ماتستحضره القراءة من عوالم رامبو

فوكو يقارب التوصيف

ماتستحضره القراءة من عوالم رامبو

علي حسن الفواز

الابداع والجنون أو الجنون والابداع ثنائيتان في صناعة التبادل الفاضح للاروح التائهة في الكتابة الشعرية، او لعبتان مريبتان في الكشف عن سسيولوجيا  التمرد على  يقينية العقل، هذا الصندوق العائلي الاسود، الساحر  والصانع الغامض والحافظ السري لكيمياء الخلق واللذة والخطيئة والتذكر، والمعنى الافتراضي لقوة اللوغوس في الوجود في التعاطي مع  ثوابته المفهومية والقيمية المكرسة…عند اعطاف هذه الثنائية وماتحملة من بواعث للاثارة تثار اسئلة العلاقة بين الجنون والشعر، وهل ان الازاحة الشعرية/ اللغوية هي ازاحة عقلية؟ وهل يمثل الشعر وجها اخر للقوة التي تعيد ضبط هيمنة العقل المنطقي على الانسان بوصفه كائنا تواصليا، وان الشعر هو نوع اللاتواصل؟  العلاقة الملتبسة  مابين الشعر والعق هي العلاقة المثيرة مابين صناعتين افتراضيتين، مختلفتين  ومتقاطعتين، الاولى تجعل من العقل هو الصانع الشفروي المنضبط والدقيق، والذي يضع ترميزاته في سياق توليدي تتمازج فيه اللغة بوصفها دالا على وجود عياني، مع خصوصيتها الخاضعة للتصرف بمداليلها الواسعة التي تعطي للشاعر خروجا على أي لوغوس محدد سلفا بواسطة العقل، حدّ ان هذا  التمازج يبدو وكأنه المنطقة الرخوة مابين العقل وادواته، وان الجنون، بمافيه الجنون العيادي هو درجة معينة من هذا الفصل، وان مايعمد اليه بعض الشعراء ومنهم شعراء الصوفية للخروج على هذا المنطق هو ممارسة نوع من التسامي الصوفي،  اذ تتم اعادة النظر  بقوة العقل الموجّه والمراقب والمسيطر، ودرجة اباحته للحكم على ظواهر الاشياء، وعلى وجودها. والثانية تجعل من الجنون بوصفه تجاوزا وظيفيا محرضا اشكاليا للخروج من الدائرة السياقية، دائرة التراكم اللغوي والعائلي المقفلة لوظيفة العقل (الاجتماعي) والحافظة لقوته المهيمنة والضاغطة، اذ تطارد  يقينية هذا العقل/القاع العميق  لاية عملية فصل او تجاوز او تمرد حتى  يتخلص من الكثير من اقفاله وحراسه وشهوة  عمقه باتجاه  الصعود الى  اغواء الجنون/السطح /الهوس/الاعتراف/ الخروج عن طاعة الاعراف وانطولوجيا الوجود. ولعل قراءات فوكو لوظيفة العقل السلطوي ازاء تاريخ الجنون تكشف هذا الفصل المرعب والقصدي احيانا في توصيف العقلي الحاكم والجنوني المحكوم..

تبادل فاضح

كل  الثنائيات تتمظهر فواعلها   في مثال  الشاعر آرثر رامبو المجال الموجّه لهذا التبادل الفاضح، حيث يقول بول كلوديل عنه  ((كان رامبو صوفيا في الحالة المتوحشة)) أي انه الكائن المتسامي عبر اللغة الشعرية بوصفه كائنها الرائي الذي لم يغادر العقل العائلي، لكنه يمنح وظائف فوقية، وظائف تسبغ على اللغة/ اداة العقل شهوة فائقة، كاشفة، لاتخجل من البوح او الاعتراف او الخضوع لسلطة المقدس او سلطة المزاج الجمعي..

ولعل شخصية شعرية  صاخبة ومثيرة وطاردة للعقل الشعري العائلي مثل شخصية  رامبو   تمنحنا  هاجسا  اشكاليا بالتعاطي مع ماتثيره مفاهيم مثل العقل والجنون والابداع من اسئلة، ليس في اطارها العيادي /السريري  كمايقول فيها علماء النفس السريريون او في اطارها الاجتماعي التداولي والنقدي، وانما في ضوء مجموعة ماتقترحه القراءات العميقة التي تجعل التوصيف الجنوني في الابداع  نوعا من الافراط  في الكشف والاكتشاف، وربما  اندفاعا عميقا لتلمّس ما هو عميق وغائر في الذات واللغة والوجود ….

شخصية رامبو صورة للكائن  المتمرد على السياق والساخط والباحث عن هوس التعويضات الرمزية اكثر مما هي صورة للشخصية المعلولة بالانحراف الاخلاقي والقيمي، فقصيدته المتوهجة والدافقة والعارية، هي الاقرب الى فكرة الحرية العاتية/الصافية والتي  تنتهك براءة الكتابة وخجلها وسياقها القديم والمكرس، فضلا عن ان  رامبو قد وجد  في لعبة  جنونه الشعري تورية للهروب من انتماء سري فيه العديد من تعالقات الايديولوجيا والرمزية، تلك التي تتماهى  مع نزعته العميقة الى فكرة  الحرية والامل، اذ  كانت هذه النزعة التي تلبسته في مرحلة مبكرة من سنواته السريعة، والتي انكشف فيها على فلسفات الثورة والحلم الثوري والنزعة الانسانوية المفرطة، اذ كان رامبو من المؤمنين بها بوصفها حلما للخلاص مثل كومونة باريس، والتي جعله فشلها يفقد شراهة انتمائه لحلمه بالحرية، وتلذذه باشباعاتها التعويضية، وباتجاه الانحياز الى اغواءات مضادة حرضته على التمرد على المقدس، وعلى الجسد عبر متبيحه اللغة من شراهات فادحة، اذ وجد في لعبة المروق الشعري مجالا للمروق الجسدي، حيث الجسد هو اللذة، وهو النص المفتوح، وحيث التوثّب- عبر المروق-   باتجاه البحث عن جغرافيا متوحشة وصارمة  تجتذب اليها روحه المهزومة، والتي عدها البعض بانها تناسب اسئلة  صحوه الداخلي الملتبس  والعميق ازاء مفارقة  تمردات  طفولة ساخنة باللذات والتدفقات والاحلام.

ولاشك ان فقدانه حلم الحرية المطلق جعل حياته ملتبسة بالنزوع الى مايشبه التلبّس بالشخصية الانتحارية المندفعة الى بوهيمية في السلوك والتمرد والمازوكية والغلظة  في تلك الجغرافيا/  الامكنة الوعرة في الجغرافيا النائية ( عدن، الحبشة ،وغيرها في افريقيا ) و التي  قادته الى ممارسة سلوك  صاخب واحتجاجي وشهواني يشبه الى حد كبير السلوك  الانتحاري  المريع. وهذا ما أكد الشاعر الفرنسي  ايف بونفوا  في حديثه عن حرية رامبو وتوحشه دون حريته تلك  ( ان عظمة رامبو تكمن في انه رفض ذلك القليل من الحرية الذي كان متوافرا في  عصره وبيئته  وذلك لكي يشهد على استلاب الانسان في الوجود ولكي يدعوه  الى الانتقال من بؤسه المعنوي الى  المواجهة التراجيدية للمطلق ))…

رامبو وفوكو

لقد وضع ميشيل فوكو في قراءاته للجنون والحبس  مقاربات  تلامس هذا التوصيف، اذ كان السجن  السلطوي الذي يعج بالسجناء السياسيين المناهضين للسلطة القديمة بافتراض انها السلطة (العاقلة) في الحكم والنظام السياسي والقيمي والديني،  مع مصح العزلة  الذي يعج  بمرضى الجذام، اذ يخضعان الى فلسفة واحدة في العزل ، ويتحول هذا العزل(المصح والسجن ) الى  سياق اشكالي وجنائي  يضع الخاضعين لمقايسته على اساس انهم مناهضو  النظام ومناهضو العقل المفترض (صانع الاحكام) و الذي يجعل الملتاثين به معرضين لتهم  (الزندقة) او (اللعنة) وهي مبررة لتبرير الحكم عليهم بالموت السياسي والجنائي مثلما هي مبررة لحكم  العزل والطرد تحت ايهام الجنون/ الخروج عن دائرة احكام العقل، رغم ان  فوكو  تعاطي مع هذه المسألة على اساس تاريخي  نقل في اطار قراءته الفلسفية والانطولوجية الكثير من الظواهر السرية لظاهرة الجنون السياسي والسريري في التاريخ الغربي الوسطي   من سياق العزل والنفي  والتسمية الملتبسة  الى سياق العيادة  والمشفى ..

هذا المنظور يوفر الى حد ما  مجالا لقراءة  تاريخ صناعة هذا المفهوم  في ضوء اشكالية العلاقة مابين السياسي الحاكم والثقافي المحكوم، او الثقافي المتمرد على احكام العقل السياسي،  مثلما هو اعادة قراءة مفهوم الجنون بوصفه تعبيرا ادبيا وليس عياديا، والبحث في خصائصه وعلاماته واعراضه، وهل يمكن  ان يلتقي مع الجنون المرضي، ان كان جنونا هستيريا او فصاميا او عدوانيا ؟

لايملك الجنون الابداعي الا  أن يكون جنونا محرضا، جنونا باثّا لكل توهجات الداخل وتوتراته وطبيعتها اللغوية، اذ كثيرا ما يجعلها التاريخ العيادي  العائلي والاجتماعي والسياسي والنفسي تعبيرا عن سياق ماتحبسه الذات المأزومة وربما مايحبسه النظام  او النسق، والذي كان صورة للموقف الذي تمارسه السلطات القضائية او السياسية الغربية في النظر الى العالم الموصوف  بالمجانين كنظرة عمومية، من منطلق تعويم فكرة الجنون مع المناهضين للنظام الاجتماعي والسياسي والكنائسي. هذا التوصيف التعبيري لمفهوم الجنون يتخارج عن التوصيف السريري /العيادي  الذي يعاين  المجنون على اساس انه  كائن عصابي، فاقد لقدرة التبادل اللغوي والمفهومي، ويكون في هذا السياق  قريبا من فكرة محو وجوده العاقل، وواقفا عن عتبة عدمية للزمن.

 هذه الاعراض العيادية  رغم بعض تهويماتها تبقى مضادة في جوهرها واعراضها  لاعراض الابداع بمعناه البرغماتي والعقلي والرؤيوي، وطاردة لشرط الاستثنائية الذي اكدّه ارسطو في مواصفات الكائن الابداعي..

كما ان العلاقة ما  بين الجنون كمفهوم مرضي  والابداع كمفهوم رمزي للقوة العميقة للعقل،  ليست حتمية بالمعنى الذي يجعل المنتج الابداعي الجمالي واللغوي والبصري هو خارج اطار المدرك او اطار العبقرية!! لان كليهما (المدرك والعبقرية)  قد يكونا مصدر اثارة توليدية  فاعلة، بينما الجنون كمفهوم مرضي هو فقدان القدرة  انتاج المدرك مثلما هو فقدان القدرة على التوليد و الربط ما بين المتناقضات والمختلفات، وهذا ما يجعل العبقرية او الاستثنائية،  توصيفا  يتجوهر عند  وجود العقل الاستثنائي الخالص الذي يمارس افراط الخروج عن العادة والتكرار، بينما الجنون يتمثل لهذا ألتكرار كما ينجذب الى فكرة المصح والمشفى الذي يقترن عادة  بالعصاب والانفصام الشيزوفريني. هذا التوصيف يقترب مما طرحه الروائي اندريه مالرو الذي قال في اجابته عن سؤال ماكر، هل ان جميع الروائيين مصابون بالجنون او العصاب؟ فكانت اجابته لا، لانهم كانوا سيصبحون جميعهم  عصابيين اذا لم يصبحوا  روائيين. ومن هنا نجد ان العلاقة الاشكالية ما بين الجنون والابداع، او مابين الهستيريا وصرامة النظام   التعبيري هي علاقة محتشدة بالاقنعة، حيث  يتوارى الهستيري خلف طاقة الحركة او طاقة الصوت او الرمز بينما تذهب الشخصية المضادة بعيدا باتجاه صياغة فضاء تعبيري غير منضبط هو اقرب الى النكوص الذي يجعل من البنية التعبيرية وصياغتها الرمزية امام اشكالات صناعة التعبير الايهامي  الصادم او المثير وآليات تسويقه! وهذا بالضرورة ينحني على مجموعة من التمثلات لشخصيات ابداعية  وجدت في صناعة الجنون كقناع اوحتى استعارة كبرى لصناعة منظومة شفروية باتجاه الخروج عن مفهوم الصندوق العائلي والسياسي والسياسي والاخلاقي والايديولوجي، فاغلب هؤلاء كانوا جزءا من ضحايا نظام صارم محكوم بعلائق وثقافات وتابوات تجعل لعبة التصريح بماوراء العقل/الصندوق  نوعا من الاباحة او نوعا من محو الثابت المؤطر بالمقدس، لذا جاءت ثنائية التبادل الفاضح منقذا للعقل من منتجاته الآثمة ،من معرفته الموغلة، من كشوفاته السرية. ان استمرار فعالية انتاج الابداع تحمل معها محفزات للوعي، لانها ستكون  جزءا من استمرار عوامل ديموته ومصادر توتره وتعبيريته بوصفها عملية تفاعل وحدس ورؤيا، والنموذج الرامبوي هو صورة مثيرة لهذه الفعالية، ولقوة ماتحمله من انضباط داخلي، وانفلات خارجي، اذ هو نموذج(عيادي) للتعبير عن ازمة الشخصية المتحولة، والمصدومة، مثلما هو عنموذج  اشكالي للتعبير عن بيئة التحوّل في جوهر الثقافة الفرنسية  وصراعاتها التاريخية والسياسية والثقافية وحتى صراعاتها بعد انهيار كومونة باريس، واضطراب المزاج العقائدي المشوب بالولاء للايديولوجيات الثورية والرومانسية، فضلا عن كونها من جانب اخر تعبيرا عن خصال الشخصية المأزومة  التي تملك استعدادات التحول، تلك التي جعلت من نموذجها  الرامبوي الاشكالي والمتمرد والصاخب والمتورط  في علاقات غرائبية نموذجا  فلسفيا ونفسيا لصيرورة الشخصية العصابية المتعالية الخالقة..واحسب ان مقاربة هذه الشخصية في ضوء هذه التجاذبات سيكشف الكثير من معطى هذه الشخصية في نظرتها للكتابة الشعرية بوصفها ابداعا تعبيريا عن شخصية مشبعة، لكنها نافرة عن السياق، وسيكشف ايضا عن طبائع التحولات الشعرية في مزاج هذه الشخصية واضطراب نظرتها للقيم العامة وللعلاقات الاجتماعية والاخلاقية، اذ اصيبت هذه الشخصية تحت هذا الهاجس بنوع من النكوص، والتي افقدها مجالها الباث، مقابل احساسها القلق بالتشوه في  خروجها الى مجال  آخر  لايتمثل لتماهياتها التعبيرية الخبيئة في اعماق سحيقة من ذاتها، أي ان هذه الشخصية عاشت احساسا مريعا بالخيبة وهو ماعرضّها  للفقدان الجسدي والفقدان الروحي..

اسئلة نقدية

 الحديث عن الشاعر  رامبو وتوقفه عن الكتابة يظل مثارا للكثير من الاسئلة النقدية والنفسية، فهل هو كائن الازمة، او ضحية الذات المهزومة؟ احسب ان هذه الاسئلة  تتعالق مع فقدانه لخصوصية الشاعر المنتصر على نفسه، والمنحاز لاحلامه، والرائي  للعالم مسحورا في اللغة وفي الحرية..هذا الفقدان هو الذي افقده خصوصية الشاعر الرائي، مثلما هو الحديث الذي يحتاج من النقاد والباحثين الى اعادة قراءة فاحصة في  سياق وعي   النموذج الرامبوي وتشكلات شعريته الصادمة لتاريخ الشعر الفرنسي والعالمي، وخصوصية شعريته في اطارها اللغوي والبنائي والتصويري  الصادم والمغاير والفاحش احيانا  وهوسه فيها.  ظاهرة  الشخصية الرامبوية تتمثل اشكاليا الى ازمة الوعي وتشوه كشوفاته، مثلما هي تمثل لخصوصية الذات المهووسة بالحياة والنافرة عن قيم العقل العائلي والاخلاقي. كما ان هذه الظاهرة تحتاج الى قراءة السياق الاخر  /سياق البيئة الثقافية في فرنسا في مرحلة مابعد اهيار الكومونة، التي وجد فيها  مجاله التعويضي  المحرض على  الانحناء على كل ما يمكن ان تفصح عنه شفروية  الاحساس بالتوتر والشهوات العارمة والاباحة الجسدانية والعلاقات التعويضية /الرمزية بمستوياتها المتعددة… ولعل نقاد الشعر ومؤرخيه ارادوا من خلال هذا الوعي الاشكالي، ان يصنعوا من رامبو اسطورة مثيرة، لكي يجعلوا من هذه الصناعة الغامضة والسرية محط ادهاش دائم، وربما هي اشبه باللغز الذي يستعصي احيانا على اصحاب القراءات  التقليدية من الكشف عن السحر الشعري الرامبوي الذي يوصف بالعبقرية والاستثنائية والتمرد على السياق الصارم للقصيدة الفرنسية الغربية، حدّ ان  مارسيل بروست وصفها بانها العبقرية المنبثقة فجأة. علاقة الجنون بالابداع تظل علاقة اشكالية لانها علاقة صادمة دائمة يشوبها التوتر والمزاج العنفي، فضلا عن التوطيف العيادي الذي عمد دائما الى التفريق مابين الجنون العقلي الذي هو جنون مرضي يتسبب بفعل  عوامل بايولوجية او ربما عوامل وراثية، ومابين الجنون النفسي الذي هو الجنون الاشراقي الذي اصيب به الكثيرون من المبدعين الكبار في الثراث الانساني نيتشه، هولدرن، ساد، عمر الخيام، نوفاليس، ديكارت، فرويد، دستوفسكي، اندريه بريتون، فان كوخ، موبسان، جان جنيه وغيرهم ..كل هؤلاء كانوا سكنى الحافات النفسية، متوترون بوعي اشكالي مع العالم والجسد، والفكر، وهذا التوتر يجعلهم في نوبات من التهيج العميق الذي لايجد البعض نزوعا للخلاص منه الاّ بالانتحار او الرحيل المكاني او الرمزي.

ومن هنا نجد ان التوقف عن الابداع، أي التوقف عن ممارسة الكتابة تكشف عن  ازمة وجودية للكاتب الشاعر، لاعلاقة لها بظاهرة الجنون، قدر ما تكشف عن ازمات داخلية او حساسيات داخلية تذهب ب(المبدع) الى الاحساس بالعجز من الانسجام مع العالم، او الاحساس بلا جدوى الكتابة بوصفها وظيفة تعبيرية، وبالتالي فقدان سر التوهج الداخلي ،والقدرة على التجاوز، فضلا عن الحرية التي يملكها المبدع ستضيع تحت هذا الاحساس الاغترابي، لانها ستكون ضغطا على حرية الذات الحرة المنفلته عن سطوة التاريخ والعائلة، والتي تمنحها حساسية وجوهرا خاصين لايستطع المبدع ان يقف امام فقدانها متفرجا، وهي عند المبدع الغربي اكثر اغترابا من الادباء العرب الذين تظل حريتهم رغم كل ما يقال  عنها  هي جزء من السياق والحشد والعائلة والاخر والسلطة والنظام، وان التمرد على سياقها اما يقود صاحبه الى الجنون العضوي غير المنتج او الجنون الكحولي الذي كثيرا  في الشارع، واما يؤدي به الى الموت السياسي /الاغتيال او الانتحار. ومع هذا ثمة اختلاف كثيرة ما بين المبدعين الكبار الذين  جعلو من التوتر النفسي او الجنون النفسي محرضا للفوضى واالغوص في اعماق الذات والكشف عن تجلياتها مثلما فعل دستوفسكي الذي  وجد في الكتابة ملاذه الهروبي من ازمات الخارج السلطة والفقر والضجر، ومثلما فعل فرويد حين اكتشف ان العالم من حوله هو عالم مريض، والبعض وجد في الانتحار ملاذه الاخير مثلما فعل فيـــــــــــزجيرالد وفرجينا وولف وهمنغواي ودولوز والكاتب اليابـــاني مشيما.