نزوى في عددها الجديد
مواكبة متغيرات الثقافة ورصد أحوال النخب العربية
الرباط – الزمان
في غرفة الشاعر سيف الرحبي الباريسية المطلة على القطب الجنوبي، كما جاء في عنوان مقال الشاعر، أقتنص الكاتب فيه من جمال باريس وحدائقها ومدورات طيورها ونافوراتها، حكايات الفيلسوف الشرقي حين يحط رحاله في أم العواصم ” باريس”، وتتبعه كوابيس شرقه وفجائعه وما حل بأهله من فتن ومصائب. ابتدأ الرحبي العدد 76 من مجلة نزوى بأفتتاحيه مميزة وضع فيها من مراقبته لعصفور دوري ينهل من نافورة تطل على نهر السين مع عصفور دوري آخر رآه في قيظ عُمان ” تعادلية الشرق والغرب”. قال عن ذلك العصفور الذي يحل محل الشاعر في النص، النص الذي أختلط فيه الشعر بالنثر” ها أنت الآن في باريس، على جاري العادة تنقر العشب، حيث تتقاطع روافد نهر السين.
رفرفت على الكرسيّ الذي أجلس عليه، بمحبة الطفولة وألقها، أعطيتك من زادي، وكنت على قناعة المتعالي بالقليل، لم تكن جائعاً أيها الدوريّ النشط.. دورة الروح في عروق النهر وفي الفضاءات التي ستقطعها مدُناً، قرى وسهوباً، لم تكن جائعاً أيها الدوريّ، لكنك تعزف موسيقى الحب والصداقة، في أنسياب الرفيف، وفي خطمك الرمادي المائل إلى السواد كلطخة القمر في الليالي العاصفة.. ” يرحل بنا الرحبي إلى ماضي باريس، ويعود بنا إلى الربيع العربي، وإلى ما يحدث في سوريا من فتنة طائفية مقيتة، يقول عن ذلك: ” تعبر بواخر النهر السياحية” السين ” بأستمرار معبأة بالأطفال حيث موسم العطل الرسمية ” ويكمل متوجعاً لأطفال سوريا ” يتذكر في هذه اللحظة أطفال سورية والبلاد المنكوبة “. ويتذكر أزدواجية القيم وتضاد المصالح بين دول تزود المتقاتلين بالسلاح وأدوات الموت، وترسل إليهم بنفاق لا نظير له، الأدوية وسيارات الأسعاف والخيام للاجئين. ولكن الشاعر يذكرهم بالله تعالى الذي ينظر ما يفعلون ” وإنما مع العليّ القدير الذي يعلم كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون الشاسع، وما تكنه الصدور والنفوس. في هذا السياق من التطور المصحوب بأنحطاط القيم الروحيّة والأخلاقية يستحيل البشر والمجتمعات إلى حظائر لافتراس قيم ” سوق الأوراق الماليّة ” فتعلو عبادة المال وأنماط سلوكه فوق كل عبادة وسلوك. ” يقول فولتير عبارة ساخرة يوظفها الرحبي، ليصف إحباطه بالناس تقول العبارة: ” كلما ازددتُ معرفة بالناس ازداد حبيّ لكلبي”.
كتاب وشعراء ماتوا
وحين تقع أنظاره على الأكاديمية الفرنسية ” مجمع الخالدين ” يتذكر العرب الذين نالوا عضويتها، كآسيا جبار، وآمين معلوف ومن أفريقيا ليبولد سنكور. كاتب ياسين يسمي اللغة الفرنسية، التي كتب بها أدبه غنيمة حرب، وسماها سيف الرحبي ” غنيمة سلام ” وحملت العبارتان للكاتبين حمولات فكرية وثقافية وسياسية متضادة، فقد انحاز الرحبي لروح التسامح والمحبة بين الحضارات، وشطب على عقود من تواريخ الدم بين الحضارتين، بينما ذَكّرَ ياسين بكل ذلك.
وعندما تناول الرحبي الموت تناوله من باب الخلود، فسخر من خلود البشر قائلاً: ” أفكر أن الخالد حقاً من يسخر من خلوده ومن العالم، وأن هذه الكلمة الثقيلة حدّ الغلاظة والأدعاء بالنسبة للكائنات الفانية ” ولكنه حدثنا عن موت الكاتب المصري ” ألبير قصيري ” الذي مات في فرنسا، وخلف وراءه نوادر كثيرة عن كسله وأسترخائه الدائم، وعدم أهتمامه بالآخر، فقصيري يقول عن وحدته في باريس أنها ليس وحدة بالمعنى الحرفي، لأنه على الدوام مع ” ألبير قصيري”. لقد جلس الرحبي قريباً من المصطبة التي كان يجلس عليها ألبير قصيري، مخاطباً روح الميت: ” ألبير قصيري كان كعادته أنيقاً وكسولاً ” فيلسوف الكسل ” كما وصفه بيار أبي صعب وآخرون.. لا يلفت أنتباهه شيء عدا النساء الجميلات.. ” ويتابع الرحبي ” رسمته ” مونيكا ” بمحبة وتعاطف رسمته وحيداً بين الجموع المتدافعة من كل المفارق والأتجاهات، لوحة بديعة تجمع بين الدقة والخيال، لكن القصيري حين شاهدها معلقة في مدخل الفندق نظر اليها بشكل حيادي ثم هز كتفه ومضى. مما أغضب الفنانة التي كانت شاهدة لحظاته الأخيرة، لحظات الأحتضار لرجل من غير عائلة ولا روابط ولا أصدقاء، لقد ماتوا أو رحلوا من المكان وطواهم النسيان. ” لم يبق من قصيري الذي أفترس السرطان حنجرته غير رواياته القليلة بأجوائها وشخصياتها الضاربة في البيئة المصرية وليست في باريس، وربما أجاب الرحبي فيما أختاره من نماذج موت وحياة الأدباء باريس، عن قضية الخلود والأندثار. من اولئك الذين غيبهم الموت وغاب حضورهم المدهش عن باريس، وتذكرهم الرحبي: “محمد أركون، الباهي محمد، رشيد صباغي، صخر فرزات، جميل حتمل، يوسف عبد لكي الذي غيبه الأعتقال مؤخراً في اللاذقية “. محمود درويش أيضا،ً الذي كان دائم الحضور إلى باريس، وتذكر الرحبي أيضاً، عبد الرحمن منيف وقهقهاته مع صديقه التاريخي محمد الباهي في منزل فواز طرابلسي الذي جمعهم ذات مساء. تحدث الرحبي عن الزمن عندما يصيرتؤام الموت، الزمن الذي يقول عنه الرحبي، أنه مثل النهر أو هو النهر ذاته، والسنوات ليس كما قال درويش عنها لسيت سوى أرقام، أنها أكبر من كونها الأرقام المنضدة على روزنامة الجدار. يضعنا الرحبي في كتاب أفتتاح عدد نزوى الجديد أمام بكائية كفافيس الخالدة، التي تبشر بخراب حياة المُخربة حيواتهم في بلدانهم ” إذا خربت حياتك في مكان فهي خراب أنى ذهبت “.
مصير النخبة
ويضعنا رشيد بو جدرة عبر نصه ” الصحراء ” الذي ترجمه محمد محمود مصطفى أمام أقيانوس عجائبي عرفناه وخبرناه في بلداننا الصحراوية ” تتلاشى الصحراء في الليل ويلف الظلام الدامس جميع الاشياء. أما الفضاء فسرعان ما يختفي ليعاود الظهور، ويتغلغل الرمل في كل شيء، ثنايا الملبس، والمنخر والحلق، والصدر. ويكتب في دراسات محمد زيتون ” السخرية الفلسفية ” محاولاً أن يجيب عن سؤال عن ماهية السخرية ؟ بادئاً بالحديث عن حكاية” ثوب الأمبراطور ” كما وردت في قصص التراث. وكتب الهواري غزالي مقاربة موفولوجية لحكايتي المسيح والحلاج، وكتب سيدي محمد بن مالك ” سيميائية الفضاء الجزائري ” تناول فيها الدرس النقدي المعاصر الذي يشير إلى تهميش الكاتب في العملية الإبداعية، والتقليل من شأنه في إنتاج المعنى. وكتبت الروائية لنا عبد الرحمن عن ” الأنوثة وتمرد الجسد” في كتابات حنان الشيخ، وكتب عبد اللطيف الوراري ” من الجيل إلى الحساسية ” في راهن الشعر المغربي وجمالياته الجديدة. وكتب إسماعيل فقيه ” وديع سعادة أفاض كلما ضيّق الكلام ” ونقرأ حواراً مع وديع سعادة أجراه أسامة حبشي، تناول فيه إعادة كتابته للحياة بالشعر، وكتب الطيب ولد العروسي عن ” عابد خزندار” ومصير النخبة العربية وأحوالها. وجاء ملف الشعر عن شيركوبيكه س الشاعر العراقي الكردي الذي وافاه الأجل مؤخراً، والذي نصح قارىء شعره نصيحة في غاية العمق والدلالة: ” لا تقرأني كثيراً لأنك ستصاب بالعمى من كثرة الدخان “. اعد الملف عن الفقيد أيهم اليوسف، وشارك فيه ابراهيم محمود، هيثم حسين، هوشنك أوسي، جميل داري، مروان علي، إبراهيم حاج عبدي، جكو محمد، خضر سلفيج، دانا أحمد مصطفى، بدل رفو المزوري، وإبراهيم اليوسف. ونقرأ حواراً مع دونالد هول ترجمه زاهر السالمي، ونقرأ في محور المسرح، لمحمد سيف عن نص ” صبرا وشاتيلا ” لجان جينيه، ونقرأ نصاً مسرحياً بعنوان ” يوم الزينة ” لأمنة الربيع، وفي محور تشكيل كتبت فاتن حمودي ” يوسف عبد لكي وحكاياه المشغولة بالرماد. وكتب زاهر عمرين عن سينما الشعر لبازوليني، وترجم حسونة المصباحي لوي أراغون.. سيرته الذاتية في ” الرواية غير المكتملة”. وترجم الشاعر صلاح حسن قصائد من الشعر الهولندي المعاصر، وفي شعر كتب الشاعر حميد سعيد ” ملهاة الدكتور زيفاغو “. وكتب خالد درويش “قبلة أولى بطعم الثوم” وعصام دعنا ” على واجهات الزجاج”، و” الألم لا يتبعنا، أنه يسير أمامنا ” لأنطونيو بوركيا من ترجمة وليد السويركي، و” الطفل الصاخب ” لوليد قوتلي، ” حبة نور ” لوداد بنموسى، ” أخيلة مرصودة “لهبة عصام.
” أسماء ” لعادل الكلباني، ” في الليلة العاشرة ” لعماد الدين موسى، ” غدير يحلق ” لنضال برقان، ” أول نكهة للحزن” لميسون الأرياني، و” غابة السم” لطالب معمري. وفي محور نصوص، نقرأ لأيفوندرتيش من ترجمة إسماعيل أبو البندورة ” اليوم الأول في مدينة الفرح “، ” أختفاء ” لهمدان زيد دماج، ” مرعى النجوم ” لمحمود الرحبي.
” النسيان ” للقاص مدى الفاتح، ” حياة.. وراء الكلمات ” للقاصة هيفاء بيطار،” موسم الهجرة إلى أركيديا ” للروائي محمد علاء الدين، ” زهور غالية الثمن ” للروائي فيصل عبدالحسن، ” رائحة الكيذا” للقاص خليفة سلطان العبري، و” الأموات لا يعودون ” للقاص حمد الغيلاني. وفي متابعات ” محمود درويش غيابه أقل موتاً منا، وأكثر حياة” لعمر شبانة، ” في الحاجة إلى الفيلسوف” لعبد السلام بنعبد العالي، ” جيرترود لحسن نجمي” لبنيونس عميروش، ” في حضرة العنقاء والخل الوفي” لفهد توفيق الهندال. و” ديوان الحلاج” لعلي نسر، ” محمد شكري ” لحسن بحراوي، ” عطب الروح” لبن العربي غرابي، ” سأرى بعينيك يا حبيبي ” لمحمود شاهين، ” تحت شمس ذاكرة أرى” لأكرم قطريب، ” تلاوة الظل” لطارق إمام، ” سماء باسمي” لرضا عطية إسكندر. ” على أرض ممكنة.. وقصائد أخرى ” لشمس الدين العوني، ” الرواية أيدلوجياً العلم ” لحبيب سروري، ” عاشقة النار ” لسعيد بوكرامي، و”مقاهي باريس” لحواس محمود.
لقد أتسم العدد الجديد من نزوى بمواكبة لمتغيرات الثقافة في الوطن العربي والعالم، والأهتمام برصد أحوال النخب العربية.
























