قراءة في مستقبل العلاقات العراقية الأمريكية

عماد علو

   قام رئيس الحكومة نوري المالكي ، بتاريخ (29 من تشرين الأول 2013)، بزيارة رسمية  إلى العاصمة الامريكية واشنطن على رأس وفد رفيع المستوى تلبية لدعوة رسمية تلقاها من نائب الرئيس الامريكي جو بايدن. في وقت تمر فيه العلاقات العراقية- الامريكية بمرحلة انتقالية مهمة وحساسة ينبغي التوقف عندها ومراجعة العوامل المؤثرة على التطور المستقبلي لتلك العلاقات ، في وقت يظل استقرار العراق ونجاحه في ترسيخ الديمقراطية ذو اهمية كبيرة بالنسبة للمصالح الامريكية داخل المنطقة وخارجها. تحاول هذه المقالة طرح رؤية مبسطة عن مستقبل العلاقة واتجاهاتها، وفي سبيل الوصول الى هذه الرؤية، لابد من توضيح اهمية العلاقة في كل من المنظور العراقي والامريكي، وتوضيح مجالات التعاون الثنائي المثمر بين الطرفين، وماهي العقبات المحتملة في طريق تطوير العلاقات في المستقبل.

الرؤية العراقية للعلاقة

   يمكن ان نستدل على اهمية الولايات المتحدة الامريكية بالنسبة للعراق، من خلال أفكار وآراء السياسيين العراقيين، وكذلك من خلال السلوك السياسي للحكومة العراقية، فوفقا لهذه المؤشرات تحتل امريكا مكانة مهمة لدى بعض هؤلاء السياسيين من خلال ايمانهم بأن وجود امريكا الى جانبهم يساعد على ان يخرج العراق من هذه المرحلة كدولة قوية ذات كفاءة، وذات مقدرة على الحفاظ على أمنها ووحدتها واستقرارها ضد التهديدات الخارجية، وكذلك ايمانهم بضرورة مشاركة امريكا في بناء المؤسسات في القطاعات الأمنية والتعليمية والصحية، والحث على الاصلاح والتحول الديمقراطي، ومساعدة العراق في العودة للوضع الطبيعي من خلال سرعة اندماجه بمحيطه الاقليمي .

الرؤية الامريكية للعلاقة

يمكن ان نتلمس موقف ورؤية الادارة الامريكية  من العراق والتحولات السياسية الجارية فيه وذلك من خلال السلوك السياسي الامريكي، فمن الملاحظ ان الرؤية الامريكية للعراق الجديد تنطلق من شعورهم بانه تجربة أمريكية جديدة في الشرق الاوسط تتطلب الحماية من النفوذ الايراني الممانع للوجود والنفوذ الامريكي في المنطقة ! وأن السعي الامريكي لتحسين الوضع الامني في العراق سيساهم  في  زيادة التبادل التجاري واقامة المشاريع الاقتصادية الكبرى ذات المردود الاقتصادي الكبير، اما فيما يتعلق بالجانب السياسي والأمني فهم يرون في العراق بلدا مهما قادرا على أن يكون طرفا فاعلا في حفظ التوازن الاقليمي وخاصة مع ايران، وذلك انطلاقا من المخزون العراقي الهائل من ثروة الهيدروكربون وموارده البشرية وموقعه الجيوستراتيجي.

مجالات التعاون العراقي الامريكي

 تضع اتفاقية الاطار الستراتيجي (صوفا) بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الامريكية  التي تم التوقيع عليها في نهاية عام 2008، اساسا” لشراكة امريكية عراقية في  مجالات التعاون الثنائي المثمر بين البلدين وكما يلي:

-التعاون في مجال الزراعة والري : يعتبر العراق من البلدان التي تحضى بقدرات زراعية كبيرة سواء في مجال الاراض الصالحة للزراعة أو في مجال الثروة الحيوانية الى جانب توفر المياه السطحية والجوفية ، ويعتقد المسؤولون في كل من البلدين أن احدى أهم الاستثمارات في مستقبل العراق هي مجال الحفاظ على القطاع الزراعي، مع الأخذ في الاعتبار نقص مصادر المياه والحاجة الى التقنيات الحديثة في ادارة المياه والمحاصيل المقاومة للجفاف في العراق. آن السعي الحثيث للعراق الى تفعيل التعاون الثنائي في هذا المجال سيمكنه من ايجاد حلول مبتكرة لمواجهة مجموعة من التحديات المتزايدة: مثل جفاف الأهوار ومجاري الانهار في الجنوب، وارتفاع ملوحة المياه الناتج عن نقص معدل سريان الأنهار، والذي يعطل الزراعة وسبل المعيشة.

-التعاون في مجال التربية والتعليم : يعتبر التعليم من اهم المسائل التي يتوجب على الحكومة العراقية التركيز عليها والاستثمار الأمثل لفرص تطويره من خلال بناء قاعدة للتعاون على المستوى التعليمي بين البلدين، فالعراق يدرك تماما اهمية قيام مجموعة مميزة من الطلبة العراقيين بالدراسة سنويا في البلدان المتقدمة ومن ضمنها امريكا ، فالحكومة العراقية أدركت منذ وقت مبكر أهمية هذا الجانب وسعت الى تفعيله الى ان تم تتويجه بما يعرف بـ (المبادرة التعليمية) التي أطلقها رئيس الوزراء السيد (نوري المالكي) في كانون الثاني /2009، حيث أن مبادرة رئيس الوزراء تشمل برنامجاً لإصلاح نظام التعليم في الخارج خلال العشر سنوات القادمة ، الا أن هذه المبادرة لم يجري تفعيلها بشكل عملي واضح.

-التعاون في المجال النفطي :  من أهم مجالات التعاون العراقي الامريكي هو في مجال استثمار الثروة النفطية في العراق ، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان وضع العراق المستقبلي كمصدر للنفط ينظر اليه في سياق قدرته على تمويل مشاريع اعادة تأهيل وتطوير صناعته النفطية، وهو الامر الذي لا يمكن أن ينجز دون الاستفادة من خبرات الدول والشركات النفطية المتقدمة هذا من جهة ومن جهة اخرى فان المسألة التشريعية المعلقة والخاصة بقانون النفط والغاز هو الذي سيحدد سياسة العراق بالنسبة لتطوير قطاع النفط وتوزيع ايراداته ، حيث ان الادارة الامريكية تشجع على استصدار قانون النفط والغاز وتعتبره كمقياس للتقدم السياسي والمستقبل الاقتصادي للعراق، مما سيسهل اندماج الشركات الامريكية المتخصصة والمميزة في مجال استثمار الطاقة في العراق.

التعاون في مجال الكهرباء : مما لاشك فيه ان العراق يعاني من نقص حاد في انتاج الطاقة الكهربائية، حيث ان معدل انتاجه من الطاقة لايتناسب ومعدل زيادة الطلب عليها الناجم عن زيادة السكان وزيادة عدد الوحدات السكنية، وبالتالي فأن تفعيل التعاون في هذا المجال يؤدي الى استفادة العراق من الخبرات الامريكية التي نجحت في توليد الطاقة من المصادر النظيفة او الصديقة للبيئة كالطاقة الشمسية او طاقة الرياح او طاقة المياه. وعلى الرغم من التحسن الحالي الطفيف في تجهيز الطاقة الكهربائية الا أن العراق لايزال بأمس الحاجة الى الدعم الامريكي في مجال الطاقة الكهربائية .

-التعاون في مجال الـصـحـة : تعرض القطاع الصحي العراقي لأضرار كثيرة نتيجة الحروب وسنوات الحصار الاقتصادي والاحتلال ! لذلك فان العراق لديه احتياجات طبية شديدة، ناتجة عن السنوات الطويلة من العقوبات الاقتصادية، والتي انهار خلالها نظام الصحة العامة وتدهورت الخدمات في المستشفيات، يضاف الى ذلك ما تسببت به الحرب وعدم الاستقرار الامني في اعقاب عام 2003 الى الاضرار البالغ بالبنية الصحية، عن طريق احداث القتل التي تعرضت لها بعض الكفاءات الطبية العراقية وهجرة بعضها الاخر الى خارج العراق. ان العراق بحاجة الى مزيد من التعاون الثنائي لتأهيل مؤسساته الصحية وتزويدها بالادوية والعلاجات المتطورة والحديثة وتعزيز خبرة كوادره الطبية من اجل جعل العراق قادرا على مواجهة المشاكل الصحية التي يعاني منها المجتمع العراقي وبالتالي الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية.

ï-التعاون في المجال العلمي : تعتبر الولايات المتحدة الدولة الاكثر تقدما” في مجال العلوم والتكنولوجيا في وقت تتوافر فيه للعراق امكانيات هائلة ليصبح من الدول الرائدة في العلوم والتكنلوجيا في المنطقة، ولكنه كي يصل الى هذه المرحلة، فهو بحاجة الى انعاش مؤهلات علمائه، عن طريق اعادة اندماجهم في التجمعات العلمية الدولية، والعمل على تفعيل تمويل الابحاث والتجارب التي يقوم بها الباحثون والعلماء العراقيون. ان تفعيل التعاون الثنائي المثمر بين المراكز العلمية والبحثية والمؤسسات الاكاديمية في العراق والولايات المتحدة الامريكية  يؤدي الى اختصار العراق لكثير من الوقت كي يصل الى المستوى العلمي المطلوب، الذي يؤهله لمواجهة التحديات.

-التعاون في المجال العسكري:  سيبقى العراق لسنوات طويلة بحاجة الى تطوير وتسليح قواته المسلحة لتكون قادرة على حماية الاراضي والاجواء والمياه العراقية وتشكل المؤسسة العسكرية الامريكية مصدرا” مهما” واساسيا” من مصادر التسلح العراقي الا أن الجيش الامريكي لم يبدي استعدادا” جديا” لتقديم الدعم  المطلوب في مجال التدريب للقوات المسلحة العراقية في مختلف المجالات والمستويات بحسب التفاهمات والاتفاقيات الموقعة بين الطرفين ، وكذلك لتجهيز القوات المسلحة العراقية بالسلاح الضروري لمواجهة تهديدات القاعدة المتصاعد في العراق .

 معوقات تطوير العلاقات العراقية الامريكية :

 من المحتمل ظهور عدد من المعوقات والمشاكل التي قد تعيق تسريع تطور العلاقات العراقية الامريكية ، وفيما يلي ايجاز لأهم هذه المشاكل والمعوقات المحتملة :

-التداعيات السلبية الناجمة عن الاحتلال الامريكي للعراق على الصعيد الاجتماعي والسياسي كل من العراق والولايات المتحدة الامريكية ، حيث لايزال الرأي العام في العراق يعتبر أمريكا دولة محتلة دمرت البنية التحتية واساءت للعراقيين ! في حين لايزال الراي العام الامريكي يعتبر   العراق  منطقة غير امنة نسبيا وغير مستقرة، على الرغم من ورود بعض التقارير الايجابية عن واقع النمو الاقتصادي والاستثمار الأجنبي فيه مما يشكل عائق حقيقي امام تطوير العلاقات في المستقبل.

– لا يعامل المواطن العراقي في مسألة حصوله على تأشيرة دخول امريكية من بغداد كما يعامل المواطن الامريكي الراغب بالحصول على تأشيرة دخول الى العراق وهذا الامر يشكل نوعا” من الحساسية والشعور بعدم التعامل العادل والمتوازن من الجانب الامريكي ، الامر الذي يستدعي جهدا” متبادلا” لتجاوز هذه المسألة  مما سيعزز من فرص تطوير العلاقة في المستقبل.

-من المحتمل ان تبرز ايران كعقبة مستقبلية في طريق تطوير العلاقات العراقية – الامريكية ،  فوفقا للمدرك الستراتيجي الايراني، ايران لديها مصالح استراتيجية دائمة في علاقتها مع العراق، وكذلك مساحة واسعة من النخب السياسية العراقية  وان رحيل القوات الامريكية من العراق يعتبر على انه نصر ايراني على اساس السباق الدائر منذ فترة للحصول على السيطرة الاقليمية. اضافة الى ان واشنطن تنظر بعين الريبة للبرنامج النووي الايراني، ولديها ادراك مسبق بأن هذا البرنامج سوف لن يكون مقتصرا على الاستخدام السلمي، مما يترتب على ذلك من نتائج غير مرغوبة على المستوى الاقليمي، ومن هنا تتضح صعوبة المسؤولية الواقعة على عاتق صانع القرار السياسي في العراق، المتمثلة بضرورة الموازنة في علاقاته بين كل من ايران من جهة والغرب والمجتمع الدولي من جهة اخرى وخاصة الولايات المتحدة الامريكية .

-لايزال الوضع الامني والسياسي الذي تشهده سوريا يلقي بظلاله على الواقع الامني العراقي في وقت تشهد المواقف الامريكية والعراقية والغربية تباينا” واضحا” ازاء ما يجري في سوريا الامر الذي قد يؤثر بشكل او بآخر على العلاقات الامريكية العراقية .

-ان تفاعلات السياسة الدولية يمكنها ان تخلق توترا في العلاقات العراقية-الامريكية ، فبالاستناد الى دور العراق المتزايد كمنتج ومصدر للنفط، فأن دولا ذات شأن ونفوذ في البيئة الدولية كروسيا والصين  وفرنسا وألمانيا ستنظر للعراق كدولة ذات أهمية ستراتيجية، وان اتجاه العراق المحتمل بالسعي الى تأسيس سياسة خارجية متعددة العلاقات، سيخفض منزلة الاهمية النسبية للروابط  مع الولايات المتحدة الامريكية . حيث أن اضعاف النفوذ السياسي الامريكي في العراق لصالح نفوذ دول أخرى بعد كل التضحيات التي تم تقديمها في الماضي، سيفسره البعض على انه خسائر لأمريكا  في العراق.