتها وثيقة “كيفونيم ” .