بدل رفو .. قصائد من عبق القوش

القوش – حاتم خاني

شارك الشاعر بدل رفو في أمسية شعرية أقامها النادي العائلي في مدينة القوش التابعة الى محافظة نينوى، حيث ألقى محاضرة وقراءات شعرية، وتبادل الحضور معه الأسئلة حول تجربته الشعرية. تناولت قصائد الشاعر شخصيات من المدينة، بالإضافة إلى رموزها وتاريخها.

يعتبر قبر النبي ناحوم الذي يقع في المدينة رمزًا هامًا من رموزها، حيث يزوره الناس. يقول الشاعر عن النبي ناحوم:

على جبال القوش..
على مشارف الوجع ينادي النبي (ناحوم)
بحزن وغيرة:
سقطت نينوى يا ملك آشور
تشتت شعبك في الجبال.

كما يتطرق بدل رفو إلى الكاتب الألقوشي نبيل دمان فيقول:

و(دمان) الملاح المغترب
وجع غربته يعانق نبض الحقول في القارات البعيدة
وينادي: القوش عشقنا الأزلي..!!

ولا ينسى الشاعر أن يذكر غانم، نجار القوش المخضرم، حيث كان هو الآخر معروفًا لدى الألقوشيين وجزءًا من ذلك التاريخ الذي يترنح بين أطلال أسواق المدينة القديمة. ورغم فجائع التاريخ وانهيارات المدن، ظل غانم النجار يؤرشف ويدون في زقاق ضيق ذكريات طفولة الزمن الجميل لألقوش:

لتظل المهود تزين حانوته
بزيه الألقوشي..!!

 

وكحال كل المدن العريقة، لابد أن يكون بين حاراتها وفي طرقها أشخاص يرسمون جزءًا من تاريخها الاجتماعي، حيث يذكر الشاعر أسماء ككلو جاربوت وبرو، على أنهم المجانين المعروفون لدى السكان والذين يستأنسون بتواجدهم اليومي بالقرب من محلاتهم:

لا أحد يتحرش بمجانين القوش
(كلو جاربوت، برو) غنوا للحياة،
وحجارتهم شِهاب على رؤوس المتحرشين بهم
وبمن يسرق عطر جنونهم..!!

وكل من يزور القوش لابد أن يزور ديرها:

القوش.. ديرها يضيء مدينة على سفح الجبل
تتسلل أكتاف حياة ونبض الصباحات..

القوش.. أغنية تسامح وشعب يرنو للسلام..
أزقة ضيقة وسحر ألوان.. وأزياء وبلاد عشق..

ظهر جليًا مدى حب الشاعر للمدينة وأهلها، والعلاقة القوية التي تربطه بهم. فقد أصر الصديق أبو ستيفن على أن يصحبنا في جولة بين أزقة المدينة القديمة ليحكي لنا قصة تلك العجوز التي توفيت نتيجة سقوط جدار أحد المنازل عليها، مما أجبر السكان على هدم بقية الجدران الآيلة للسقوط، لتفقد المدينة تلك الدور القديمة التي رسمت الطابع التراثي لها.

ومن غربتي..
أرسل مع الأثير المعبق بعطر المحبة
قبلة لمدينة عشقتها
إنها القوش..!!

ويبدو أن المسار الذي سلكه الشاعر في محاضرته أيقظ أوجاع الجمهور، وراحوا يتبادلون الأحاديث معه بمجرد الانتهاء من محاضرته. فقد خطت فرداءات الحزن على سطور قصيدته “القوش”، لتمتزج مع أحزان المدينة، حيث تلمسنا هذا الحزن ببكاء الأطلال على هجرة شبابها إلى الخارج وترك هذه البيوت الجميلة، مما جعل مدينتهم تواجه أعاصير التغيير والفراغ لوحدها. بدت المدينة وهي تقاوم الوجع والألم فراق الأحبة، وقد تأسفنا، نحن محبيها، أننا قد لا نرى الأصدقاء الذين تعرفنا عليهم في المرات القادمة التي نزورها.

القوش.. يا ميناء النوارس..
يا تاريخ حب يعطر القلوب..
وحكاية لسحر الفصول الأربعة..
يا قطرة من بحار فخر وضمير..
وصدى العشق في جوف الموج الأزرق.

نظم الشاعر بدل رفو قصيدته “القوش” في أكتوبر 2021، وهكذا رأيناها حزينة بردائها، مقفرة بشوارعها، خالية من لهو أطفالها، وجدرانها حيث ينساب ندى الصباح عليها كدموع على فراق الأحبة.