ثقافة الاسماء المستعارة

ثقافة الاسماء المستعارة
حيدر عبد الرضا
لقد عرفت الآداب والنظريات النقدية العديد من الأساليب المرسلة عبر قنوات النشر والصحافة والاعلام، ولكننا لم نألف أو لم نحدد أسباب ظاهرة الأدباء الذين يختارون في نشر آرائهم ونصوصهم شبكة وأقنعة أسماء مستعارة ليس لها من دليل أو مؤشر كاف من الموضوعية على ذلك. ان مهمة الفكر الأدبي والنقدي والمعرفي والفني هي مهمة تقويمية وتصحيحية وثورية والعقل الراجح وصاحب التشكل القبولي، هو من يود دائما اظهار شكله وهويته وجذوره الحقيقية وليس شكله وكلمته التنكرية، وعلى مستوى من النمطية السلوكية الشاذة والمرفوضة أصلا في الشكل والجوهر والمضمون. ان الأدباء والنقاد الذين يكتبون نصوصهم وحقوق آرائهم بأسماء مزيفة ومستعارة، هم مع الأسف سوى أناس اصحاب رؤى تتجاذبها التخاذلية والجبن حيث لا تنظمها من جهة سوى دوافع رؤية شخصية خالية من المبادىء والأهداف الموضوعية والمقاصد السامية، فلو يملك هذا الأديب ولو للحظة واحدة ثمة معيارية وموهبة حقيقية لما أستعان بظاهرة القناع والتنكر بصوت معاكسة الحقيقة والأمانة الأدبية، فلا أعتقد مثل هؤلاء الأدباء أنهم في يوم من الأيام سوف يكونون من أصحاب الأقلام المبدعة والأسماء اللامعة فأذن ما هو جوهر حقيقة الكتابة بأسماء مستعارة؟ هل معنى ان هؤلاء الأدباء مع نصوصهم هم من حثالة الطبقة الأدبية المتدنية لذا نراهم يخفون أسمائهم وهوياتهم الحقيقية؟ أم ان هؤلاء مجرد أشخاص لا يملكون الحق والحقيقة في مجابهة حجة الطرف الآخر الشديد؟.
ان الأدب والنقد الحقيقي والأدباء الجيدين هم من لا يعرفون الانفصال والتعامي كذلك هم لا يعيشون في دائرة الانغلاق التنكري وفي موضع مسمى ما، بل ان الأديب والناقد الحق هو دائما في حاجة ماسة الى أظهار أسمه وعنوانه ونصه أمام احكام وذائقة القارىء وأمام معايير التبدل والتحول. فأنا شخصيا أبذل جهدا ملحوظا في المراهنة على ان هؤلاء الذين يكتبون بأسماء مزيفة، ما هم ألا ضربا من ضروب أدباء المآزق والمحن والجوع والصعلكة والفراغ الفكري، كذلك هم مجرد ملفوظات طفيلية من آليات الواقع الثقافي الهزيل والمشرد، كما أنهم بمثابة المسميات المحكومة دائما بمعايير طقوس زوايا المقاهي وزوايا حانات الخمور ومقاعد مبنى اتحاد الأدباء، بل هم افرازات ومخلفات مرحلة
صحافة الحواسم؟ ومتغيرات تعاطي الواقع الثقافي المزيف في الوقت الحاضر. وبعيدا عن مشهد هؤلاء أدباء الأسماء المستعارة، أجدني ميالا الى القول الشديد والمخلص أن الحرية الأدبية والنقدية هي قيمة عليا وقيمة فكرية هائلة، فلماذا لا نتعاطاها بصورة تديم شرعية التواصل الثقافي لدينا، وبدلا من الكتابة بأسماء وعناوين غريبة ومتنكرة، لماذا لا نواجه خوفنا من خصومنا ونعلمهم بالحقيقة وبما يسكن صدورنا وعقولنا من ملاحظة أو رأي أو انتقاد، علما بأن من أكبر وأسمى مقومات النص النقدي الجاد هو في أثبات الصواب ومحاربة الأخطاء وانصاف الأدباء وهفوات النصوص. ولكن تبقى هناك ثمة حقيقة أخرى تتعلق بسبب انتحال هؤلاء الأدباء شكل أسماء مستعارة، وهذه الحقيقة البشعة تكمن من أنهم أساسا هم ليسوا بأدباء أصلا، كذلك هناك في دواخلهم تكمن ثمة نزعة خوف ونقص في الأدلة الكافية على مواجهة ذلك الخصم المخيف، فضلا عن هذا فهم عادة بلا قضية وبلا مصدر موثوق في احياء شروط انشاء المواجهة الثقافية الحقيقية، وتبعا لهذا فهم أيضا أصحاب فكر ووعي تبعي ونقلي وتنميطي واقتباسي لجهة ثقافية ما مفصولة أساسا من قائمة الأدب والمواقف والآراء ومنابر القضية الساخنة. ان من أسباب تراجع نقادنا ونقدنا هو في عجزهم الأكيد عن تشخيص واحتواء ومحاربة مثل هؤلاء الأدباء الذين هم بلا حكمة وبلا ابداع وبلا أمل، بل ان من أخطاء نقدنا ونقادنا هو فهمهم التراجعي على ان النقد هو مجرد احتفال بشخصية المؤلف ونصوصه الساذجة، بل أننا اليوم بلا أمل في سيادة فكر نقدي حقيقي يطالب أولا وأخيرا بمحاربة شواذ ونفور الظواهر والمشاهد الثقافية الهزيلة، بل ان الناقد الأدبي اليوم نراه هو خارج جذور الواقع الأدبي والمواجهة الموضوعية الصلبة إزاء نفي واثبات منهجية مسالك الأمور والضوابط الثقافية. وهكذا تبقى ظاهرة الأدباء الذين هم يكتبون بأسماء مستعارة مع غفلة نقادنا وضوابط شرطية النقد الجاد، نلاحظ بأن هذه الظاهرة باتت تشكل جدار أختراق لأزمة غياب سلطوية الناقد الأدبي والذي هو معزول أصلا في زوايا الرفض والشلل والافات الأدبية السائدة من ثقافة الأخوانيات والصداقات وطاولات الخمور والأسماء المستعارة.
/4/2012 Issue 4179 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4179 التاريخ 21»4»2012
AZP09