البعد الإنسانى فى نصوص تشيكوف الواقع يرتدي معطف الأمومة

البعد الإنسانى فى نصوص تشيكوف الواقع يرتدي معطف الأمومة
حساسية القاص تفيض بين السطور
شوقي بدر يوسف
ترتبط القصة القصيرة بحياة الإنسان من كافة جوانبها الواقعية والفكرية والإنسانية، كعلامة هامة تسجل، وتحكى، وتسرد، وتثرثر عن الواقع، بقضاياه، وأزماته، وكل ما يرتبط بهمومه الحياتية من كافة الوجوه، لذا كان عنصر الأزمة، والدهشة، والإبهار لهذا النوع من الكتابة كافيا لشيوعه، وانتشاره على نطاق واسع، فظهرت العديد من تياراته، ومدارسه المتفردة، حيث ظهر فى أفق الكتابة القصصية أنماط من الكتّاب بصموا إبداعاتهم فى هذا المجال ببصمة التفرد والتميز، فظهرت مدرسة جى دى موباسان فى فرنسا، وإدجار آلان بو فى أمريكا، وأنطون تشيكوف فى روسيا، وغيرهم من المدارس والتيارات التى كان لها تأثير كبير فى حياتنا الأدبية.
ويمثل أنطون تشيكوف 1860 ــ 1904 وسط هذه الساحة السردية الكبيرة من الكتابة القصصية ملمحا هاما فى كل المراحل التى مر بها هذا الجنس الأدبى الطاغى، الماكر، المراوغ، صاحب السطوة والحظوة الكبيرة فى الأدب الحديث، بل إنه يعتبر واحد من أعظم كتاب القصة فى العالم، بل يرى بعض النقاد أنه أعظم كاتب قصة قصيرة ظهر فى الأدب العالمى على الإطلاق، وذلك لما يتميز به من خصوبة الخيال، وذكاء فى التناول، وشاعرية فى الصياغة، وسخرية عميقة فى الأداء، بالإضافة إلى ما فى أدبه من فلسفة عالية، وعطف حقيقى على الإنسان ومشاكلة الحقيقية التى يعانى منها الكثير فى الحياة العامة والخاصة، من هنا كانت لقصصه متعة لا مثيل لها، وفلسفة خاصة فى تقديم حقائق النفس الإنسانية، وما تعانيه من عذابات، ومآسى فى الحياة، كما يمثل فى نفس الوقت مدرسة لها تفردها، وألقها الخاص، وتأثيرها العميق والكبير فى صياغة، واتساق هذا الجنس الأدبى صاحب الصوت المنفرد فى التعبير، وصاحب التجربة الثرية، والخصبة التى فرضت خطوطها، وأسلوبها الخاص المتميز على عدد كبير من كتاب القصة فى كل بلدان العالم لما تتميز به من مقومات خاصة فى الصياغة، ومعالم اتسمت بالصدق والحرارة والعمق، وبرعت فى أن تجعل للتفاصيل الجزئية البسيطة فى حياة الإنسان الواقعية دلالات عميقة الجذور من خلال احتفائها بجوهر الإنسان فى شتى مراحل تجربته، وممارساته الإنسانية، ومواقفه مع نفسه ومع الآخرين. وعمقت فى فن القص الحديث أبعادا كثيرة، جعلت من مدرسة تشيكوف للقصة القصيرة ذات الأبعاد الإنسانية، مثلا يحتذى، وطريقة للكتابة، بل ومصطلحا معروفا فى هذه المجال أصلت به الرؤى والتجارب العميقة فى الفكر الإنسانى المعاصر.
النظرة المستديمة
ويكمن البعد الإنسانى فى قصص أنطون تشيكوف فيما تقدمه هذه القصص من تجربة ورؤى إنسانية خاصة لشخصيات أنتخبها تشيكوف من المجتمع الروسى فى مرحلة من المراحل الذى كانت فيها الحياة العامة فى روسيا تعانى من تأزماتها، إبان حكم القياصرة، خاصة وأن هذه المراحل كانت تتسم بالقمع، والتسلط، والقهر، وما فعله ذلك فى نفوس الناس وعقولهم، وانعكاس ذلك على الواقع الذى يعيشونه. كما يكمن هذا البعد أيضا فى هذه النظرة المستديمة لهذه الشخصيات للأمور العامة من خلال تواجدها فى بيئة مهترئة، وأجواء ومناخ لاإنسانى، لذلك عرج عليها تشيكوف ليجسد من خلالها جوانب من المجتمع الروسى فى إبداعه القصصى فى شتى توجهاته وأشكاله وملامحه آخذا فى الاعتبار تجربته الخاصة مع الحياة، واحتكاكه مع العديد من الشخصيات التى وجدت نفسها تتجسد فى قصصه، وتنتقل إلى الإبداع كرمز لنواح كثيرة أصل فيها الجانب الإنسانى كما عايشه هو، وكما عايشه الناس فى كل مكان، حيث مزج المأساة مع السخرية، والواقع بالخيال، وغير ذلك من المواقف الكاشفة فى أدبه القصصى. كما تكمن عظمة هذا الكاتب الكبير وعالميته، من خلال تكريس أدبه وفنه، لصالح الناس العاديين، حيث احتفى بالإنسان فى كل مراحل حياته، خاصة المواقف الإنسانية المتأزمة.
كان تشيكوف يتميز عن كثير من الأدباء الروس بحساسيته الروحية، وبقوة الوعى والإدراك نحو كل ما هو إنسانى، حيث يحرك فيه هذا الجانب نوازع التعبير والإبداع، من خلال التجربة الإنسانية الحميمة التى كثيرا ما كان يحتفى بها على مستوى الواقع، ويأخذ منها شخوصه والمواقف المحيرة والمدهشة المتواجد كثير منها فى قصصه القصيرة، مما أدى إلى شهرته، وخروجه من حيز المحلية فى روسيا إلى رحاب الإنسانية كلها، بإبداعاته وكتاباته القصصية والمسرحية التى وضع فيها خلاصة تجربته، ووعيه بدراسة الإنسان من جميع وجوهه، لقد استطاع تشيكوف أن يعكس كثير من الانفعالات والصراعات الدائرة فى الحالات الغير إنسانية فى قصصه القصيرة ولكن بشكل إنسانى صرف. وحدد خطوط التماثل فى كل دقائقها، وملامح حياتها، حيث اكتسب أيضا من دراسته للطب نظرة موضوعية للحياة ومركباتها المعقدة، فانعكست هذه النظرة على معظم كتاباته فى القصة والمسرح ، ويقول تشيكوف فى هذا الصدد لا شك عندى فى أن دراسة الطب كانت ذات تأثير بالغ على عملى الأدبى، لقد وسعت من مجال ملاحظاتى، وكانت معرفتى للعلوم الطبيعية، والمنهج العلمى دائما ما تعصمنى من الزلل، وقد راعيت فى كل ما كتبت ألا يتعارض ــ قدر الإمكان ــ مع حقائق العلم.. . لقد كتب تشيكوف كثيرا من القصص، وكانت له طريقته فى الكتابة، والسرد، والتفعيل الدائم للنص القصصى بطريقته التى أصبحت بعد ذلك علامة فى الكتابة القصصية بصفة عامة. يقول تشيكوف فى ذلك أنا لا أستطيع أن أكتب إلا على أساس من الذكريات، كما إننى لا أصور شيئا نقلا عن الطبيعة مباشرة، إننى فى حاجة إلى ذاكرتى الخاصة المليئة بتجارب إنسانية كثيرة اكتسبتها من علاقاتى، ودراساتى، واحتكاكى بالناس والمجتمع، لذلك فإن الذاكرة عندى هى التى تصفى الموضوع المراد التعبير عنه، ومن ثم فإنه يرسب فى القاع، وينتج عنه معنى أدبيا جديدا، يخرج على شكل قصة أو مسرحية . ولعل هذه النظرة الموضوعية فى إبداع تشيكوف كانت من العوامل الهامة التى ساعدته على أن يتميز على معظم أدباء عصره بنضوج وعيه الإجتماعى، وعمق إحساسه بآلام البشر من حوله، واستخدامه لحواسه كلها فى تجسيد مظاهر الإنسان بكل ما يحمل من تجارب وأحوال ومقاربات حياتية، ولعل صدق الأحاسيس، وعمق التجربة قد تأصلت فى نفس تشيكوف من خلال إرثه النفسى والاجتماعى الذى وصل إليه من أسرته، وهو كما يقول عن أصل هذه الجذور كان جدى من رقيق الأرض، وأستطاع أن يدخر قدرا من المال اشترى به حريته وحرية أبنائه، وكان على حد تعبيره، يتلقى ضربات السادة النبلاء، بل وكان فى استطاعة أصغر موظفى الضيعة أن يحطم رأسه، ومن ثم فقد كان جدنا يقسو فى ضرب والدنا، وكان والدنا يقسو أيضا فى ضربنا، وهكذا كانت الإهانات والممارسات الإنسانية العنيفة والقاسية تبدو وكأنها سلسلة من الممارسات وصلت إلينا من السادة الكبار، وحتى أصغر فرد فينا . ومن ثم فقد اتسمت حياة تشيكوف بعد ذلك بطابع القسوة، والصبر والجلد فى شتى مناحى الحياة، وأصبح على تشيكوف بعد أن أفلس دكان أبيه الذى ورثه عن جده أن يكافح فى سبيل القوت، وأن يعمل بجد واجتهاد ليعول أسرته الكبيرة، وفى نفس الوقت لإتمام دراسته فى الطب، و فى هذه الأثناء بدأ فى كتابة عددا من القصص الفكهة نشرها تحت أسم مستعار لقاء أجر زهيد كان يستعين به فى مواجهة أعباء الحياة. لقد كانت لحياة تشيكوف الخاصة تأثير كبير على إبداعاته القصصية، فقد مهدت حياته الخاصة الكثير لعالمه الإبداعى فى الإنتشار والذيوع، وأصبح أسم تشيكوف وكأنه مصطلح خاص لكتابة الفن القصصى فى الأدب الحديث، وخرج أدب تشيكوف إلى الحياة من خلال معطف حياته الخاصة. وقد استطاع أن يحقق بالتزامه التام تجاه أدب القصة، وإخلاصه الكبير له قيمة فنية كبرى، كتلك القيمة التى تكمن فى الأعمال الإنسانية الكبيرة فى الأدب، وذلك بأنه أعطى الشكل والمضمون إهتمامهما الكامل فى جوهر الصياغة الفنية، لذا جاء أدبه ملتزما ومسؤولا، وحقق من خلال ذلك قفزة إنسانية راقية فى فن القصة القصيرة لها حساسيتها، وجمالياتها الخاصة، وذوقها الرفيع، وهذا ما توضحه إبداعاته فى القصة الإنسانية التى اتسمت بها أعماله. نذكر منها على سبيل المثال قصص حكاية تافهة ، العنبر رقم 6 ، الشقاء ، و السيدة صاحبة الكلب ، موت موظف ، و الحرباء وقصص كثيرة لا حصر لها نجد فيها تآلفا، وتناغما بين الشكل والمضمون بحيث يعبر كل منهما عن فنية والتزام كامل بكل عناصر ومفاهيم أدب القصة القصيرة. إنطلاقا من ذلك كانت قصص تشيكوف لها تأثير عميق على القراء، بحيث إنها كانت تسبب لهم شيئا من الحساسية تجاه الحياة، وشيئا من التوتر تجاه القيم والمعايير الأخلاقية المتردية، حتى إن لينين عندما قرأ قصة العنبر رقم 6 وكان فى الثانية والعشرين من عمره قال عندما انتهيت من قراءة هذه القصة مساء أمس، انتابنى إحساس خانق فظيع، ولم أستطع أن أبقى فى غرفتى، فنهضت وخرجت، لقد كان يسيطر علّى إحساس كما لو كنت بالضبط مسجونا فى هذا العنبر . لقد جسد تشيكوف فى هذه القصة أشياء متهرئة كثيرة، ومواقف إنسانية ولاإنسانية، وعبر فيها عن التضاد الموجود فى الحياة، والشخصيات الموجودة على مستوى الواقع فى كل زمان ومكان وذلك من خلال الحارس نيكيتا وهو جندى قديم، لا يرى إلا وبين شفتيه غليون، عصبى المزاج، ضخم الكفين من كثرة إستخدامهما فى تعذيب النزلاء، وهو أيضا أحد الأشخاص الجديرين بالثقة، المحبين للسلطة، والذين يتسمون بضيق الأفق، وظلام العقل، ويضعون النظام فوق كل شئ فى العالم، ويعتقدون أن الضرب هو أن أنجع الوسائل للتهذيب، واستخلاص المعلومات من نزلاء العنابر، فتراه يصب ضرباته دون حساب، أو تمييز للوجوه أو الصدور أو الظهور مقتنعا بأن ذلك هو الطريق الوحيد لحفظ النظام، فهو يمثل كلب السلطة الذين تطلقه على كل من تريد تأديبه وتعذيبه، والعنبر فى حد ذاته به خمسة النزلاء الدائمين فى مستشفى الأمراض العقلية، أحدهم من الطبقات العليا، والأخرون ينتمون إلى الطبقات الدنيا المهمشة، ولكل واحد من هؤلاء النزلاء حكاية خاصة يسردها تشيكوف، ويحدد من خلالها الجوانب الإنسانية لكل شخصية، وما يحيط بها من ظروف أدت إلى إدخالها المستشفى، وبالتحديد فى تواجدها فى العنبر رقم 6 الشهير، كما يصف تشيكوف أيضا حالة كل مريض على حدة فى هذا العنبر، والممارسات التى تميزه عن زملائه أبتداء من المريض الذى ينام فى الفراش المجاور لباب العنبر وحتى آخر نزيل، فهذا الرجل الطويل النحيل الذى يجاور الباب تماما، والذى يبدو فى حالة إنقباض دائم، والرجل الهرم القصير القامة المتدفق حيوية خفيف الحركة ذو اللحية المدببة، والمرح الصبيانى، والذى يتلوه فى الفراش مباشرة، و موسى اليهودى الذى يليه أيضا، وهو الوحيد الذى يسمح له بمغادرة المبنى والتجول فى فناء المستشفى، بل والتسرب إلى الشارع والعودة بأشياء، يسرقها أحيانا منه الحارس نيكيتا ، وهو رجل خدوم لرفاقه يعتنى بهم ويحضر لهم أشياء من خارج المستشفى، ثم إيفان دميتريتش الشاب الذى كان يعمل سكرتيرا بمكتب لإحدى الحكومات الأقليمية، وأصيب بعد ذلك بجنون الأضطهاد، وبعد ذلك، الجار الأيمن لليهودى موسى وهو فلاح متكور دائما ومتورم، وكان يبدو كالحيوان الكسول البطين القذر الذى نسى التفكير والحركة منذ زمن طويل فانعكس ذلك على قدراته، وتصرفاته، وقد أعتاد الحارس نيكيتا أن يضربه ضربا وحشيا، دون أن يبدو عليه أى شئ نتيجة هذا الضرب المبرح، بل كان يتأرجح من ناحية إلى أخرى كالدن الثقيل دون أن ينطق أو تظهر عليه أى علامات تمرد. أما الساكن الخامس والأخير لهذا العنبر، فهو شخص من سكان المدن كان فيما سبق يعمل مصنفا للخطابات، وكان يبدو من صفاء عينيه الذكيتين أنه يحتفظ بسر هام بهيج. تلك كانت شخصيات العنبر رقم 6 ، وحين حضر أحد الأطباء الشبان الجدد إلى المستشفى تغيرت الأحوال، وبدأت سلسلة من العلاقات الإنسانية خاصة بين أيفان ديمتريتش وبين الطبيب الجديد، إذ حدث بينهم جدل حول وجود المرضى داخل المستشفى، وقارع كل منهم الآخر بالحجة والمنطق، وقد رد الطبيب الجديد على تساؤله عن جدوى تواجده فى هذه المستشفى، وعن رد فعله إزاء ذلك أتسألنى ماذا يجب عليك أن تفعل ؟ إن خير ما يمكنك فعله هو أن تفر. ومن سوء الحظ أن المجتمع إذا صمم على وقاية نفسه من المجرمين والمرضى بالأمراض العقلية وغيرهم من المقلقين، فإنه لا يلين ولا يقهر. فليس لديك من المسالك المفتوحة إلا مسلك واحد. وهو أن توطن نفسك على أن وجودك هنا أمر ضرورى . وتثير الأحداث بعد ذلك فى إيقاع السريع، وفى آلية متنامية حتى تنعكس الحالة الإنسانية، وتضيق الحلقة على الطبيب الجديد بواسطة زملائه وأصدقائه الجدد، وبدلا من تعاطفه مع المرضى، ومخاطبتهم بما فيه مصلحتهم، يجد نفسه يسير إلى الهاوية وتبدأ حالته الصحية والنفسية فى التدهور، حتى يقضى فى نهاية النص. إن قصة العنبر رقم 6 إنما تمثل حالة من الحالات الإنسانية القائمة على تعدد الرؤى والأفكار حول الإنسان ومدى جبلته تجاه ذاته وتجاه الآخرين، ولعل الشخوص التى استخدمها تشيكوف فى هذه القصة تعبر وتجسد حالة من الإنسانية المعذبة سواء كانت متمثلة فى مرضى العنبر أو فى الطبيب الجديد الذى جاء لعلاجهم إلا أن الإنسان فى الحالتين هو الإنسان وهو ما جسده تشيكوف بهذه الصورة المفزعة والمأسوية فى هذا النص.
وفى قصة الشقاء تتبدى المعاناة الإنسانية، والجانب الإنسانى المثير للشفقة والشجن، فى شخصية الحوذى ايونا يوتايوف الذى فقد أبنه منذ أسبوع، وهو يقف من هذه المأساة والكارثة الذى فجرت داخله منابع الحزن العميق، مسلوب الوعى، فاقد الإدراك، لا يدرى ماذا يفعل، ولا لمن يبث شكواه، ويحاول تشيكوف فى هذه القصة جذب انتباه القارئ إلى هذا البعد الإنسانى الذى من الممكن أن يتغلغل داخل أى شخصية تقف هذا الموقف، عن طريق الحدث الذى يلون الشخصية، ويمنحها بعدها الإنسانى المهمش والمأزوم، فالشقاء المرسوم على وجه الحوذى يجعله يحاول أن يبث شكواه إلى ركاب عربته، ولكنه لا يجد منهم آذانا صاغية، وعندما يعجز أيونا فى البحث عن أذان تسمع شكواه، وتتلمس منه مظاهر حزنه العميق على ولده، يلجأ إلى حصانه يحدثها بذلك، باثا له مأساته، فعندما يعودان إلى الأصطبل فى المساء، يقف أيونا أمام الحصان ويتحدث معه عن مأساة فقده لولده، ويحكى له الحكاية كاملة، ويستمر الحصان فى النظر إلى وجه أيونا بينما هو يمضغ وينصت ويتنفس بالقرب من يد صاحبه. إن هذا البعد الإنسان الذى جسده تشيكوف فى هذا الموقف العصيب لشخصية أيونا الأب، توضح مدى قدرة تشيكوف على رسم شخصياته من الداخل، بمنح هذه الشخصيات الصدق الفنى، والحياة الإنسانية بكل أزماتها ومآسيها، فهو لا يتوقف على لمس مظاهر الحزن الطاغية فى شخصية الحوذى أيونا ، بل هو يذهب إلى أبعد من ذلك حين يحيط المكان والبيئة بهذه المظاهر، حتى يصل إلى مرحلة أنسنة الحيوان ليعمق من خلال هذه التضمينة الرائعة للنص عنصر المأساة والبعد الإنسانى فى واحدة من أجمل القصص الإنسانية على الإطلاق، إيمانا منه بوحدة الحدث، ووحدة المأساة التى جرت لهذه الشخصية البائسة، والتى لا تجد لحالتها ونيسا سوى زميلها فى العمل وهو الحصان.
وفى قصة كمان روتشيلد تمرض زوجة الحانوتى ياكوف الذى كان بجانب عمله يجمع نقودا إضافية من عزفه على الكمان، وبعد أن قام بعمل مراسم الدفن، جلس عند حافة النهر متألما، لقد كان فى حيرة من أمره. وبدأت هواجسه تتحرك وهو فى هذا الوضع، إذ كيف حدث هذا ؟، وما الذى جعله يأتى إلى هذا المكان فى هذه الظروف الصعبة؟، أنه خلال أربعين أو خمسين عاما من عمره لم يذهب إلى النهر ولا لمرة واحدة، وحتى لو أنه قد فعل ذلك، فإن النهر لم يسترع انتباهه. انه نهر كبير.. ويمكن اصطياد الأسماك فيه ثم يبيعها للتجار والموظفين وأصحاب المطاعم ويضع النقود فى البنك. لماذا يعمل الناس فى الأشياء غير الضرورية لهم بالذات؟ لماذا كان ياكوف يتخاصم مع الآخرين، ويشتمهم طوال حياته، ويلّوح بيديه دائما مهددا، ويهين زوجته..؟ لماذا يعرقل الناس هكذا بعضهم بعضا فى الحياة؟ أية خسائر من جراء هذا؟ خسائر مخيفة . إن أعمال ياكوف ليست إنسانية، ولكن يوجد فى اعماقه ــ مع هذا ــ إنسان حى. إنه يعزف على الكمان بحزن لدرجة يبكى فيها حتى ذلك الإنسان الذى كان مستاء منه، لقد كانت كلمة الخسائر الذى أوردها تشيكوف على لسان الحانوتى وهو فى قمة مأساته الإنسانية هى جماع هذا البعد الإنسانى الواقعى الذى يعبر عن عمق المأساة والمعاناة الذاتية الذى يمر بها فى هذه الظروف. لقد عكس تشيكوف فى هذه النظرة الإنسانية العالم الذى كان يعرفه بدقة متناهية.
فى كل مكان وزمان
وتبدو فى قصة الحرباء جانب إنسانى محدد وهو متواجد دائما فى كل مكان وزمان، جسده تشيكوف من خلال شخصية مفتش البوليس اتشوميلوف الذى يتردد على السوق فى دورية روتينية عادية، حين يسمع صوت استغاثة من أحد العمال، وهو يقبض على جرو صيد أبيض ذو أنف حاد وبقعة صفراء على ظهره، ويتهمه بأنه عضه، ويتعامل مفتش البوليس مع الموقف من زاوية الحرباء التى تتلوّن مع كل موقف بلون مختلف، فهو مع العامل الذى سبب له الكلب الجرح فى يده عندما يعلم بأن الكلب من الكلاب الضالة، فالعامل فى هذه الحالة أهم من الكلب، وعندما تردد قول بأن الكلب مملوك للجنرال، سرعان ما يتهم العامل بالتقصير، فليس من المعقول أن يعضه الكلب فى يده، ويعلل ذلك بطول العامل وقصر حجم الكلب، وعندما يتردد قول آخر بأن هذا الكلب ليس هو كلب الجنرال، فالجنرال ليس لديه كلاب، يعود مرة أخرى فيهاجم الكلب، ويطلب بإعدامه فورا، جزاء عضه لهذا المواطن البائس، ولكن خادم الجنرال يحضر فجأة ويخبرهم بأن هذا الكلب هو كلب شقيق الجنرال الذى جاء حديثا إلى المدينة لزيارة شقيقه، حينئذ يتحول المفتش إلى الكفة التى يتواجد فيها الكلب ويتهم العامل بالقصور والغباء، وقد استخدم تشيكوف فى ذكاء القاص، ونفاذ بصيرة الكاتب الواعى، المدرك لأصول فنه، الناحية النفسية لدى المفتش عند تحوله من لون إلى آخر، حيث يطلب من مرافقه أن يخلع عنه البالطو حين يكون فى صف العامل، ثم يعود فيطلب منه أن يلبسه البالطو حين يتحول إلى صف الكلب، وهى وضعية خاصة بتحول الحرباء من لون إلى لون، فى أوقات تعرضها لمواقف صعبة. فى هذه القصة يبرز الجانب الإنسانى للسلطة حينما تكيل بمكيالين فى أحد القضايا العامة، فهى مع العنصر الأقوى دائما، وهى إحالة إلى قانون الغاب ، الذى يقول بأن البقاء للأقوى.
إن العواطف التى وضعها تشيكوف تجاه شخصياته من خلال ممارساتهم الذاتية، ومن خلال الأحداث والمواقف الموضوعة فى قصصه القصيرة، هى عواطف إنسانية واضحة، فلا نستطيع أن نعرف منها هو مع من وضد من، لكنه لم يحاول أن يجمّل هؤلاء الذين يحبهم ويتعاطف معهم، بل وحتى عند هؤلاء الذين لم يكن يتعاطف معهم. وعندما كان يتحدث بعض النقاد عن برودة علاقة تشيكوف ببعض أبطاله، فإنهم فى الواقع إنما يعبرون عن برودتهم هم تجاه فنه الأصيل. إن الجانب الإنسانى فى قصص تشيكوف دائما ما يطل من جنبات نصوصه القصصية، فى تعاطف مع الإنسان ومع الحيوان ومع كل من يرى أنه جدير بالوقوف بجانبه.
/4/2012 Issue 4179 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4179 التاريخ 21»4»2012
AZP09