إلتياذاً بالحضوره الخـالد – علي حداد

في ذكرى رحيل المقالح الأولى

إلتياذاً بالحضوره الخـالد – علي حداد

ليس هناك من نهر يجري في أرض اليمن ، وإن كانت نعمة السماء تنهمر عليها صيفاً مطراً موسمياً مدراراً يخصب أكثر مناطقها في الشمال والوسط . غير أن فيضاً آخر تناهى انهماره على تلك البلاد الأصيلة ، فغمرها كلها بخصب إنساني وثقافي ظلّ مدده دالاً على سجاياه طيلة ستة عقود متواصلة ، وذاك ما كان لرمز اليمن الثقافي الخالد ، وصنو اسمها في أسفار تاريخها المعاصر : الراحل الكبير الدكتور(عبد العزيز المقالح) رمز اليمن الثقافي الكبير وشاعرها الأبرز الذي عايش اليمنيون ـ ومن ساكنهم بلادهم ـ طبائع وجوده ، وهي تتهامى نبلاً وطيبة ، وكريم انتخاء وإشراق موقف ، وصحو إبداع باذخ التمسك بما تخيّره من رؤى ودلائل تكاشف الراهن باستقرائها ، وتستشرف الآتي بوعي يخبر عن انتمائها إليه .

ملاذ قيم

كان الراحل ملاذ قيم لاتكاد تعلن عن نفسها بهذا الغنى والاكتمال والتجسد إلا عنده ، وذلك ماجعله محجّة لمن يزور اليمن ومن أي وجهة من الاهتمام والاشتغال ومستوى المسؤولية أتى . فعند تنادي (مقيله) ـ الذي يغمره بدفء حضوره ـ يجد من يزوره اكتمال المعنى اليمني بكشوفات تاريخه وتجسده وقائع تحتكم إليها صيرورة إنسانية تعي إرثها ، مثلما تدرك ارتهانات حاضرها وإشكالاته ، فتمازج بينهما في مكتنز معرفي وجمالي أصيل يشير إلبها ويصدح بالتميز النبيل الذي حازته.

كانت للمقالح في الشعر سجايا تماهت مع ذاته وقتاعاتها الراسخة ، ففي قصيدته تنساب الأفكار بتياسر دلالي طالما نادت عبره بتيقنها الروحي العميق ، ومدركها القيمي الذي لايجادلها فيه إلا من لم يقارب مكتنزها من التجارب والمواقف والبوح الإنساني الشفيف ، وتلك النزعة الخاصة بحداثتها ، النائرة صحوها في متون لغة تقول كل ما تريد بنبرة متأنية ، ومن دون ضجيج فضفاض.

ولم يكن الشعر وحده وجهة إشراق لشخصية المقالح التي تشدّ التلقي وتشغله ، فلقد تناهى مدد فيضه مدونات عميقة الغوص في تاريخية الظواهر الفكرية والسياسية لليمن وتشكلها خصوصيات مجتمعية احتكم إنسانها وما يزال إلى تفوهاتها التي أمست طبائع خاصة به . وتماهياً مع ذلك كانت إشكالات الراهن العربي ومشكلاته مما يشغل الراحل طويلاً ، فيكاشف التلقي بتأشير وقائعها ، واستشراف مآلاتها من خلال مرتكز من التيقن (العروبي) المندس عميقاً في شخصيته  وقلمه الذي تهيأ لما يكتبه أن يتجاوز النشر اليومي في الصحافة اليمنية ، لتتلقفه أكثر من صحيفة ومجلة خارج اليمن.

 وللراحل منجزه النقدي اللافت الذي عاين به مخرجات الاحتكام  الثقافي والنقدي الحديث ، فكانت له مؤلفاته التي لايمكن تجاوزها لمن يستقري المشهد النقدي العربي المعاصر، بما ، رصدته من الظواهر الأدبية والمعرفية ، وبشرت به من جديدها .

كتب الراحل الكبير مرة ـ وهو يقدم الجزء الثاني من ديوان الزبيري ـ مؤشراً التفرد الذي يستحيل قدراً لشخصية شعرية بعينها ، تأتي في مرحلة مفصلية من تاريخ الشعوب أسماها (الشاعر التاريخي) الذي « يأتي ـ طبقاً لما أقره عنه ـ في منعطف تاريخي حاسم ، ويكون همزة الوصل العميقة بين العصر والتراث ، بين الحاضر والمستقبل. وهذه التاريخية تلقي على كاهله مسؤوليات لايحملها غيره ، وتضع في رأسه من الهموم ما لاتضعه في رأس شاعر آخر» . ولن يكون ادعاء القول أن هذا التوصيف لايكاد ينطبق على شاعر كانطباقه على (المقالح) نفسه الذي صنع اكتمال حضوره في المشهد الثقافي اليمني فارقاً برزخياً بين ما كان قبله وما سيأتي بعده . وحسبه ذلك مرتقى من الخلود تستعاد فيه ذكراه ، ويتجدد الوقوف عند باذخ ما ترك من الموقف الإنساني والمعطى الثقافي ، برحابتهما التي طالما التاذ بها من أراد أن يعرف خصب المعنى اليمني وأهله.