زمان جديد ـ عشاق لوحدنا ـ حامد الكيلاني
التطهريون في كل منعطف وزاوية، وفي الشوارع العامة، وفي الاماكن المنعزلة والمحصنة وفي المناصب العليا وفي الدولة ومشرعيها وقضائها وفي الاحزاب والجيش والشرطة وخدام الوظائف وفي مؤيدي النظام وفي مؤيدي الثورة وفي الكادحين وفي العودة وفي التغيير الاداري ..
ستنتكس الحرية وينكفئ الربيع على وجهه، مدمياً على اسفلت اسود، لينفض كل اوراقه الخضر وازاهيره الحمر، وسط المسيرة، وبين الهتافات الصادحة في الشوارع الانيقة ثمة قلق ولافتات وحشود وايدي مشدودة على بعضها وشباب ، لافتة ممزقة ، واخرى تندفع وشيء من غضب ، عبور على جسور ، وعشاق كالنمور ، يوصفون بغياب العقل ، العام 1968 المكان باريس ، سارتر يضع يده بيد شابة جداً من عمره الممتد.. سيمون دي بوفوار ، يخلع معطفه ، معطفها ، يرميهما في فضاء ليل شتاء من فوق احد الجسور على نهر السين الوادع ، لتكتمل فكرة انطلاق صيف يحتمل فك الازرار لقميص ابيض مفتوح، ولو من الاعلى لفتيان وفتيات الثورة ، وفرانسواز ساغان الجريئة تتطوع للسقوط في شعاع ماء بارد ، يعيد العقل لعربات القطار التي غادرت عقل محطات التطهر ..
دانيال ، امرأة في الثلاثينيات وقد تكون في الاربعينيات ، تمتهن التدريس ، اورق فيها ربيع حب احد طلابها شاب صغير ، جيرار غاب عقله ، دانيال غاب عقلها ، الاثنان عادا اطفالاً ، حاولوا في 1968 ان يصبحوا راشدين ، كسروا قواعد الصف والمدرسة ورتابة وغباء الاستقرار في المعتاد ومنظومة احتكار الحقيقة والاخلاق والقوة وتجهم اباء العائلة الحازمة الرابطة ، دانيال مع جيرار في المسيرة ، عشاق الفضيحة ، صوتهم يعلو ، فضيحتهم تكبر ، اصبحت مشاعة ، يروضها القانون لتغريرها بالطالب القاصر ، تحاسبها المؤسسة التعليمية ، يحاسبها الاب المناضل القديم لاعادتها الى رشدها ، يتم اخضاعها لقمع علماء النفس ، لترشيد وعيها وتدجين وحشيتها ودمويتها وقسوتها وتجاوزها للقيم والعادات والتقاليد والاعراف ومساطر سلطة الطقوس وشكل الكائن وسط المجموعة وخارج الابواب ، جيرار عاشق التقاها في لحظة حب ، وتوهج ربيع الرفض ، طارد غزالة في وسط الثلوج وما ان وصلت الى فصل الذوبان تحت شمس وجدت طريقها بين الغيوم ، حتى اكتشف مخاطر الصيادين ، فأوغل في حبها وقطع كل الطرقات ليحميها بقلبه المنكسر وعاطفته المتهرئة تحت شظايا مؤسسات العقل وبرامجيات الترويض لشباب 1968 ..
انتهت ، عاد جان الى معطفه وعادت دي بوفوار الى معطفها ، عاشقان تحت حماية الفلسفة وروح فرنسا ومنظومة النفاق لسلطة التأريخ وتحت حماية سقف التعايش بالحب والمساكنة، وكانت زيارتهما لمنطقتنا بمنظومتها وشراستها بشرائعها مثالاً لغياب العقل الحاكم للمجموعة، والرافض لسن الرشد السارتري، مع الخضوع لقامة سارتر سيمون الجسد العولمي لفرنسا ، وساغان ذهبت الى ارصفة غياب ومجهول ونزول الضباب على سكة حديد غادرها القطار ولم يعد يسمع منه سوى صفير شباب الثورة المنكسة الاعلام ..دانيال وجيرار ، مثالية النزوع الى الحرية ، يرفضان العودة الى صف المدرسة وكراسي العقلاء ، هما يندفعان الى النهاية ، وحيدان وسط ميدان الكونكورد وساحة التويلري ، محاطين بـ العقلاء اكتشفا الغباء الواسع تحت ركام النظام واستحالة ازالته .. يتجمع حولهم الثوار والنظام الجديد والنظام القديم والقديم جداً، والاب ومديرة المدرسة والزميلة والطبيب النفسي والجيران والشرطة ، امامها البحر وخلفها تسحق حياتها والحياة .. يوم حزين ذهبت فيه دانيال لتحتج على عقل التطهر خارج الابواب المغلقة ، ولترفع من جديد راية ممزقة من ثورة الشباب ، تجمعها في قبضتها لتواجه الحواجز بالحب والحرية التي حولت الاطفال الى راشدين رغم انطفاء الضوء في المدينة..
الموت حباً .. استذكار لرواية بيار دوشين بفيلم من اخراج اندريه كايات خياط ، للرائعة الراحلة أن جيراردو ..
هكذا ، ثمة قلق ونكسة ربيع وانسحاق وبحر امامنا .. عشاق لوحدنا محاطين بالخراب.
AZP20
























